عريان السيد خلف : روحُ الشعبِ العراقي في قصيدة..

كريم الأسدي ـ برلين
/site/photo/9861
 
 يوم أمس المصادف الثلاثاء 27.06.2017  قرأتُ في الأخبار الواردة من العراق خبراً محزناً ضمن أخبار هذا الوطن المحزنة على الأعم الأغلب .. الخبر يبدو كما لو أنه يخصُّ شخصاً واحداً لكنه يخصُّ العراقَ كله .. أنه خبر تعرض الشاعر العراقي عريان السيد خلف الى حادث مرور مؤسف في بغداد وسقوط سيارته من أعلى جسر منطقة  النهضة  في العاصمة، وأصابته بجراح خطيرة نُقل على أثرها فوراً الى المستشفى بعد تدخل محمود وشهم ومباشر للمارة وانتشالهم أياه وارساله حالاً الى الرعاية الطبية ... عريان شاعر عراقي شعبي بالدرجة الأولى، ومن الدرجة الأولى بل من الدرجة الممتازة جداً .. شعره عميق، نابض بالحس الأنساني النبيل وبالشعور الوطني الصادق .. انه شاعر الشعب العراقي بحق وأبنه البار.. كنت اتابعه من الغربة وكانت أجمل هدية بعثها الي أقرباء في الخارج في يوم ما، شريط فيديو له في لقاء مطوّل مع جمهوره الشعري في بغداد في ساحة النصر، أو في ساحة الأندلس مثلما أتذكر ... شاهدتُ هذا الفيديو مع صديقة المانية في شقتها وقد كنت حدثتها طويلاً من قبل عن عريان وموهبته ناعتاً اِياه بأحد أفضل شعراء العالم وأفضل شاعر عربي ولكنه يكتب بلهجة عامّية هي اللهجة العراقية .. والحقيقة ان هذا رأيي فيه .
سهرنا مع هذا الفيديو طوال الليل تقريباً وقسَّمناه الى مراحل : الرؤية المشتركة والسماع، ثم الترجمة، التي كنت أقوم بها من اللهجة العراقية الى الألمانية، كنت أحاول ترجمة النصوص الشعرية وأترجم القصص والحكايا التي كان عريان يرويها عن العراق وأهله، وحكايات الحب والغرام وزمان القرى والعشائر والأعراف والتقاليد، وعن طفولته في قلعة سكر في الناصرية، وعن جده الذي كان شاعراً أيضاً، كان عريان يروي وكأنه راوية بارع وقاص باهر، والروايات والحكايا لا تفقد شيئاً من قيمتها في الترجمة مثلما يفقد الشعر ولأن المدلول فيها كبير وعنصر التشويق رائد ... أما ثراء القصيدة الشعبية عند عريان فهو ثراء باذخ باهر ومعرفته بالمفردة الشعبية معنى وتاريخاً وجمالاً وتأثيراً، معرفة كبيرة لا أعتقد ان شاعراً شعبياً يضاهيه فيها . وهو الى هذا خبير بالنفس البشرية على العموم  خبرة هائلة من قبيل خبرة أساطين الأدب العالمي مثل شكسبير ودوستويفسكي بنوازع ودواخل الأنسان، ففي قصيدته بعنوان ( واضح  بعد مايحتاج تتعذر ) يتحدث عن موقف لقاء أخير مع حبيبة أزمعت الهجر ونوت الرحيل دون سبب وجيه .. انه يتركك  تمنحه البراءة وتتوقع ان سبب هجر الحبيبة له يقع في نطاق الوشاية والنميمة وعدم القدرة على مواصلة مشوار الحب الى النهاية، بسبب الخوف والجبن وتأثير المجتمع  وأيثار السلامة والمصلحة الشخصية، أو لسبب أقتصادي مثل تفضيل حياة الرفاه والثراء المادي مع حبيب أو زوج ثري بأمواله .. لايتحدث هو عن هذه الأمور لكنه ينقل لك الصورة ويضعك في الجو الشعري المشبع بالأيحاء، ويستميلك الى جانبه وهو يصف موقف الحب والحبيبة حيث يقول :
 
واضح بعد مايحتاج تتعذر 
مِن نشفتْ الشِفَّه ولونها تغير
من ثلج البديك يصل صليل وداع
والحچي السلس بلسانك تعثر  
من رجفة جفوفك والبرد بالكيظ
علامة كَلب صاح لصاحبه تنكر 
من ظلمة عيونك والشمس رمحين
چلچل ليلهن وتحزمن بالشر   

هذا كله وصف لموقف اللقاء الأخير : لقاء الوداع .
ثم ينتقل لوصف الحبيبة حيث يبرع في وصف الجمال الجسدي وتتحول لغته الى لغة حسية موحية فيقول مثلاً :

يامثني الخواصر والحمول ثكَال  
وحمولك عفه على الخصر تتبطر  
ياهمزة وصل سبحان من سواك
والخله الضبي على النمر يتنمر 
ياتين العجم ياطعم خمرة  دير  
تسكَيني بكرم وتلومني من أسكر
  
وله في بداية مشواره الشعري تقريبا قصيدة هائلة بعنوان ردي .. ردي .. في هذه القصيدة يتحدث عن الغربة واصفاً أياها في بيت فكأنه يتنبأ ويؤرخ مقدماً لغربة كبيرة ستشمل أعداد غفيرة من العراقيين، غربة قاهرة طويلة ستمتد الى عقود حيث يقول : ( ياظعن شت عن هله وحداي غربه البيه يحدي )  وما أكثر الظعون التي أبتعدت عن الأهل والديار ليبدأ حادي الغربة بالحداء بعد سنوات وعقود من تاريخ كتابة هذه القصيدة والى الآن .  
وفي بيت آخر من نفس القصيدة  يتحدث عن لاجدوى الجهد وضياع ثمار العمل اذ يقول : 
وآنه خلاني الوكت ناعور بس أترس وبَدّي 
كانت هذه القصيدة قد كُتبت في منتصف السبعينيات على ما أعتقد وانتشرت في الحارة الشعبية العراقية كأريج شجرة برتقال اذ من الممكن ان تسمعها من أي مهتم في الشعر وما أكثرهم في عراق ذاك الزمن .. كنت أتابع عريان الشاعر والأنسان منذ تغربت متوجساً قلقاً لأنه جريء ومحب حقيقي للعراق ومن الممكن ان تُفسر عدة قصائد له في نقد الدكتاتورية والديكتاتور بالتأويل البعيد ومن أمثلة هذه القصائد قصيدة بعنوان ( ماترتاح ) التي يصف فيها رباناً أهوجَ لسفينة والرمز هنا واضح، ولقد عبَّرتُ عن خوفي عليه في أحاديث مع بعض الزملاء في الخارج، وفي أحدى الأماسي الأدبية القيتُ قصيدةً شعبية باللهجة العراقية التي يعشقها العرب على مسامع الحاضرين في صالون الأتحاد الثقافي العربي في برلين مُعرفاً بعريان كقامة شعرية ووطنية شامخة من قامات العراق وقد كنت كتبت القصيدة وأهديتها له، علماً انني لم أقابله أبداً في حياتي.. عريان أبن قلعة سكر مدينة بساتين الرمّان والنخيل الغافية على ضفاف الغرّاف العذب المتفرع من دجلة عند سد الكوت، المدينة الخصبة والجميلة أرضاً وطبيعة وعطاءً فمن ضمن من نما وترعرع فيها الرسام العراقي والعالمي شاكر حسن السعيد الذي تتقاسمه القلعة مع السماوة .. هذه القلعة مدينة حب وجمال وخضرة بساتين ومواهب لطالما رفدت الناصرية والعراق كله بالشعراء والأدباء والكتّاب والفنانين والعلماء والأطباء والمهندسين، ولو انها لم تنجب سوى عريان لكفاها فخراً ولدخلت التاريخ من أجمل وأوسع أبوابه ... 

قصائد عريان في سنوات الحصار الأقتصادي وتردي وضع الناس المالي والمعيشي والصحي ومن ثم ـ للأسف الشديد ـ الأجتماعي قصائد ضاجة بالشكوى من الزمان وناس الزمان وأني لأستحضر الآن هذا البيت الشعري الذي مازال مطبوعاً في ذاكرتي منذ سماعي لشريط مسجل بصوته اذْ يقول :

وأكَول اتغيرت والناس ماهي الناس
شرّابة قواطي وخيبوا ظني
 
وشرّابة القواطي اشارة الى الأجيال الجديدة التي لم ترضع الحليب ـ على الأغلب ـ  من صدر الأم وانما تشرب حليب العلب المعدنية الجاهز والذي يُعبأ في أكثر الحالات في هذه العلب كمسحوق، وحيث ان العلب المعدنية تسمى في اللهجة العامية العراقية ب ( القواطي ) والمفرد قوطي أو قوطية، والمأثور عند العراقيين ان حليب الأم يؤثر أيجابياً في الطفل فيمنحه صفات النخوة والشهامة والشجاعة والحنان والشفقة وحب الأهل والأنتماء الى الأرض والوطن .
وفي التأويل الشعري لهذا البيت هناك فسحة للكوميديا أو الفكاهة السوداء .
  
ويحاول عريان في هذه القصيدة ان يشد أزره بنفسه شأن الشعراء النبلاء الكبار الذين يحملون هموم أوطانهم وأنسانيتهم وعالمهم فلم يجدوا العونَ والنصير فيحاولون رفع هممهم بأنفسهم ليواصلوا الطريق الشائك حيث يقول :
 
يلتمنْ عليَّ مشتتات البال
وانفضهنْ نفض وأنهض ولاچني
 
ونحن نتمنى له الآن ان ينهض فنراه من واقعة جسر النهضة ناهضاً نافضاً عنه مالحق به من الألم وتشتيت البال مثلما وعدنا في هذا البيت، ان ينهض سليماً ومعافى ومليئاً بالعزم والأصرار والنبل والتحدي ..
السلامة والصحة والتوفيق والشفاء العاجل لعريان السيد خلف أبو خلدون شاعر العراق الكبير ليرجع الى أهله ومحبيه مواصلاً ابداعه وعطائه الرائع الوفير .. فلنا الفخر ان يكون أبو خلدون بيننا ويكتب مثل هذا الشعر العظيم بلهجتنا . ونتمنى ان يكون حادث المرور مجرد حادث مرور في عراق هذا العصر الغاص بالغامض والمريب والمفجع !!!. 



 
الاسم البريد الاكتروني