الإعلام والموسيقى.. أي دور؟

علي عبد الأمير
شأنها شأن أي قضية تتعلق بالحياة العربية، تخضع الموسيقى ونتاجها لفكرة التباين بين ( المثال ) و( الواقع )، وبدت الإنعطافات التي شهدتها الموسيقى العربية خلال القرن العشرين تبتعد شيئاً فشيئاً عن ( المثال )، لتنتج ظواهر وملامح جديدة في إنتاجها، غير أن الدراسات الموسيقية الأكاديمية ظلت دائماً أقرب لـ(المثال)، ومنغلقة تقريباً عن الظواهر التي ينتجها الواقع·
وتحديات استخدام التكنولوجيا المعاصرة في عمل شديد الرهافة، قائم على لحظة الخلق الفردية، وجوانبها الانسانية، وهو النتاج الموسيقي وتفترض على الأقل إلقاء نظرة على النتاج الموسيقي المقذوف إلى أجيال وقطاعات واسعة في غير بلد عربي، النتاج القائم على استخدام وسائل لا يبدو كثير منها له علاقة بالفكرة التي انطلقنا منها وهي، ان الموسيقى عمل إنساني قائم على رعشة الخلق الفردية ولمستها الغامضة العجيبة لمسة الإبداع ·
وإذا ظل هذا الإنقطاع بين المرجعيات الموسيقية الرصينة في بلداننا العربية وبين دراستها لما هو سائد موسيقياً ( في غالبيته نتاج غنائي )، مستمراً فأننا قد لا نفاجئ في ان تصبح ظواهر الموسيقى المعلبة والمتشابهة الموجزة في جهازي ( سيكونيسر وكي بورد )، صاحبة النفوذ الأكبر، كفكرة موجزة عن الموسيقى، هذا يتطلب بالدرجة الأساس دراسة متعمقة من الهيئات الموسيقية في كل بلد عربي، ولا بأس في تنسيق ذلك عبر "المجمع العربي الموسيقي"، لتحديد ثوابت عبر مناهج عمل تحديد سبل التعامل مع الآلات التكنولوجية التي تدخل في النتاج الموسيقي "الكومبيوتر، السكونيسرو الكي بورد"، وبموجبها يمكن تحديد ما يبقى للموسيقى عنصرها الابداعي الرئيسي دون أن تنغلق عن معطيات جديدة تأتي بها تقنيات العصر، والتي هي قطعاً ليست مجرد آلات بل طرق تفكير ومعطيات علمية ورؤية للحياة ايضاً ·

/site/photo/9812

العازف والمؤلف الموسيقي العراقي فرات قدوري.. من جيل معاصر يحارب من أجل الأصالة

وإذا كان هذا المستوى يخص معاهد الموسيقى وأكاديمياتها، فان هناك مستوى آخر لقراءة الظاهرة ( إستخدام التكنولوجيا ) إعلامياً، وهذا المستوى يذهب او يتشكل عبر محورين: الأول له علاقة بالإعلام الموسيقي المتخصص، والثاني له علاقة بوسائل الإعلام العادية المكتوبة والمسموعة والمقروءة. ورغم ندرة منابر الإعلام الموسيقي المتخصصة في الوطن العربي، الا انها ايضاً تعرضت لضغط من اتجاهين جعلها تتحول الى منابر شديدة العزلة، فمجلات الموسيقى التي فتحت صفحاتها للبحوث الأكاديمية عن الموسيقى تحولت ببساطة الى مراجع تؤدي غرضاً إرشيفياً، أكثر منه تداولياً بين طائفة أكبر من الاستخدام والإستفادة والضغط الثاني هو تحولها في كثير من الأحوال الى جمع وثائقي لمؤتمرات وملتقيات موسيقية، وهذه الوقائع جعلتها بعيدة في الغالب عن بحث في حالات مستجدة تطرحها تحديات مثل تحديات استخدام الآلات التكنولوجية المتطورة موسيقياً·

صحافيو "الإثارة" الموسيقية
اما بالنسبة لوسائل الإعلام العادية فان ما يخص وجود ذائقة نقدية ومعرفية بالموسيقى وأشكالها، عند من يعرض للنتاج الموسيقي وظواهره، أقرب للكارثة، فغالباً ما نقرأ لصحافيين توصيفات وأحكام قيمة من نوع "أفضل" و"أحسن"، والمطرب أو الموسيقي "الكبير"، دونما أي إحساس بالمسؤولية، ودونما تمحيص أو مراجعة. وبالنسبة لهؤلاء بالطبع يبدو تمييز الصوت الصادر من آلة موسيقية أصيلة وآلة موسيقية مخزونة في ذاكرة "الكي بورد" أقرب إلى إستحالة قيامهم برحلة الى المريخ، لكنهم يفسدون العملية كلها إذ يقدمون لآلاف القراء ظواهر نتاج موسيقي ويؤطرونها بتوصيفات وتعبيرات التفخيم والتكبير، وحسب هؤلاء الصحافيين والمندوبين يصبح خبر المغنيات الجميلات، ومغني الغنج الصوتي والحس، أكثر حضوراً بالطبع من تخصيص فسحة لعازف متمكن على آلة العود مثلاً، او لمؤلف موسيقي شاب، ضاج بالأحلام والأمنيات ويبحث بأعجوبة عن منبر لإيصال فكرته وصوته ·
وإذا كانت مؤشرات الإخفاق في إسهام الإعلام عبر منابره المكتوبة في درجة ما، فان مؤشرات الإخفاق في منابر الإعلام المسموع والمرئي تصل الى درجات خطيرة، فعلاً فهي منابر تصحب المواطن العربي أينما ذهب، وهي في إصرارها على تقديم النتاج الغنائي العربي اليوم بكل سطحيته، وبشكل مقصود لأغراض إنتاجية وإقتصادية قائمة أصلاً على الربح المادي دون غيره، فانها شئنا أم أبينا تقدم صورة مختزلة عن الموسيقى العربية بالنسبة لأجيال عربية طالعة·
وأرى شخصياً، إن هدما للذائقة الرفيعة تتولاه قنوات التلفزة الفضائية، وتوصلت طرق تعامل تلك القنوات مع النتاج الموسيقي إلى إلغاء شبه تام لوجود العازف والمؤلف الموسيقي، فهو غائب حتى عبر الأغنية، التي تحولت الى بناء بصري مثير، قائم على إستعراض بطولات العشق الخرافية للمغني أو المغنية، بينما يغيب صاحب النغم ومبدعه وعازفه، حتى بات من النادر التعرف على آلة موسيقية في صورة أغنية أو مقطوعة موسيقية ·

ذائقة متدنية 
وللمرونة الإنتاجية التي تتميز بها الآلات التكنولوجية، فان التأليف لمقدمات موسيقية لبرامج التلفزة والإذاعة، وحتى أعمالها الدرامية، يتم اعتماداً على هذه الآلات ويغيب مرة أخرى الحس الانساني لصالح تشابه مقيت، فما المختلف بين المقطوعة الموسيقية لبرنامج إخباري شهير من محطة فضائية وبين مقطوعة لبرنامج مشابه في فضائية أخرى، بل ان فنيي ومنتجي هذه المحطات وازاء الإحساس المتدني بالمسؤولية عندهم وفقر الذائقة، لم يترددوا في استخدام مؤشرات موسيقية لها علاقة بفانتازيا الفضاء الخارجي ومتخيلاته في برامج شديدة المحلية والخصوصية، بل أصبح استخدام أحد هذه المقطوعات ممكنا حتى في برنامج تراثية عربية ·

الأبناء الساخرون! 
فوضى هذه الحال، لا يمكن ان تنقطع عن أشكال فوضى اخرى تختلط بها حياتنا العربية، الا ان عملاً مؤسسياً ومنهجياً يمكن أن يقلل تأثير هذه الفوضى، وعلى الأقل ان نحفظ للمسة البشرية في الإبداع الموسيقي أثره، وان لا تصبح آهات اعجابنا بضربة موفقة على آلة إيقاعية عربية، أو زخرفة جميلة على القانون، وعزف موفق على أوتار العود، ان لاتصبح آهاتنا تلك مثار سخرية من ابنائنا اذ ينشغلون بموسيقى تنبعث من ألعاب الفيديو·
تحديات التكنولوجيا، لا يمكن حتى في أعتى تمظهراتها، أن تعدم الأثر الانساني، لو توفر لهذا الأثر حسن مواجهة منطقية، لا تتطير من تلك التحديات، بل تبتكر وسائل علاقة تبقى للآلة قدرتها على الإفادة دون أن تنوب عن البشر في إبتكار وسائل البهجة أو الشجن ·


*ملخص الورقة التي قدمتها في الندوة العلمية لـ"المجمع العربي للموسيقى" /عمّان 2-5 اذار الجاري 1998· 




 
الاسم البريد الاكتروني