نحو هيئة أمم متحدة بديلة ..

كريم الأسدي ـ برلين
حوار في حضور سفراء من دول أميركا اللاتينية في برلين ..
 
تقيم مجموعة دول البا  (   ALBA ) عن طريق سفاراتها في برلين، مجموعة من النشاطات المشتركة في المانيا بالأضافة الى نشاطات سفارة كل دولة على حدة ... ومجموعة دول البا أو حلف البا تضم كوبا وفنزويلا والأكوادور وبوليفيا ونيكاراغوا .. وهو رمز مختصر لأسم هذا الحلف الذي  يمكن ترجمتة عن الأسبانية ب ـ الحلف البوليفاري لدول أمريكا اللاتينية  ـ . ويمثل هذا الحلف حلف الدول ذي الأتجاه اليساري الأنساني المستقل عن هيمنة الغرب في أميركا اللاتينية، وأهم مايميز سياسات هذه الدول مقارنةً مع بقية دول أميركا اللاتينية انها تستطيع الأعتراض على الخط السياسي العام أو الأقوى الذي يقود العالم والمتمثل قبل ربع قرن تقريباً بالنظام العالمي الجديد، ولهذه الدول دول ألبا  تجاه  منطقتنا في الشرق الأوسط مواقف جريئة ومشرفة وخاصة في الأسئلة الكبرى : فلسطين، لبنان، والعراق، اذ لا يتردد قادة هذه الدول عن الأعتراض على قرارت أقطاب السيطرة العالمية الغربية على مقادير هيئة الأمم المتحدة، أو مجلس الأمن العالمي أو حلف الناتو، أو صندوق النقد الدولي أو وكالات المخابرات والأمن القومي في بلدان رأسمالية، مثل الولايات المتحدة الأميركية، ولايترددون في تحذير اسرائيل عند أختراقها للأعراف الأنسانية ولحقوق الأنسان الى درجة القيام بسحب سفرائهم أو طرد السفير الأسرائيلي أو تقليل مستوى علاقاتهم مع الحكومة الأسرائيلية . وفي الحصار الذي فرضته الأمم المتحدة على العراق بجهود حثيثة من الولايات المتحدة الأميركية وسفيرتها في الأمم المتحدة مادلين أولبرايت ( Madeleine Albright ) حظي الشعب العراقي بتعاطف كبير من قبل دول وشعوب هذه البلدان وشعوب أمريكا اللاتينية عامة، وقد سبق وان زار الرئيس الفنزويلي الراحل هوغو شافيز شخصيا العراق، بهدف الأطلاع عن كثب على الأوضاع هناك ومناصرة الشعب العراقي، ولم يكن قصده نصرة صدام حسين كما حاول انتهازيو اليسار العراقي متمثلين بالحزب الذي يسمي نفسه بالحزب الشيوعي العراقي  تصوير هدف هذه الزيارة وتشويه سمعة وصورة الرئيس الأنساني المنصف هوغو شافيز الذي لم يبخل بدعمه أبداً للمقاومة الفلسطينية والشعب الفلسطيني وعلى المقاومة اللبنانية والشعب اللبناني بحيث امتلأت الحارات الشعبية في لبنان بصوره . منذ زمن أو مايقارب عشرة أعوام وأنا أتابع نشاطات هذه الدول في برلين عن كثب وأستلم من سفاراتها دعوات لحضور الندوات الفكرية والسياسية والأماسي الأدبية والمعارض الفنية وعروض الأفلام السينمائية   ..
في يوم العاشر من تموز  2017، والذي صادف يوم الأثنين كنت مدعواً لحضور لقاء سياسي فكري مع السيد سفير الأكوادور في المانيا ( Diego Morejon ) نظمته ممثلية الأمم المتحدة في برلين، وكان من ضمن الحاضرين سفير بوليفيا في المانيا مع بروفسور في حقل السياسة من جامعو كويتو في الأكوادور وقد كان الموضوع الأساس علاقة الأكوادور بالأمم المتحدة وسياستها . 
كنت قبل أربعة أعوام تقريباً قد حضرت  ندوة فكرية مع سفير الأكوادور السابق في المانيا، وكان مكان الندوة قاعة سيمون بوليفار في المعهد الليبرواميركي الملحق ببناية المكتبة البرويسية العامة في برلين، وهو قسم خاص بدراسة أدب وعلوم ومعارف  اللغة الأسبانية واللغة البرتغالية والشعوب الناطقة بهاتين اللغتين . كانت الندوة قد عقدت لسفير الأكوادور Jorge  Jurado رفقة أحد المفكرين الألمان وكان محورها الأوضاع السياسية الراهنة في العالم وفي أميركا اللاتينية بما فيه دور الأمم المتحدة .. وفي الحوار مع الجمهور الحاضر كانت لي مداخلة وسؤال تضمن اقتراحاً، وكان مفاد كلامي حول سياسة الأمم المتحدة في العراق أثناء فترة الحروب والحصار الذي أمتد من سنة 1991 وحتى سنة 2003  حيث أوضحت ان الحصار الذي نفذته الأمم المتحدة في العراق وتحمست لتنفيذه الولايات المتحدة الأميركية، وقادت حملة المطالبة به سفيرة الولايات المتحدة الأميركية لدى الأمم المتحدة البروفسورة الدكتورة مادلين أولبرايت، قد اسفر عن هلاك تسعمائة ألف طفل عراقي وهذا الرقم الذي يقترب من المليون موثَّق من قبل منظمات عالمية من ضمنها منظمة اليونيسف، حيث قامت الهيئة الدولية التي ينبغي عليها رعاية الأطفال في العالم بتنفيذ حصار أسفر عن قتل مايقارب مليون طفل بريء بل كامل البراءة بحجة معاقبة نظام صدام حسينن، علماً ان الشعب العراقي كله قد عوقب نيابة عن صدام حسين وبسسب اتهامات لم تثبت أصلاً منها حيازة أسلحة الدمار الشامل .
وقد أكملتُ مداخلتي بأقتراح وسؤال وجهته للسفير الأكوادوري، ولزميله المشارك في الندوة : فيما اذا كان بالأمكان الشروع بتأسيس منظمة بديلة تضم في نصابها أدباء، شعراء، كتّاباً وعلماء، صحفيين وأكاديميين وأيضاً ساسةً ودبلوماسيين من أصحاب التوجه الأنساني، وممن عرف عنهم العالَم نبل التوجه ونقاء الضمير، وممن لايقعون بسهولة تحت تأثير جبابرة السياسة العالمية وأغراء المال والجاه والنفوذ والأمتيازات ...
يوم الأثنين الماضي من هذا الأسبوع أعدتُ هذا الأقتراح على أسماع السفير الأكوادوري الجديد وزميله في المحاضرة البروفسور في علم السياسة القادم من الأكوادور وزميلهما المضيف الألماني الذي يعمل لصالح منظمة الأمم المتحدة في ممثليتها في برلين وذلك رغم ان مكان اللقاء هو مكان تابع للأمم المتحدة، ومما أثار أستغرابي ولكن أحترامي أيضاً والحق يُقال أن أثنين من موظفي الأمم المتحدة قد عبّرا لي عن شكرهما لما سمعاه في كلامي من أفكار وعن جمال القول وقابليته على التأثير، وقد حدث هذا دون أن أطلب من أحد رأيه بل ان أحدهم قد أتى نحوي وأنا أهم بالخروج من الصالة في نهاية اللقاء ليعبر لي عن شكره وأعجابه بما سمع، وهذا يعني لي ان أمثال هذه الأفكار يمكن ان تجد أذاناً صاغية ونفوساً متجاوبة، وان الشروع بمحاولة رفع الغبن والظلم  وتغيير الزيف والخطأ أمور يمكن ان تبدأ من جرأة الحوار والأقتراح وعدم التسليم للقوي الظالم بقيادة العالم وممارسة غبنه واستهتاره واستبداده مثلما يحلو له فهو السيد المطلق طالما ان لاقوة أقوى منه . أتمنى على المثقفين العرب والعراقيين تبني هذا الأقتراح، فبمجرد وجود هيئة بديلة للأمم المتحدة يجعل من الأمم المتحدة في مراكزها في واشنطن ونيويورك تفكر مراراً قبل أستصدار قرار ظالم يكون ضحاياه أبرياء بكل مافي كلمة البراءة من معنى، وإلّا ماعلاقة الطفل الذي كان يلعب بالأمس مع أترابه على حبل أرجوحة قريبة من البيت حين يلتف حول عنقه حبل  المشنقة لأن حاكم بلده قام بغزو بلد آخر او لأن الديكتاتور في وطنه كان يخطط لحيازة أسلحة دمار شامل بعد ان اشترى وأستلم على مدى أعوام شحنات من أسلحة فتّاكة صدَّرتها الدول نفسها التي قامت بأستصدار قرار الحصار الذي سيودي بحياة هذا الطفل ومليون من رفاقه ؟!!

كريم الأسدي ـ برلين في الخامس عشر من تموز 2017



 
الاسم البريد الاكتروني