اسعد محمد علي : رهافة الموسيقى وخبرات الأديب 2

الموسيقى كالشعر، وكالرواية : رفاق الإنسان في عزلته التي يفرضها تصاعد ايقاع الحياة المعاصرة .

نبع المهارات والأفق الثقافي الواسع

في عمّان تلقى عازفون شبان ومحبون للموسيقى في "المعهد الوطني للموسيقى" و "مركز فريدي للموسيقى" دروساً من نبع أسعد محمد علي، في المهارات وفي تذوق النغم الرفيع وفي محبة الأدب وعلاماته المبدعة، وكان ليس غريباً أن يموت وهو يعطي درساً لأحد طلابه في عمّان بعد أن داهمته نوبة ربو حادة .
 
/site/photo/10018 
                   الراحل أسعد محمد علي الثاني على يمين الصورة عازفا على الفيولا في حفل موسيقي بعمّان
 
في عمّان أرسى الراحل دعائم اتصال قوية مع المشهد الثقافي الأردني، فكان اسماً رصيناً لم يقارب "الإدعاء الأجوف" بتفوق المشهد الثقافي العراقي على الأردني كما فعل غيره، ولكن مع حرصه على تثبيت ملامح ناضجة لآداب العراق وفنونه، فكان ذلك مبعث احترام المثقفين الأردنيين له وتقديرهم .

وفي حين كان جثمان الراحل يسجى في ثنايا تراب وطنه الذي أحب، لم يتذكره أحد غير الناقد الموسيقي عادل الهاشمي في عموده الإسبوعي في "الجمهورية" والذي كان جريئاً في الإشادة بمآثر الراحل وفي نقده "الإحتفالية" التي أقامتها "دائرة الفنون الموسيقية" فكتب: "لم يكن الحضور على المستوى الذي كنا نتمنى لمبدع مثل أسعد محمد علي، فإن مثل هذه الظاهرة غير المفهومة نكسة مؤلمة من إنعدام الإعلان عنها ومن غياب التخطيط لها" ·

 مخطوطاته لا ينتظرها سوى المجهول

 في اليوم التالي لرحيله، كان خبر عن غيابه القاسي والمؤلم ينشر في صحيفة "الحياة"، وإنطلاقا من تجليات الحدث، يكتب الناقد والأديب السوري نبيل سليمان متسائلا : كيف يموت كاتب عراقي في المنفى حتى لو كان هذا المنفى عاصمة عربية ؟ وكيف يترك وراءه مخطاطات ينتظرها المجهول ؟

هكذا رحل أسعد محمد علي الروائي والموسيقي العراقي .

في لحظة تائهة من نهار الجمعة 1/12/2000 عاجلتني "الحياة" بخبر رحيل الكاتب العراقي أسعد محمد علي في عمّان، وعن ستين عاماً تطوّح فيها بين العراق والمنفى، وها أنا أكذب الموت ملوحاً برسالته التي قرأتها صباحاً، وها هو يبشرني بحصوله على إقامة سنوية، وتأهبه للسفر الى ألمانيا لإلقاء محاضرتين: الأولى حول الموسيقى في أدب هرمان هيسه، والثانية عن الموسيقى العربية .

من موت هذا الموسيقي والروائي والناقد ألجأ الى الرسالة التي لا بد من أنه كتبها قبل يومين أو ثلاثة، فتهمس سطوره: "أنجزتُ كتاباً عن هرمان هيسه "ثنائية الأدب والموسيقى - هرمان هيسه مثالاً" وعندي ديسك منجز لكتابي "الرحيل نحو الحلم" وهو بحث في جوهر الموسيقى عبر لغة واضحة لا تخلو من إيقاع روائي" .

ويواصل سليمان الكشف عن رسالة محمد علي وما تضمنته من آمال: "لا أريد استباق الأمور، ولأنك تعرف الحال، فأنا بانتظار أن تقدم لي ما تشاء، كأن ألقي محاضرة في دمشق في موضوع نادر من نوعه: "صيغ موسيقية في ألف ليلة وليلة مع نماذج صوتية" أو موضوع: "الرواية والموسيقى" أتناول فيه الدراما كونها جذر الإبداع الأدبي والموسيقي، والرواية المتأثرة بالموسيقى في الغرب، والرواية التي أفادت من صيغ الموسيقى في الوطن العربي . الى جانب ذلك أنجزت مسودة كتاب جديد "بين الأدب والموسيقى" في جزأين ومقدمة بقلم ( الناقد ) عبدالواحد لؤلؤة، أبعث اليك بخلاصة عن الكتاب أو فهرس موسع، ولي مسودة رواية أو نص نثري في ثلاثة أقسام عنوانه "يوميات مدينة" . في القسم الأول وعنوانه "النهر" تعود الشخصية الى الماضي : الطفولة والشباب، والنهاية حين تبتر ساقاه في الحرب : عجز جسدي يوضح - ربما - العجز العام الذي يعاني منه وضعنا العربي الراهن... النهر هنا نبض يمد المرء بنسغ حيوية خاصة، انه رمز واضح لحياة تأبى الزوال . في هذا القسم رصد فني لمنطقة بغدادية قديمة هي الأعظمية : معالمها وأزقتها وبيوتها وشناشيلها وطابعها الخاص الذي أزيل من خارطة الواقع، حيث هدمت المنطقة قبل ربع قرن. القسم الثاني: "حكايات" يضمّ رصداً للواقع الذي أعقب الحرب: شخوص ومصائر ورغبات وآمال مكبوتة، وأثر الحرب على النفس وإيقاع الحياة . أما القسم الثالث فهو بعنوان "الأنتظار" فيه رصد لشخصية فنية "أشبه بسيرة ذاتية عن بعد أو موضوع واحد معين" تحاول بلوغ أمنية له ولعائلته عبر انتظار طويل يتداخل بانتظار آخر "معادل" كأن يتحول الأثر إلى نوع من انتظار لا طائل من ورائه، لكنه يصبح جزءاً من طبيعة حياتية تكسب الشخصية طابعها المميز . في هذا القسم طروحات في جماليات الفنون" .

 المثابر أدبا ونقدا

ويواصل الأستاذ سليمان مراجعته العميقة للراحل محمد علي المثابر في الأدب والنقد فضلا عن النتاج الموسيقي على امتداد سيرة طويلة، فيقول " في كل رسالة كنت أزداد معرفة بفن ونقد أسعد محمد علي . ولأنه رحل وترك مخطوطاته الى مصير مجهول، بات لزاماً عليّ أن أشارك قارئاً بتلك المعرفة مهما ضؤلت، فأضيف الى ما تقدم ملخصه لمسودة كتاب "بين الأدب والموسيقى"، حيث تلي مقدمة لؤلؤة فصول عن ثنائيات الفنون وخصوصيتها "بدءاً من علاقات أولية بالانسان حتى مقاربات جمالية متقدمة "، ثم فصول حول "ثنائيات الإيقاع والصوت، وخصائص درامية في الموسيقى، وأثر الموسيقى في الدراما والأوبرا والفنون الأخرى، وتقابلات بين خصائص الدراما ذات الاحتواء الكلي للفنون، والموسيقى ذات التأثير البارز في فنون القرن العشرين" ويلي ذلك فصول عما بين الشعر والموسيقى: العلاقات الأدائية الداخلية، الجمالية بين الشعر والموسيقى، الأرض اليباب لأيليوت وتأثرها بالموسيقى، قصيدة السياب "المسيح بعد الصلب" وتأثره بالشعر الإنجليزي، تأثره غير المباشر بالموسيقى، حيث "الفكرة المسيطرة" ذات الجذر الرومانتيكي في الموسيقى، والجذر الدرامي في التاريخ الابداعي، وتأثر السياب بالشكل الذي مارسه ايليوت" . وبعد ذلك ينتقل أسعد محمد علي إلى ما بين فنون الشرق والغرب، حيث: "فنون الشرق استرسالية، ارتجالية المنشأ، وتهدف الى تحقيق أشكال أفقية غير منتهية، عكس فنون الغرب الطامحة الى بلوغ نهايات ذات أثر تكثيفي منشأه الدراما . هنا حضور لألف ليلة واحتوائها على صيغ موسيقية حديثة، وهو تحليل جديد من نوعه" . ويقفل هذا المخطوط بأثر الموسيقى في روايتي "تحريك القلب" لعبده جبير، و"طواف متصل" لمحمد حياوي .

وهنا ينوه أسعد محمد علي بمحاولته أن يكون هذا الكتاب أكثر بساطة للقارئ الذي راودته بعض الصعوبة في قراءة كتابي الأول في إشارة الى "الأدب والموسيقى" الصادرة في بغداد عام 1985 .

وأضاءت رواية أسعد محمد علي "الضفة الثالثة" 1981 نزوع الناقد السوري إلى "علاقة الرواية والموسيقى، فيما كنت أهيئ لكتابي "وعي الذات والعالم" 1985. وكنت ممتلئاً بالغبطة لاكتشافي ريادة قصة أحمد مكي "النداء البعيد" في "المكشوف" البيروتية 1939، لتصوير لقاء الأنا بالآخر الفرنسية سيلفينا في الوطن، قبل سليمان فياض وعبدالحكيم قاسم بعقود، فيما ألفت القصة والرواية العربية من التعبير عن وعي الذات والعالم في لحظة لقاء الآخر في موطنه . ثم جاءت رواية "الضفة الثالثة" لتضيف اللقاء في بودابست بالآخر الذي كان اشتراكياً قبل سقوط الاتحاد السوفياتي وكواكبه، عكس الخط المألوف نحو باريس أو لندن . ولئن كان صنع الله ابراهيم سبق الى ذلك نجمة آب /أغسطس - 1974 وحنا مينه تابعه الربيع والخريف - 1984، فالإضافة التي حققها أسعد محمد علي جاءت بامتياز في بناء الرواية الذي بدا لي "منطلقاً من نقطة الصفر، من العادية، من المصادفة، وراح يتصاعد ويتعقد بشفافية ويسر، حتى إذا ما بدا أنه وصل الى ذروته، انداح الى بداية اخرى، وعاد يتشكل من جديد، من دون أن يكرر التشكيل التالي سالفه، بل هو ينهض على خلاصة ما تقدمه، حتى يكتمل البناء؟" .

كان ذلك بعض ما كتبته عام 1985، وربما كان على الجواب أن ينتظر جديداً ريثما يقيض لمخطوطة "يوميات مدينة" وسواها أن تظهر، كما انتظرت "الضفة الثالثة" نقداً آخر قرابة عشرين عاماً، وكما انتظرتُ لقاء أسعد محمد علي حتى عام 1998، فإذا بذلك الكركوكي المتواضع المجهول والدافئ، موسيقي وناقد ومنفي، يكويه، كما عبرت رسالته بصدد القسم الثالث من مخطوطته الروائية "نوع من انتظار لا طائل من ورائه"، غير انه لا ينكر وطنه ولا ينتسب الى منفى. ها هو اسعد محمد علي اليوم يغيب ليبقى سؤاله الحضاري، ابتداء بالموسيقى أو النقد أو الرواية أو المنفى أو الوطن، وانتهاء بالكون والتاريخ" .

 

رائد متمرد على النسيان

وفي لمسة وفاء نادرة في المشهد الثقافي العراقي، أقام الفنان التشكيلي، والكاتب الصحافي، المقيم في الدانمارك، مصطفى الأدهم معرضه الشخصي العاشر تحت عنوان "أسعد محمد علي .. رائد متمرد على النسيان".

أما لماذا أسعد محمد علي؟(4) فالجواب حملته سطور الأدهم: "أهدي معرضي العاشر هذا إلى روح الفنان الرائد الأستاذ المرحوم أسعد محمد علي - الموسيقار الكلاسيكي، والناقد والكاتب الفني، الذي انحاز لفنه ومبادئه بكل صدق والتزام، فكان مثالا يحتذى به في التمترس العجيب خلف المهنية والمباديء، وتطليق كل المغريات.. ومواجه الدنيا بفيولته (آلته الموسيقية: الفيولا) وقلمه وأخلاقه النبيلة.. فلا غرابة أن توافيه المنية مغتربا، مهاجرا - اضطراريا - وهو يعطي درسا لأحد تلامذته في العزف".

 أثره المعرفي

ويواصل الأدهم الثناء على الأثر المعرفي للراحل أسعد محمد علي بقوله: "من هنا، واستمرارا مني في المضي قدما في مبادرتي في تكريم الرواد الكبار في مجال الثقافة والفن والأدب العراقي، التي افتتحتها بالمعرض السابق الموسوم بـ "خالص عزمي موسوعة عراقية خالدة"، ولدت الخطوة الثانية هذه بما يليق أن يهدى إلى فنان رائد قدير، وعلم من أعلام الثقافة العراقية، لا سيما في مجال الموسيقى الكلاسيكية، بالإضافة إلى التأليف والكتابة والنقد الموسيقي الرصين، الذي أثرى المكتبة الموسيقية بمؤلفاته ومقالاته القيمة، ككتابه الشهير "بين الأدب والموسيقى"... فمع غياب التكريم الرسمي من قبل الجهات المعنية في العراق، تجاه قامات ثقافية وفنية وأدبية رائدة لها دورها النضالي في حماية الثقافة والأدب والفن العراقي الرصين، لابد لنا من قول كلمة حق تجاههم، لما لهم من دين في أعناقنا، ووفاء منا لهم على نضالهم الثقافي المثمن.. والعقود التي أفنوها من أعمارهم المعطاءة في بناء المشهد الثقافي والفني والأدبي العراقي المعاصر.. بما يستحق أن يكون مفخرة عراقية بأمتياز".



 
الاسم البريد الاكتروني