التقليد والتجديد في التقسيم الحرّ

محمد امين القاسمي
اكتسب التحليل الموسيقي الحديث موقعا مهمّا في توضيح معالم التأليف الموسيقي وإبراز عوامله الإنسانية الذاتية والفيزيائية الموضوعية ابتغاء تتبّع المسار الإبداعي الإنساني والتعرّف على أهمّ قواعده وسننه . وقد أجمعت جلّ المقاربات المعتمدة في الموسيقولوجيا الحديثة أو كادت على الإقرار بأهميّة التواصل بين المنابع التأليفية ومستحدثاتها في تطوير العمل الموسيقي وتجديده، كما أجمعت على أهميّة المخزون النظري والعملي وتكامله مع المحاكاة في التنفيذ والأداء والإضافة أثناءهما لتحقيق الانتقال النوعي من درجة إلى أخرى غير مسبوقة، مثلما ذكر ذلك "جون جاك ناتيي" حيث قال:«لا يمكن للدراسات السياقية التاريخية والاجتماعية والثقافية أن تجد أهميّتها إلاّ من خلال القيام بأوصاف محدّدة للمادّة الموسيقية استنادا إلى نماذج مماثلة» 1 .

وفي إطار تبيّن المكانة التي يحظى بها الارتجال الموسيقي كدلالة على مدى تجذّر الموسيقى في المنابع النظرية والتطبيقية، بإمكان الباحث الموضوعي أن يستغلّ المقاربات التحليلية بمختلف مناهجها وآلياتها وتنزيلها في السياق الموسيقولوجي الذي أشرنا إليه

 

1. ناتيي، جون جاك، تمجيد الموسيقولوجيا، ترجمة سمير بشة ومراجعة الحبيب بيده، ط. 1، تونس، منشورات كارم الشريف، ص. 64.

 إلاّ أنّ هذا التمشّي لا يزال حديثا في بحوثنا العربية، بل لعلّ الارتجال في حدّ ذاته صوتيّا كان أو آليا لم يدرج في الإطار الموسيقولوجي على اعتبار كونه لم يدرس ضمن الأنماط التأليفية الموسيقية غداة تأريخها في المؤتمر الأوّل للموسيقى العربية المنعقد بالقاهرة سنة 1932، مثلما ذكر ذلك ندا أبو مراد حيث قال:«أعمال مؤتمر 1932الجامع لنخب علمية وموسيقية دولية خلت تقريبا من أيّ ذكر للارتجال في ذلك الزمن الذي مازالت فيه تقاليد الارتجال الموسيقي منتشرة بشكل جيّد في العالم العربي، وكأنّه استباق لما آلت إليه الأمور لاحقا من تهميش للتقاليد الموسيقية التدربية والاستعاضة عنها بالأنماط الحديثة الخالية من الارتجال التأويلي» .

إنّ الارتجال الذي يكون وليد اللّحظة يطرح عدّة إشكاليات في مستوى دلالاته الموسيقولوجية، لعلّ من أبرزها مدى إفصاحه عن تمكّن صاحبه أو مؤدّيه من الموروث الموسيقي وضوابطه، ومدى تمكّنه كذلك من مساوقة ذلك المخزون مع الفضاء السمعي الذي يعاصره وينشأ فيه .

 إن المادّة الصوتية النابعة أثناء الارتجال وكيفيّة تبويبها وتأليفها كل ذلك يستطيع أن يحيل على ذينك الإطارين (المخزون والإطار السمعي المعاصر)، فتغدو دراسة أساليب الأداء حينئذ بمثابة تفكيك لشفرة هي خطاب ضمني يحتويه الارتجال الموسيقي. وقد فسّر "جاك سيرون" في دراسته المعنونة "المدوّنة الباطنية، الجاز، الموسيقات المرتجلة" (la partition intérieure, Jazz, Musiques improvisées) ذلك الخطاب بقوله:«إنّ العناصر المكوّنة للمدوّنة الباطنية هي عناصر بسيطة في ذاتها، لكن تعقيدها يكمن في الروابط التي تصل بينها والتي تؤلّف مجموعة شبكات تتداخل في ما بينها باستمرار، ومن هنا تتولّد أهميّة تفسير الارتجال بتناول جميع مكوّناته» .

ويبدو أنّ هذا الخطاب الشائك جلب اهتمام الموسيقيّين المشارقة في مطلع القرن العشرين، فاهتمّوا بإبدائه عبر العزف الآلي للتقاسيم لاسيّما على آلة الكمنجة التي شهدت بروزا كبيرا على المشهد الموسيقي العربي الحديث منذ إدماجها في الفرقة الموسيقية التي عوّضت التخت العربي التقليدي، وارتبطت سيطرة هذه الآلة على الجرس الصوتي العامّ للتنفيذ الموسيقي للمؤلّفات العربية الحديثة بعناية الملحّنين المحدثين بها سيّما وأنّ عددا كبيرا منهم انطلقوا بالعزف عليها أو بالكتابة لها.

وفي هذا السياق أخذ عدد من المختصّين في العزف على آلة الكمان يتزايد منذ منتصف القرن العشرين مدعومين باستثمارهم لقالب التقسيم وإذ تمثّل التقاسيم قالبا آليا مميّزا ضمن القوالب الآلية العربية التقليدية، فقد كانت الفكرة السائدة حتى أواسط القرن العشرين هي أنّ مقياس كفاءة الموسيقي ومهارته (ملحّنا أو مطربا أو عازفا) قديتحددبصفة جليّة عند تعامله مع هذا القالب، بما يتيحه له من مجال للإفصاح عن مخزونه من ارتجالات لحنية وأدائية متعدّدة ومتنوّعة، وبما يتيحه له كذلك من فرص لإبداء وجهة نظره وموقفه الفنّي والجمالي إزاء مسألتين هامّتين طالما ميّزتا الساحة الفنيّة العربية الحديثة هما التقليد والتجديد في الموسيقى العربية[2].

وباعتبار ما عرفه التقسيم من اهتمام لدى عازفي الكمنجة العرب في أوّل القرن العشرين، وباعتبار اختصاص عدد منهم بتقديم تقاسيم في عدّة مقامات تقليدية على غرار عازف الكمنجة "عبّود عبد العال" الذي اشتهر بتقسيم حرّ في نهاوند يكاه، فهل نستطيع أن ننزّل هذا التقسيم في إطار الخطاب المتعدّد الشبكات للارتجال عموما كما يطرح في المقاربات الموسيقولوجية الحديثة؟ ما هي مكوّنات هذا الخطاب التقليدية؟ وما مدى علاقتها بالإضافة والتجديد لدى "عبّود عبد العال"؟

سنسعى إذن في هذه الدراسة التي اخترنا لها طابع المقاربة التحليلية إلى بيان  مظاهر التجديد في أسلوب أداء التقسيم لدى "عبّود عبد العال"، وهو القالب الذي يوفّر مجالا من الحرية والإبداع للعازف يظهر من خلاله كفاءته أو عدمها في الجمع بين الثوابت المنهجية والطموحات الإبداعية ألا وهو قالب التقسيم الحرّ. وقد اخترنا تقسيم نهاوند يكاه لعبّود عبد العال كنموذج لبيان هذه المسألة، وهو يتكوّن من خمسة أجزاء كبرى قسّمناها حسب التوزيع اللّحني الأدائي له. وسنقتصر في هذه الدراسة الموجزة على الجزء الخامس وتحديدا الجملة الرئيسية الأولى التي انبنت على نماذج لحنية سابقة.

من الناحية المقامية كان هذا الجزء رجوعا كليا إلى المقام الأساسي للتقسيم وذلك من خلال إبراز العقود الأساسية الأصلية لمقام النهاوند على درجة اليكاه التي تخللتها بعض التلوينات المقامية التي كانت غالبيتها مستعملة في الجزء الأول (A) وهنا نستطيع القول إنه رجوع نهائي للمقام الأصلي، وفي ما يلي نبين هذه العقود والتلوينات المقامية على النوتة الموسيقية التالية والجدول الذي يليها:



 

 




 

 

 

 

 

3.1. التحليل على المستوى اللّحني:

امتدّت المساحة الصّوتيّة الّتي استعملها العازف في هذا الجزءما بين درجتي اليكاه وجواب المحير:

 



 

 

 

وتعتبر أكبر مساحة صوتية في التقسيم وذلك مقارنة بالأجزاء السابقة منه، وفي ما يلي سنقوم بدراسة العلاقة التفاضليّة بين مختلف الدّرجات الموسيقية المستعملة في هذا الجزء.

 



 

 

نلاحظ من خلال هذا الرسم أن الدرجات البارزة هي الدرجات المكونة للعقد الأول للمقام الأصلي وهذا يؤكد لنا أنّ هذا الجزء شهد بصفة عامة رجوعا كليا للمقام الأساسي مع تركيز لدرجات العقد الأول بصفة خاصة. 

 



 

 

 

 

 

 

قسّمنا هذه الجملة إلى ثلاثة أقسام وذلك حسب مسارها اللّحني؛ وعلى هذا الأساس كان القسم الأوّل يحتوي على حركة لحنية نازلة ما بين درجتي جواب المحير والدوكاه، واحتوى الثاني على حركة لحنية صاعدة من درجة الدوكاه إلى درجة جواب الجهاركاه. أمّا الثالث فقد تضمّن حركة لحنية نازلة ما بين درجتي المحير والنوا استعملت فيها تقنية الطنين (Le Bourdon)[1]، أمّا باقي الدرجات فهي بمثابة درجات عبور (Note de passage)[2]أو زخارف. بعد اختصار المسار اللحني نبين هذه الحركات على النوتة الموسيقية التالية:    

 

 




[1]"طنين: يحدث بمزامير القرب وذلك بعزف صوت الأساس أو المسيطر". المعجم الموسيقي المختصر، المرجع السابق، ص. 48.

[2]http://dictionnaire.metronimo.com/index«Les notes de passage peuvent être diatoniques ou chromatiques et figurer des dessins rythmiques variés, de différentes valeurs. Elles s'emploient généralement sur les temps faibles ou la partie faible des temps. On peut placer des notes de passage dans plusieurs parties à la fois. C'est ainsi que, dans la musique de clavier, se produisent des gammes en tierces ou en sixtes frappées ou brisées et des suites de quartes et sixtes».

 

 

 

 

 

 

حسب المسار اللحني لهذه الجملة المبين باللون الأزرق تأكدنا من أنها تقريبا نفس الجملة الموسيقية التي قام بتوظيفها الفنان وعازف العود فريد الأطرش وذلك من خلال التقسيم الذي قام بعزفه قبل أدائه لأغنية "أول همسة"، في حفلته في سينما الأندلس في الكويت سنة 1966[1]، وهذه الجملة هي في الأصل مستوحاة من (ASTURIAS) وهي مقدمة موسيقية (PRÉLUDE)لآلة القيثارة من ألحان (ISAACALBÉNIZ).وهذا يطرح العديد من التساؤلات عن ناحية المصدر الذي اعتمدهعبود عبد العال وعن الجملة التي اعتمدها لبناء جملته التي تختلف عن الجملتين المذكورتين؛لذلك سنقوم بمقارنة هذه الجمل الثلاث، وذلك عبر استخراج المسار اللحني لكل واحدة ومقارنته بالمسار اللحني للجملة الأصلية.

 



 



 

 

[1]http://www.sham-cafe.net/vb/showthread.php?t=2036. 

 

 

 

 

 

·                   مقارنة بين المسار اللّحني للجمل الثلاثة:

للقيام بهذه المقارنة قمنا بتقسيم الجملة الأصلية إلى ثماني حركات لحنية اعتمادا على التشابه الموجود بينها وبين الحركات اللحنية الموجودة بالجمل الأخرى، وهي مبينة على النوتة الموسيقية التالية: 

 



 



 

نلاحظ من خلال هذه المقارنة أنّ جملة "عبود عبد العال" كانت أقرب إلى الجملة الأصلية من الناحية اللحنية مع أنها اختلفت في العديد من الحركات؛ وهذا يؤكد أنّه كان على اطّلاع بالمقدمة الموسيقية (Asturias).

أمّا بالنسبة للناحية الإيقاعية فهي أقرب إلى جملة فريد الأطرش من خلال تقليده لتقنية "الفرداش" باستعمال تقنية القوس القافز (Le Sautillé)، وكانالهدف الأساسي منتوظيف هذه الجملة في التقسيم كسر الرتابة الإيقاعية وإضفاء نوع من النبض المنتظم إضافة إلى التغيير على مستوى الخطاب الموسيقي للتقسيم؛ ويمكن اعتبار هذا نوعا من التجديد خصوصا في التقاسيم على آلة الكمان.         

لقد استطاع عبّود عبد العال من خلال التقسيم الحرّ في مقام النهاوند أن يختطّ لنفسه رؤية واضحة ومشروعا فنيّا استثنائيا بالمقارنة مع الإطار الحضاري الذي نشأ وترعرع فيه أواسط القرن العشرين والعقود التي تلتها. لقد كان منهجه في الأداء على آلة الكمان منهجا توفيقيا لا تلفيقيا، وقد دعّمنا هذا الاستنتاج بشواهد مؤكّدة من أجزاء التقسيم، ولاسيّما في الجزء الخامس منه والأخير، ذلك الجزء الذي استلهم فيه عبّود عبد العال معزوفة "أستوريا" (Asturias) استلهاما مبدعا ومبتكرا مغايرا تماما لاقتباس فريد الأطرش له في تقسيمه على العود، ومغايرا كذلك للنسخة الغربية الأصلية المخصّصة لآلة القيثار.

لقد أبدى عبّود عبد العال في كامل التقسيم الحرّ في مقام النهاوند سلاسة كبرى في الحوار مع الذوقين الجماليّين العربي التقليدي والغربي الكلاسيكي أهّلته لاكتساب مشروع فنّي وجمالي واضح المعالم.

 



 
الاسم البريد الاكتروني