سماء قريبة من بيتنا : مساءلة السرد الجميل..

مقداد مسعود/ البصرة
 ( سماء قريبة من بيتنا ) للروائية السورية شهلا العجيلي : تمتلك الكثير من غوايات التشويق فهي مكتوبة بطراوة الماء الحي  وتقنيتها أقرب ما تكون لرسمة التشكيلية ( ملحة محمود ) ( فيها بيوت صغيرة، يركب بعضها فوق البعض الآخر، وكل بيت مشكل بلون باليت الألوان الأساسية أحمر، أخضر، أزرق ، أسود، بنفسجي، وأصفر، على ساحل داكن يعكس صورها على مائه فتبدو مرسومة مرتين، مرة واقفة ومرة مستلقية على صفحة الماء../ ص299/ سماء قريبة من بيتنا )  وما أكتبه الآن هو من إنتاج قراءتي الثانية للرواية فمن خلالها حاولت التملص من القارىء المتواطىء مع غوايات سحرية النص ومحاولتي هذه أشهد أنها لم تكن سهلة أبدا، وهي تجربتي الثانية في الكتابة عن الروائية شهلا العجيلي ... الأولى في 2016 مع ( عين الهر )، كما أتمنى الإطلاع على روايتها ( سجاد عجمي )  فقد شوقتني مقالة الروائي نبيل سليمان عنها في صحيفة الحياة (30/ أيار/ 2014 ) .. وقبل سنوات أطلعت ُ على مقالاتها الجميلة في كتابها( مرآة الغريبة ).. ويهمني الأطلاع على كتابيها النقديين : تجربة الرواية السورية وكذلك كتابها حول الخصوصية الثقافية في الرواية العربية .
(*)
إجناسيا ...
لا تغترف رواية ( سماء قريبة من بيتنا )  من السيرة الذاتية، قدر إغترافها من السيرة الروائية، وتحاول صبها في عدالة : الآواني المستطرقة، وهنا أهمية المغامرة وصعوبة الموازنة  بين الفاعل والمنفعل والمفعول لنفسه وهذه الفواعل منبثة من ذواكر متنوعة تستعين بها المؤلفة في إستعادة أمكنة .. أزمنة .. شخصيات وهناك : جماليات المسح الآثنولوجي بسيادتها شبه المطلقة مما يجعل الأشخاص أحياناً / حصريا بوظيفة الرابط التفاعلي المنشّط للتجسير بين الأمكنة / الأزمنة . لكننا في كلامنا هذا لا نعني أن الرواية تجاورت مع تيار الرواية الشيئية الفرنسية بل هي استفادت منها في تشغيل ماضي الأمكنة وكيفّت الشيئية لصالح نصها الروائي ..فالسرد هنا لاينتسب للوظيفي بل يشعرن الأمكنة ويضيف لها توابل من تثبيتات السعادة وهكذا يصنّع للقارىء جسراً يعبره نحو المتخيل والجمالي .. 
(*) 

مِن أمكنة ٍ شتى في كرتنا الأرضية ألتقطت الرواية شخوصا ودمجتهم في فضائها الروائي وهكذا أصبح المكون الجغرافي ( مجموعة من العلاقات التي تحدد حمولته الدلالية / 177- د بديعة الطاهري ).. لكن  كثرة شخوص الرواية : تشوش على القارىء مابعد العادي متابعتهم .. أما القارىء المولع بقراءة الرواية النهر فسيلاحقهم مستمتعا حاملا ورقة وقلماً ليحصي تنقلاتهم ويفرزهم عن سواهم .. فهذا الطراز من القراّء يكون ملزما بإعادة تركيب النص ( كي تستقيم له دلالة ما . وبإعادة التركيب يكون القارىء مشاركا .. وما لم يفعل ضاع خيط المعنى وضاع الكشف عن سيرورته../ 158- جمال بندحمان ) ..
*عنصر المصادفة في إلتقاء الأشخاص يعيدني إلى فجر السينما المصرية، ويتعمق العنصر فيكتشف المسافر والمسافرة أنهما جيران من نفس الحي !! كما هو الحال بين 
*جمانة بدران  وناصر العامري
*نبيلة وفلاديمير
*الدكتور يعقوب وجمانة بدران 
*الدكتور يعقوب والمريضة هاينة : غرام أثناء تعاطي العلاج !!
(*)
الرواية منشغلة بالتاريخ إنشغالها بالجغرافيا، إنشغلها الأول معلن مع السطر الأول من الرواية ( كان يوم الأثنين 28/ 4/ 1947 يوما ربيعيا مشرقة من أيام من حلب ) مع هذه الجملة أنتقلت المؤلفة من اللانص إلى النص . مِن ساعتها اليدوية إلى لحظة تاريخية آفلة وهكذا تجهز فعل التلقي لدي كقارىء للتعامل مع ماض مسرود وسأنتقل من مدينتي البصرة لأطوف في مدينة حلب، التي لم أكن بتوقيت التاريخ المثبت قد زرتها.. هل من الممكن زيارتي لحلب في 2009 أن تعينني على تركيب صورة ماضوية لها حسب مايسرد عنها في هذه الرواية ؟! في هذه الوحدة السردية الصغرى بصمة أرشيف دقيقة جدا، مثبت فيها اليوم والشهر والسنة والمكان السوري : مدينة حلب .. ثم يتحدد السرد أكثر حين يذكر بقعة معينة من حلب ( حديقة العزيزة ).. والعلاقة بين المدينة والحديقة هي بين فضاء ضام هو حلب وفضاء مضموم هو الحديقة، وحلب تكون فضاء مضموم بالنسبة لسورية وفي الوقت نفسه تكون ضام لبلدة الرقة ..
(*)
تثبيت السنوات رقميا على طول الرواية يعطي للروزنامة وظيفة الخيط لخرزات المسبحة التي هي أحداث الرواية وأمكنتها وعلامات شخصياتها، فهذه البداية للرواية التي تثبتها المؤلفة شهلا العجيلي تعني : على القارىء النوعي التخلص من اللا إكتراث بمفتتح الرواية، شخصيا كقارىء أرى السطر الأول في ( سماء قريبة من بيتنا ) بوظيفة  الخلية السردية الموقوتة في الرواية ، لكن التاريخ هنا لايسطرّه أرشيف المؤرخ بل مخيال الروائية وسردها المتدفق بشعريته والتاريخ نفسه  مكتنزاً بشحنات ذاتية فالمؤلفة شهلا العجيلي بمشروطية الفني : تنأى عن وعي المؤرخ ويقظته الواخزة .. ويكون خطاب المؤلفة الروائي موجهاً إلى كفاءات القراءة المشحونة برصيد ٍ معرفي لدى القارىء وإلى رؤيته للعالم كنص . وبمحمولاته هذه سيقوم القارىء بملء الفجوات النصية حسب طاقته وبنشاط قراءته يتحول من مستهلك نصي إلى معيد إنتاج النص ..

(*)
أحيانا تسرف سيرورة السرد في تشغيلها المكون التاريخي : تلاحق الشخوص من الخارج كنظام معلوماتي تاريخي محض خصوصا من ص200 وتكون حركية السرد سريعة في سردها ... ومؤثريتها على حساب سبر أغوار الشخوص جوانيا .. وتتسع وظيفة المكون الجغرافي من خلال المسح الأثنولوجي الميداني لأمكنة لاوجود لها إلاّ  في ذاكرة الأرشيف أو الذاكرة الشفاهية للأحياء الذين عاصروا التاريخ حين كان حاضرا عاشوا فيه ولأجله ..
(*)
في الرواية نبرة خفيضة أنيقة في الدفاع عن إنسانية الإنسان ومعاضدته في محنته الكبرى ( الذين يمرون بتلك التجارب المؤلمة بوعي، مولعون بتعزية الآخرين، يحكون عنها من منطلق العطاء الإنساني والتشارك العاطفي وبكثير من الفخر المستغرب بنضجهم وبثرائهم الأليم وأكثر من ذلك بشجاعتهم في تجاوز الفجيعة / 20 ) من هذه الوحدة السردية الصغرى يتدفق دفء التعاضد البشري في العلاقات بين شخوص الرواية وغياب هذا التعاضد هو الذي يهدم مابينهم كما هو الحال بين ناصر الحمداني وزوجته  وهذه الأتصالية مابين الشخوص تتجسد في : وقفة ناصر مع جمانة بدران وكذلك وقفة هانوي معها ..
(*)
تتكون الرواية من الفصول التالية :
*ليالي الأنس
*محطة بغداد النوتوراكي
* قصر البنات
* سليل كرملهايم
* ممرات ضيقة
*أحلام البرتقال
*روليت روسي
*فارس قلعة يوركشاير
*كاميكازي
(*)
كقارىء نوعي أرى في رواية ( سماءٌ قريبة من بيتنا ) أربع روايات مترابطة فيما بينها :
*الرواية الأم : سماء قريبة من بيتنا 
الروايات الأخرى
*قصر البنات
*ممرات ضيقة 
*رواية أحلام البرتقال
(*)
وتتشارك الأصوات التالية في الوظيفة السردية :
*السارد العليم
*جمانة
*ناصر
*هانوي
*أم ماري 
*سلمى أخت جمانة
(*)
ما أن يخبرها الراكب جوارها في الطائرة أن سبب سفره أن عائد ليدفن أمه، حتى تضع جمانة يدها على يده  بل وتريد القيام بأكثر من ذلك، رغم مزاجها المكتفي الملآن بهجة  مكتملة  قطفتها في تونس مع من تحبهم ( لست ُفي مزاج يسمح لي بأن أتحمس لصحبة أي شخص، كنت ممتلئة بكثير من الانجاز والأوقات الحلوة التي قضيتها في تونس، حيث ألتقيت كل من أحب رفقتهم ممن حضروا معي مؤتمر( الشباب العربي والتنمية الثقافية ) .. قضينا سهرات مليئة بالضحك الذي كنت بأمس الحاجة إليه / 18 ).. لكن ما أن يخبرها الراكب المجاور ( أمي ماتت اليوم، وأنا ذاهب كي أدفنها ) حتى تفنّد جمانة ما أخبرتنا عن مزاجها الذي لايسمح لها بالتحمس لصحبة .. إلخ الوحدة السردية السابقة التي طوقناها بقوسين..!! هنا يتدخل المخرج المصري وتحديدا مخرج الروائع حسن الإمام يرحمه الله .. هنا تبدو جمانة ليست ممتلئة بكثير من الأوقات الحلوة، بل هي من النظرة في المطار إنجرف قلبها نحو وهي تدقق بتوصيفه لنا.. وكقارىء لا أدري ماالذي يجعل ناصر العامري  يعلن عن خصوصية حزنه !! وإذا بجمانة فعلها يسبق قولها .. ( كل ما استطعت أن أفعله هو أن أشد على يده طوال الرحلة تقريبا، عّل نسغ الحنان يسري عبرها من قلبي إلى قلبه كنت أريد أن أضمه إلى صدري .. ) !! بخصوص مؤثرية اليد هل استوعبت الدرس العاطفي الأول من سامي وبشهادتها ( أصطادني بقصيدة لبوشكين في زيارته الأولى لمكتبي في الجامعة، إذا احتضن يدي بين يديه وأنشد بصوت هادىء تعتريه بحة جميلة وهو ينظر عميقا في عيني ../29 ) .. وحين تعرف أن قصيدة بوشكين كانت ضمن مقرر السنة الأولى لدراسة سامي في موسكو فإذا بها تعلن .. ( خجلت وقتها من أندفاعي الساذج .. ) !! ولن تكتشف جمانة سوء فهما لفن الحب، إلاّ حين تلتقي بالكاتبة النسوية الكبيرة مارغريت برانت وتخبرها هذه الكاتبة :  لا يشترط الحب فلسفة ولا مثاقفات فالإنسان ( إذا أحب آخر فسيحبه كما هو بظروفه الراهنة والمستقبلية ) .. لقد  وفّر سامي طوال سنتين لجمانة كل أسباب الفرح الشهي، استأجر مكانا لخلوتهما قبل الزواج، وكان ينتظرها بعد الماجستير ليتزوجها، لكنها  وبشهادتها ( أقضي معه في حضنه ساعات بدأت حماسية وشهية وراحت تفقد ألقها سريعا . أمتصصته بسرعة حفظته عن ظهر قلب ../ 29 ) !! في حين كان سامي كل همه أن يعيشا معا  ولهما بيت صغير وسيارة، أليس ذلك ماتتمناه كل فتاة ؟! لكنها تذرعت بأنه رجل ٍ بلا موهبة !! ويبدو أن جمانة تقع في  مؤثرية الآخر فهي حين صارحت صديقتها نجوان أن ماقرأه لها سامي ليس من شعره بل من شعر بوشكين، صدمتها قائلة ( ببرود طبعا، من كنت تظنينه بوشكين مثلا ) من الممكن أن نحك مفردة ( ببرود ) لنكتشف تحتها مفردة ( غيرة ) .. وحين تتعرف إلى الكاتبة مارغريت برانت ستقع تحت مؤثريتها !! ألا تحتوي شخصية جمانة : نسبة عالية من الهلام المتغذي من ترف حياتها البرجوازية !! 
(*)
 حين ترى سامي  في أحد مطاعم حلب وهو من آهالي الرقة مثلها ستقع جمانة بمؤثرية سيكلوجية ملابس فتشعر بالبرد !! و... بشهادتها ( حين رأيته كنت أشعر بالبرد، وكان يرتدي جاكيت من الجلد الأسود الفاخر يصل إلى أسفل وركيه بحزام عريض عند الخصر وياقة محاطة بفرو رمادي كثيف.. شعرت بحاجتي لأغمر وجهي البارد عميقا في هذا الدغل من الفراء../ 26 )  البرد كان المشجع لجمانة وسيكون البحر المشجع  لدى سلمى أخت جمانة / فصل ملح القراصنة / ص299.. لنستمع لها وهي تحدثنا عن إبراهيمو : ( شعرت بأنني بحاجة إلى أن أضمّه، وكان البحرالمشجع الأكبر حماسة، أدعيت بيني وبين نفسي أن علي أن أشكره لأنه أنقذ حياتي ، ولأنه عرفني على هذا الجمال كله، ولأني مضطربة في عرض المحيط الهندي ../ 299) كا ن على سلمى أن تكتفي الإكتفاء بجملتها الأولى (شعرت بأنني بحاجة إلى أن أضمه ) كل التفاصيل الباقية لف ودوران وبلاغيا : أسهاب وأطناب، سلمى التى كان تخشى من الاغتصاب والأيدز و...إلخ !!  في بداية صعودها في زورق إبراهيم وجعفر .. هاهي الآن وبشهادة فعلها وبالتالي بوحها لأختها جمانة .. ( .. فأحتضنت ُ خصره من الخلف. وألصقت وجهي بجلد ظهره البني ، فملأت أنفي رائحة البخور الحاد وكدت أفقد توازني، كان إبراهيمو ينظر نحو خط سير المركب ولم يبد حراكا، أعتقد أنه لم يكن يريد أن يفزعني، وأستفزتني صلابته أكثر . ورغبت في أن يطوي جسدي، فأمعنت في دفعه نحو حافة المركب إلى أن استجاب لي وأرخى جسده وضمني إلى قلبه فسمعت طققت مفاصلي .. ) وحين يترك البحر ويسافر إبراهيمو للرقة لرؤية سلمى : تتصدى جمانة وأبوها بطريقة دبلوماسية لإيقاف إبراهيمو عند ذاك الحد البحري الذي جرى فوق زورقه ويخبرانه كذبا أن سلمى تزوجت !! المسكوت عنه هنا الحاجز اللوني بين إبراهيمو وبين بادية الرقة .. ولنتوقف عند كلام جمانة  حين يزورهما إبراهيمو في حلب : ( أنا وبابا عرفنا إبراهيمو شخصيا لكننا لم نقل لها شيئا لم نرد أن نفطر قلبها / 303 ) !! لكن إبراهيم سلمهما  أمانتين هديتين لسلمى لوحة تشكيلية وشمعدان من سفينة كولومبس ؟! هل سيخفيان الأمانتين عن سلمى أيضا.. ؟!
(*)
حين يتصل ناصر الحمداني  في الصفحة 21 من الرواية بجمانة ليلتقيان سنكون كقراء متلهفين لذلك لكن فجأة يبدأ مايشبه  الفاصل الأعلاني الذي يقطع علينا متعة مشاهدة مسلسل مشوّق عاطفيا، إذ يرغمنا هذا الفاصل الاعلاني على تحمله  من ص21حتى الصفحة 37 من الرواية !! فالمسافة السردية تراجعت لسنوات وسنوات وإنشغلت بالأمكنة والعلاقة العسلية بين سامي وجمانة سنة 2000 وانهيار العلاقة بسبب سأم جمانة من علاقتها بحبيبها سامي، ثم أنتقلت السرد لشخص جديد هو طارق صديق سامي وطارق إنموذجا للخسة المبكرة التي أوصلته للأنتهازية في كل الأمور.. ويأخذنا السرد إلى موسكو ويعيدنا إلى حمص وسيقتل سامي وهو يعمل في  محطة توليد الطاقة  الكهربائية في مدينة حمص أثناء قتال بين الجيش النظامي والجيش الحر ..
والسؤال هنا  : كل هذه المسافة السردية الفائضة ألا يفترض بالمؤلفة أن ترشقها حفاظ على تركيز قراءة النص من قبل القارئين : مابعد العادي / والنوعي ؟!.. وما أن تلتقي ناصر الحمداني في ص37 من الرواية ،حتى يحدث تداعي صوري بين ناصر الحمداني وجد جمانة بسبب أستعمال الأول لدهن الشعر – بريل كريم- الذي كان يستعمله جدها، ثم يأخذنا السرد إلى زمن الجد وغرفته وموجودات الغرفة ثم نخرج من الغرفة لنتجول في حي محطة بغداد، ثم نتوقف عند بيت مدير المحطة لتكشف لنا العلاقة السرية بين باسل ابن المدير ودالية خالة جمانة مرورا بالتماهي بين دالية والمطربة ميادة الحناوي فيخبر السرد حول الزواج الشرعي/ الكاتم بين عدنان الدباغ وميادة الحناوي والمشاكل التي نجمت بعد وفاة الوزير صاحب الثروة الطائلة.....ثم تأتي من السعودية خالة أخرى لجمانة ويتحول البيت إلى التشدد الأصولي... إلخ وهكذا لنصل إلى ص47 أعني نعود للقاء بين ناصر وجمانة..!! فيكشف السرد لنا أنهما من المنطقة نفسها فيتذكران المعالم وأسماء الجيران وسيكون حضور ناصر حافزا لأستعادة ماضي مدينة حلب القريب ..
أقول من موقعي كقارىء نوعي : أن التقنية السردية هنا ذات قصدية عالية، تغيّب سيولة المقروئية أثناء القراءة، أقول ذلك وأنا أحاور آليات السرد الروائي الذي دائما يؤثل حوارا ( بين النص وقارئه – المؤلف مستبعد من هذا الحوار - / 49- أمبرتو أيكو  ).. سيولة المقروئية المتدفقة بقوة في قراءتي الأولى تجرفني كما يجرف ماء النهر المتدفق بقوة من أعالي المنبع ما يصادفه في طريقه، لكن قراءتي الثانية للرواية جعلتني أتموضع على حافة ساحل النص لأتأمل جريانه وأرصد جغرافيا – حسب طاقتي – مايجري .. وكل إرصاداتي هي وجهة نظري لا ألزم سواي بها ..
وستتنقل الذاكرة بين 1980- 1995- 2014.. إلخ وبشهادة جمانة ( أعادني ناصر إلى مناطق محببة في ذاكرتي كنت قد هجرتها ولم أظن أني سأستعملها يوماً . أعادني إلى وقت كنت أتعجل فيه المستقبل وحينما وصلت إليه، عدت إلى الماضي وناصر هو المحرك/ 60 )
(*)
( قصر البنات )  - حسب قراءتي : رواية قصيرة متكاملة، ضمن ( سماء قريبة من بيتنا ) 
تتوغل إبداعيا المؤلفة في سرد البيت من الداخل حتى ليشعر القارىء أنه يتجول في الجهتين منه : الجهة الحداثية في البيت وتلك الجهة التي تعلقت بسماته الشرقية .. وسيكون تجوال القارىء بطيئا ليرتشف المرئيات بعينيه ويستروح حكمة المكان بروحه الظمأى كلها .. في هذه الرواية القصيرة ( قصر البنات ) بأقتصادها الأسلوبي  يتم الربط الأممي الجميل بين الثوري العظيم مارتن لوثر كنغ وبين جيل تنويري من البرجوازية العربية متمثلة بشخص سهيل بدران : والد جمانة المتأثر بذلك الحلم الأمريكي التنموي لدى إيمرسون . ثم ينتقل السرد إلى ذلك الأقطاعي الطموح والمتميز بسمات خارج النسق الطبقي المؤتلف ( الحاج علي البدران إقطاعي بعرف المنطقة لاوفاقا لكتب الاشتراكية .. لم يرث الأرض عن آبائه ... أما ثراء العائلة فجاء من طرف جدتي التي ورثت أراضي أبيها وليراته وحثت زوجها على التملك ../ 65 ) إذن الحاج علي بدران : إقطاعي بالوكالة عن زوجته الثرية بالوراثة .. وهذا الجد هو له بصمة أقتصادية فهو أول من بنى طاحونة حبوب في الرقة ومن الطاحونة إلى حلم الكهرباء في كل بيت على يد سهيل البدران المهندس الحالم بيوتوبيا سورّية كاملة تنطلق في الفراتين الأوسط والأدنى ،حيث الكهرباء تضيء الأقتصاد السوري وتحي الأرض الميتة وتنير العقول بالمقروء والمرئي .. وهنا أيضا سيكون الصدام بين بقية الأقطاع وحكومات العسكر : هل الأرض لمن يحرثها ؟ أم لمن يملكها ويملك من عليها، وحين يرتكب ابن المالك فعلته فاالذي يستحق القتل هو الضحية ( رحيمة ) الخادمة التي كان يرغمها يوسف ابن الأقطاعي علي بدران على الزنى.. فالشرف الاقتصادي من فضائله ان يستدعي أهل ( رحيمة ) من عفرين ويخبرهم أن ابنتهم زانية !! أي يطالبهم حسب أنظمة السلوك الجمعي أن يذبحوا ابنتهم !! وسيفعلون .. أما الزني يوسف فتكافأه عائلته حرصاً على شرفه الأقطاعي ليتعلم الرسم في إيطاليا !!..

(*)
فصل ( ممرات ضيقة ) : رواية قصيرة متماسكة بأستقلاليتها ومن الممكن العودة إليها وحدها والإصغاء إلى الوجع الإنساني الجمعي والفردي : وتفرّد هذه الرواية هو استعمالها المسح الأثنولوجي لتجربة موجعة تدور حول بشر لادخل لهم بالحكومة ولا بأعدائها وهؤلاء البشر يستعملهم الطرفان دروعا بشرية ومايتبقى منهم تنتظره المخيمات المعدة دوليا لهم، جماليات هذه الرواية القصيرة تتجسد بإعادة صياغة المسح الأثنولوجي وترويته نصا روائيا قصيرا والكلام يشمل أيضا رواية ( ...البرتقال ).. فهي يتوفر فيها شروط الرواية القصيرة ..
(*)
في قراءتي الثالثة  لرواية ( سماء قريبة من بيتنا ) .. سيكون إصغائي فقط إلى هانوي أبنة المناضل الفلسطيني مسؤول الخط العسكري أيمن ثابت الذي ستغتاله نيران صديقة ...
*شهلا العجيلي / سماء قريبة من بيتنا/ دار الضفاف / لبنان/ ط2/ 2016
*جمال بندحمان / سمياء الحكي المركب/ رؤية للنشر/ القاهرة / ط1/ 2014
*أمبرتو أيكو/ آليات الكتابة السردية / ترجمة وتقديم : سعيد بنكراد/ دار الحوار/ اللاذقية/ ط2/ 2012
*د. بديعة الطاهري/ السرد وانتاج المعنى/ دار رؤية/ ط1/ القاهرة / 2015










 
الاسم البريد الاكتروني