لَهُ المجدُ/نصٌ أدبيٌ في توليفةٍ من شعر ونثر *

كريم الأسدي ـ برلين
لَهُ المجد هذا الواقف وحيداً ضد مجرى السيلِ الأسود الجارف كي لا يقِّوضَ الدارَ والبستانَ والسدرَ والنخيلَ .. له المجد وهو يبني سداً هنا وسداً هناك وحين تَعجز السدودُ يحاول صدَّ عتي التيار  بصدره العاري ..
 
له المجد هذا الذي استيقظ قبل ان تستفحلَ الحرائقُ وتنشبَ نواجذَ نارِها في العالَمِ والوطنِ والمدينةِ والحيِّ والقريةِّ ، ففزعَ يحمل الماء والتراب مُطفِئاً حريقاً هنا وحريقاً هناك منادياً بأعلى صوته :  هؤلاء أهلُكم، هذه بيوتكم وحدائقكم وبساتين نخيلكم وعنبكم وتينكم وملاعب طفولتكم، هذه مزارعكم وحقولكم ومضائفكم ومدارسكم، هذه جنائنكم القديمة الحديثة، هذه رموز سيادتِكم وعزَّتِكم تحترق أو ستحترق، ومالكم من سواها لاهنا ولا هناك، لا الآن ولابعد الآن ..

المجد له، هذا المشفق على الأرض، وماتدفعُهُ الأرضُ الى الأعلى جذعاً وغصناً وورقاً وثمراً وحياة، وما تكنزُهُ الأرضُ في الأسفل ذخراً لبني الأنسان أو أثراً من أجدادهم وأسلافهم فتريد معاول السارقين الأِتجار به في السوق الأسود لتذهبَ تحفُ ميراثِهِ وجواهرُ كنوزِهِ لتزيِّنَ صالوناتِ بيوتِ تجارِ سلاحٍ ومشعلي حروبٍ ومهربي آثار .
 
له المجد هذا الساري وحيداً رغم جموع العسس والمرتزقة في غلس الليل الى هدفه وقد تخلف عنه الرفاق والأتراب والأصدقاء القدامى ولم يجد الأصدقاءَ الجدد فسار وحيداً ليوقفَ القاتل عن القتل ويقطعَ الطريق على الذئب ويثلمَ حربةَ صيادِ الآدمي ويمنع الأفعى ان تنفثَ السُمَّ في شرايين ضحاياها وتتلمظ .
 
له المجد، والمجد كله، هذا الحارس المتتبع لمجرى النهر والسابح ضد التيار ليصل الى النبع  كي يتأكدَ من تدفقه ونقائه وسلامة مياهه من السموم والسدود كيما تستمر الحياة وتشرب الفسائل والنخلة والسدرة وشجرة البستان وتربة النبات، وكيما تبقى الضفاف مزهرة ويعاود جيل الأطفال السباحة في النهر النقي على الضفاف التي حملت خطوات وأجساد أجدادهم وهم ينزلون الى الرافد سابحين فيه أو خارجين منه ..
  
المجد، وأروع المجد له، ولصوته الهادرِ بالحق والنازلِ صواعقَ على رؤوس المنتدين المحتفلين بنصرهم المزيّف  الجبان، الفخورين بتفوقهم بالخسة والغدر، المشيدين بيوتهم من قرميد ومرمر  مسروق ، المالئين موائدهم من أطايب جنان الآخرين، والملوثين أيديهم بدماء أطفال شعوب منكوبة، له المجد وهو يفضح أجرامَهم ويكشف زيفَهم ويدين أقاويلَهم ويقول لأبناء وطنه وأبناء الأنسان من أتباعهم : تعساً لِمَنْ سارَ في جنازةِ قتيلِ أهلِهِ دون ان يقولَ للمجرمِ : المجرمُ أنت .
 
له المجد وهو يتحملُ العزلةَ والأحترابَ والوحدةَ والحرمانَ، ربما كان مبدعاً فحرموه ان يجني ثمارَ أبداعِهِ، ربما كان ذكياً فمنعوه ان يستثمرَ المعيةَ ذكائِهِ، ربما كان وسيماً، مُتكلِّماً وجذّاباً  فحذَّروا العاشقات بأساليب خستهم ولؤمهم من الأقتراب منه، ربما كان حميماً وودوداً فسعوا الى تدمير علاقته بأصدقائه وأحبابه القدامى . له المجد بينما أعداؤه يسخِّرون أبناءَ وطنه ضده، ولكلٍّ سببُهُ ودافعُهُ : 
فهذا الحقودُ
وذاك الحسودُ
وذاك الذي فتكَ الكرهُ فيه
وذاك الذي أدمنَ الأرتشاء
وهذا الذي أدمنَ الأنتشاء
وهذا الذي أعتاد ان لايحب الوطنْ
وذاك الذي ودَّ ان يتبعَ الأقوياء ْ
وهذا الذي مرَّغوهُ بوحلِ الخيانهْ
وذاك الذي قال ان السياسةَ العوبةٌ
والخيانةَ محضُ كلام
واِن الحياة ذكاء
وهذا الذي شغفتْهُ المناصبُ أو غرَّهُ ما يقولُ بريقُ الذهب.


المجدُ للوحيدِ السائرِ في طريقِ النبلِ الأنساني ينتقل من دارةِ مجدٍ الى دارةِ مجدٍ أبهى ومن مدارٍ جليلٍ الى مدارٍ أكثر جلالاً ومن هدفٍ رفيعٍ الى أهداف أرفع، الكوكبُ الأرضيُّ كلُّهُ بيتُهُ، والكواكبُ والنجوم والأقمار والشموس مصابيحُهُ الدريَّةُ، والأنهار نداماه و سمّاره  وأساتذته، التاريخُ مدرستُهُ، والحاضرُ محترفُهُ، والمستقيلُ مشروعُهُ، تمترس في جِلدِه وجَلَدِهِ وهو الشفيف، وسار في طريق الليل الى غاياته الأنبل والأروع ثابت الجنان بينما قطعان كاملة من ذئاب وكلاب تعوي وتنبح عليه وقد دجنها المجرمُ ضده  بالتخويف والطعام والترويض ، وألَّبها عليه وعلى كل حرِّ اِرادة وشجاعِ قلب ونبيلِ ضمير .

المجدُ لَهُ ولرفاقِهِ وأصدقائه وأخوته المستنيرين بسراجِ الضميرِ ونورِ الحُبِّ وشجاعةِ القلبِ الأنساني الكبير . أنهم فراقدُ هذا العالَم في ليلِهِ البهيم، وهُمْ على قلتِهم أملُ المحرومين والفقراء والمظلومين والباحثين عن العدالة والمحبة والأنسانية والسلام المُشَّرِف والخلاص الوضيء !! **

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* له المجد مقطع يتكرر في النصوص الدينية وعلى الأخص المسيحية منها . وهناك عمل شعري للكاتب والشاعر اليوناني أيليتس، يحمل نفس الأسم .

**زمان ومكان كتابة هذا النص يوم 28 من اكتوبر ـ تشرين الأول ـ2017،  في برلين.



 
الاسم البريد الاكتروني