مظلتان لشخص واحد/إدواردو غاليانو/ إيتالوكالفينو

مقداد مسعود/ البصرة
إدواردو غاليانو/ إيتالوكالفينو: المكان هو المستقبل ..
                                      
وحدهُ...
إدواردو غاليانو هو الذي  أكتشف : مخيال الرصاصات، فقام بتنضيدها بشرياً :
*رصاصات تسلّي نفسها بإيلام اللحم البشري
*رصاصات تخدم العنف البشري
*رصاصات تلعب بالألم البشري ..
(*)
يجلس غاليانو .. أو ينام ..فهو في كل الأحوال كان يبحر 
بعيدا ً عن خطوات ماركوبولو ..
بعيدا ً عن أشرعة كولومبوس ...
أعلى من سفن رواد الفضاء ..
(*)
أجمل مافي كتابات غاليانو : أنه أتبع َ هواه السردي المتطرف .. أتبعه ولم يمشطه  وهولا ينظر إلى هواه .. أقتفاه : إستضاء به / وأضاءه ..وإذا كان ( العنب مصنوع من الخمر ) ..فمن الممكن أن تكون الأ فعى حزاماً للبنطلون بلا بزيم !!..كما أن النقود أكثر حرية من البشر والبشر في خدمة الأشياء والواجب الوحيد للجيش هو أن يشن حرباً ضد مواطني بلده، وسيكون الأمن بكامل قيافته الوطنية فالأصوات تصوّت لكنها لا تنتخب والتقشف من حصة المواطن أما الأرباح فمن حصة المحاصصة الوطنية ...
(*)
غاليانو يبتكر بيوتاته السردية ويؤثثها بالضروري الوجيز الضروري اللذيذ .. مفردات قليلة ومشحونة بصدمة التلقي ..يلتقط الخبر الصحفي ، يفركه جيدا حتى يتنظف تماما من الحكومات ومن القطاع الخاص، ثم يشحنه بشعرية السرد الكثيف / الشفيف، يلتقط جملة من فم هندية تشيلية ( يعيش المرء ليموت وهذه هي المسألة ).. ويكتب فصلا هادئا ( في مديح الحس العام ) يدين فيه وحشية الحكومات في أمريكا اللاتينية  وأمريكا العربية..فهو يرى ذلك الوجه المقبوح للغة ( اللغة كخيانة ) ..فالحكومات تسمّي ضحاياها : جلادين !! والهنود الحمر ( عوملوا كالسود في أفريقيا الجنوبية ولم يسمح لهم بدخول الفنادق أو المطاعم ).. في زمن الطاغية وأثناء الخدمة الإلزامية في شمال الوطن ، كان التوجيه السياسي يطلق على الحركة الثورية الكوردية مفردة ( العصاة ) ؟! ومن يرفض الحرب فهو بين تسميتين ( فرار ) أو ( خائن )، وبهذا السياق كان رافض الحرب لايستحق فنجان قهوة بشهادة أحد المغنيين العراقيين الأماجد ..!!
(*)
في غابات غاليانو : أين يلتقي ضحايا عالمنا المنهوب ؟ المحذفون أين يتحاورون ..؟ الخرائط كلها حكومية وفي كل مكان ..لذا يختار لهم غاليانو خريطة عذراء لم تطمثها الحكومات : ( ذلك المكان هو المستقبل ).. برهف عينيه يلتقط المتغير اليومي .. ويلتقط غاليانو وجعا ساخرا من ألسنة عمال البحر: ( صار البحر أحمر اللون، إن المحار يحيض الآن مثل النساء / سفرالتكوين – 129 ) حدث ذلك 1534كوباغوا يومها كان المخادع كولومبس يبيع الهنود (صحونا مكسورة مقابل اللآلىء... )  الهنود الأرقاء يجبرون على الغوص ولأنهم لم يكلفوا الرب إلاّ قليلا من الطين فمكتشف أمريكا وقراصنته ، كانوا يربطون صخورا على ظهور الهنود كي يبلغوا الأعماق بوقت ٍ يمتد من شروق الشمس لشروقها في اليوم التالي وهو يكشطون المحار الملتصق بالقيعان كانت رئاتهم تنفجر .. ولايصعدون إلى السطح..لايصعدون ..ينوب عنهم جدول قان من دمائهم .. ربما من هذه الدماء النقية سينهض مارتن دي بوريس 1639 ويجترح معجزات خلاسية في ليما وينقذ أرواح في الفلبين والصين واليابان ويقدم العزاء للأسرى في الجزائر ..ترافقه مكنسة يكنس الكنيسة والمستشفى ويحلم بكنس العالم من كل هواء مستعمل ... وبشهادة غاليانو  كان مارتن دي بوريس ( أول إضافة داكنة الجلد إلى قائمة الكنيسة الكاثوليكية المقدسة الناصعة البياضة كالزئبق ../ 275 ).. صياد القصص : وهذا عنوان كتابه الأخير الذي لم يره غاليانو ..صياد القصص هو أيضا صياد مايوائمه في روزنامة سرد التاريخ من (الوجوه والأقنعة ) ألتقط ُ هذه المسردة الخلاسية .. حول غراميات بول لافارغ ولورا كارل ماركس ..(تلقى ماركس وجهة نظر غامضة عن هجمات الكوبي المتحمس وطلب منه أن يكسب أبنته ذات العينين الخضراوين قواعد سلوك إنكليزية أكثر رصانة../ 272) يومها ماركس لايحق له دخول فرنسا وبلجيكا وألمانيا  وكان في عوز شديد ،خصوصا عندما تتأخر عليه مساعدات إنجلس ..بتوقيت هذا كله جاء إلى الدنيا حفيد (ماركس الأول من المهجّن الكوبي، ابن حفيد خلاسية وهندي من جامايكا ) في كل كتاباته كان يقترض من سواه : الروزنامة – الغرائبية – البدائية – الحلم – اللاوعي – التجريد ...ثم يخلط شحنات كل هذه المفردات بقوة ساعديه ويضيف لها نكهة بصمته الساحرة ..وهو يحشر نفسه في 1499 يحشر ذاكرته وجسده وروح مع فقهاء غرناطة المسلمين ، معهم يسجن ، بعينيه يرى ألسنة اللهب تلتهم الكتب الدينية والشعرية والفلسفية .. ........ ثم : هاهو غاليانو يهرول في 1913 يدافع عن الهنود الأحمر، يتقمص زاباتا، يعبر الجبال التي لاتُخترق والوهاد التي لاتعبر ومثل زاباتا  يعي جيدا الهنود الحمر لاينتسبون للغيوم العابرة ..
(*)
 كتابات إدواردو غاليانو تمتلك حاسيسة إستثنائية في الإشتغال السردي ..
ربما.... غاليانو : هو الشقيق السردي للعظيم إيتالو كالفينو ....
وكلاهما رضعا من تلك المشنقة التي ..ربما يشبهها 
: الحبل السري .
(*)
أتساءل لماذا الترجمة تخضع لشروط غير ثقافية ؟  ماهو سبب هذه اليقظة المتأخرة في ترجمة : غاليانو ..بيسوا ..بوكوفسكي ..؟ إلتهمت وأعيد إلتهام  مؤلفات غاليانو ..فلا أتذكر غير إيتالو كالفينو ..في (مدن لامرئية )ترجمة ياسين طه حافظ ، أعقبتها ترجمة : منية سمارة بعنوان ( مدن الخيال ) ( قلعة المصائر المتقاطعة ) ترجمة الشاعر ياسين طه حافظ ( ست وصايا للألفية الثالثة ) ترجمة محمد الأسعد (لو أن مسافرا في ليلة شتاء ) ترجمة حسام إبراهيم(الفيسكونت المشطور) (البارون ساكن الأشجار) ( فارس بلا حدود )  هذه الأسفار الثلاثة : ترجمة د. أماني فوزي حبشي..أما ( الكلاب الثلاث ) فقد ترجمته ماري لو سمعان ..
(*)
 كالفينو / غاليانو : كسرا كونكريت الرواية ، وجذبا القراء بطريقة شعبية نوعا ما ..وهذا إختلافهما عن :  جماعة : ميشال بوتور – كلود سيمون – ألان روب غرييه – ناتالي ساروت ..فهذه الجماعة الروائية ، لاتنضد كمجموعة مؤتلفة فهي لادخل لها بنضيدة : ( الكروب )  . تلك الجماعة الشيئية : القوس الجامع لها تضاءل دور الإنسان في رواياتها  وسيادة الأشياء بتنوعاتها .. فيظهر الإنسان في هذه الروايات ظهور الروائي ترومان كابوت بمعطفه الطويل جدا والعريض جدا مقارنة بجسده في تلك اللقطة الفوتو وهو كأنه محصور بين جدارين : هذه رؤيتي للرواية الشيئية ، ولا دخل للروائي ترومان كابوت بالروائيين الشيئين ..
(*)
الروائي إدواردو غاليانو – هكذا أصنّفه –  تشتغل أعماله الروائية ، بالتجاور مع أوراق الروزنامة وبتوقيتات متعايشة سلميا مع الشعوب كافة ..يتجسد ذلك في كتابه الذي كان بطبعته الأولى ( أفواه وأزمنة ) وهناك طبعة أخرى : ( أطفال الزمن ).. للكتاب نفسه ..مع هذا الكتاب بدأت صداقتي مع غاليانو ومع كل كتبه التي لدي ّ: ثلاثيته ( سفر التكوين – الوجوه والأقنعة – قرن الريح ) ( كتاب المعانقات ) هذه الكتب نقلها للعربية الأستاذ أسامة أسبر مشكوراً ( أشباح الليل والنهار ) إجناسية الكتاب المثبّتة على وجه الكتاب : سرديات ..وهناك الكتاب الذي لم يره كتابا مطبوعا فقد إنتهت إجازة غاليانو القصيرة في الحياة ، وصدر الكتاب بعنوان ( صياد القصص ) ترجمة صالح علماني .








 
الاسم البريد الاكتروني