في العراق *..

كريم الأسدي ـ برلين
في العراقِ مضائفُ يأوي اليها الغريبُ اذا انقطعَ الدربُ أو هطلَ الغيمُ أو ذابتِ الشمسُ في الأفْقِ أو كلْكلَ الليلُ فوقَ رؤوسِ النخيلِ  فلمْ يجد الركبُ من سَفرٍ أو سفينٍ، سيأوي الغريبُ الى أهلِهِ في المضيفِ ليأكلَ أكلاً مشاعاً، ويشربُ شرباً مشاعاً، ويسمعُ أهلاً وسهلاً، فأهلُ المضيفِ له الأهلُ، والدار سهلٌ فسيحٌ، فما خبأَ الأهلُ شيئاً سوى الحبِ والحبُ ديدنُ ذاك الزمانِ وذاك المكانِ، أضاءَ مع النجمِ حين يضيءُ وأشرقَ في الشمسِ حين تزورُ البيوتَ وغنّى بهِ قمرٌ في الأعالي بعيدٌ قريبٌ ونوَّرَ من مقلةِ الطفلِ، من صوتِ أمٍ تسجِّرُ تنورَها من خيوطِ الصباح وعند المساءِ .. تَرى في العراق بساتينَ نخلٍ اذا رُمتَ ان تأكلَ التمرَ كي تدرءَ الجوعَ أو تتمتع فاكهةً ومذاقاً تَفضَّلْ وخذْ ماتشاءُ لنفسِكَ، دَعْ جشعاً قد يغرُّكَ انْ تغتني أوتبيعَ لتتركَ للغيرِ في العذقِ شيئاً وتنزل كي تشربَ الماء من طيْبِ دجلةَ أومن سُلافِ الفراتِ  واِما ترى في العراقِ ولائمَ لاحدَّ للجودِ فيها ولمْ يلزم المرءُ يُدعى اليها فقلْ انَّ أهلَكَ قد أشرعوا البابَ فيها ليأتي ويأكل من طيْبِ تلك الموائدِ كلُّ البشرْ.
هلْ رايتَ وأنت الذي جابَ كلَّ الدروبِ وطافَ الدنى صوراً مثل هذي الصورْ ** ؟!.


*هذه القصيدة  ـ التي كتبتها في برلين يوم  20 تموز  2017  ـ من نمط الشعر المدوَّر الموزون ولكن بدون ان يلتزم بقافية،  وقد تعمدتُ هنا ترك القافية كي أركز على جوانب جوهرية غير القوافي، بأستثناء نهاية القصيدة .
** ماورد في القصيدة عن بيوت الضيافة أو المضائف في القرى العراقية على الأخص من تقديم الطعام والشراب وأمكانية المبيت مجاناً الى الضيف، أي ضيف، صحيح تماماً وقد عرفته وشهدته شخصياً في العراق منذ الطفولة، ولازال هذا التقليد مستمراً الى الآن، مثله مثل التقليد الكريم عند بعض أصحاب بساتين النخيل بالسماح للغريب بتسلق النخلة وقطف الرطب أو التمر طالما كان ذلك في حدود الأحتياج الشخصي، وأيضاً عدم أشتراط ان يكون القادم الى الوليمة الجماعية مدعواً، حيث بأمكان أي أحد ان يأتي ليشارك الآخرين الأكل والشرب والحديث .
بقي ان أقول ان عمر هذه التقاليد قرون من الزمان وبهذا فهي عملياً سابقة لكل نظريات الفكر الأشتراكي الأوربي حتى لو أرَّخنا له في أوربا من بدايات القرن السابع عشر وقبل الثورة الصناعية !!



 
الاسم البريد الاكتروني