في تاريخ العراق السياسي ..!!

شاكر فريد حسن
تاريخ العراق السياسي منذ القدم صعب ودموي، حافل بالكوارث والانتفاضات، ويزخر بالاستبداد والقهر والقمع والارهاب الفكري، ومشروعات القتل والاغتيالات والتحريض وقطف الرؤوس، في حين نجد تاريخ العراق الحضاري من سالف الأزمان مبدع ومدهش حقاً، قدم للانسانية والحضارة العربية أعظم المنجزات الثقافية والفكرية . فقد ظهر في الحياة السياسية والعلمية العراقية الفلاسفة والعلماء والأدباء والشعراء والمؤرخين والرواة والنحاة والمؤرخين واصحاب المدارس من اللغويين والمعربين والمثقفين والمفكرين العظام والاطباء المشهورين .

لقد تعرض المشروع العراقي في وجهه الرائع الناصع للتهميش ولهجمات مروعة من قبل أصحاب الشارع السياسي، من جبابرة وعتاة وبرابرة طغيان ، وقادة مستبدين، وحكام جلادين .

وسادت في العراق ظاهرة الشعبوية، التي راح ضحيتها أروع الاصوات من أصحاب الفكر والأدب، الذين اتهموا بالكفر والالحاد والزندقة، ومنهم على سبيل المثال ابن المقفع الذي وضع في تنور واجلسوه على مسامير واغلق التنور عليه .

كما لا ننسى مأساة الحسين بن منصور المعروف بالحلاج، الذي اتفق علماء بغداد على كفره وزندقته، وأجمعوا على قتله وصلبه، فلقي مصرعه مصلوباً بباب خراسان المطل على دجلة، على يدي الوزير حامد بن العباس، تنفيذاً لأمر الخليفة المقتدر في القرن الرابع الهجري .

فضلاً عن معاناة اخوان الصفا والاشاعرة، ومصرع " أبو الطيب المتنبي "، بسبب قصيدته التي قالها في ضبة بن يزيد القبي، الذي عرف عنه الغدر بكل ما نزل به، وكان بذيء اللسان، وابيات هذه القصيدة احتوت على أبشع الألفاظ وأقذع العبارات .

وهناك من يقول، وكما تعلمنا في المرحلة الثانوية أن المتنبي قتله بيت شعره : 

الخيل والليل والبيداء تعرفني 

               والسيف والرمح والقرطاس والقلم 

ومروراً بكل الانعزالات في التاريخ السياسي العراقي، وصولاً الى العصر الحديث، حيث شهد الاعتقالات والملاحقات والاغتيالات التي طالت عدداً من المفكرين والمثقفين ورجالات السياسة والفكر من التيارات اليسارية والشيوعية وأهل الثقافة والأدب العراقيين في ظل حكم صدام حسين الاستبدادي الديكتاتوري، ما جعل الكثير منهم الى الفرار والهجرة الى البلدان المجاورة والدول الغربية خوفاً على حياتهم .

لقد شكلت الاستنارة الثقافية والفكرية مصدر قلق وازعاج بالنسبة لحكام العراق، وللمؤسسة الدينية والحركات السلفية والتيارات الاصولية وجماعات الاسلام السياسي، ومن وقف ويقف في وجه ممارساتهم وأفكارهم فأنه يواجه بالملاحقة والمضايقة والتكفير والاقصاء والايذاء والنفي والسجن، ويصل الأمر الى القتل والاغتيال وأعواد المشانق .

ما يجري في العراق اليوم بحق المثقف أو أي صوت ناقد للتطرف والتعصب والانغلاق والديكتاتوريات والفساد السياسي وسياسات المحاصصات، هو سياق وسلوك ونهج قديم جديد، وجزء من سلوكيات الماضي، ولنأخذ مثلاً الأستاذ كامل شياع، ذلك المثقف العراقي الأصيل، الذي حمل في قلبه وصدره روح وقيم وشموخ العراق وطعم نخيله، وكان عاشقاً لثقافة العراق المتجددة، الملتصق بتراب وهواء ونسيم وماء العراق، الذي قتله الجناة الظلاميين الأشرار الجهلة في لحظة دموية على جسر محمد القاسم في بغداد .

المثقف العراقي لا يمكن أن ينتظر التصفيات حتى تناله الواحد بعد الآخر، مثلما تم العبث والجريمة المنظمة بالاكاديميين والاعلاميين العراقيين .

لقد سقط كامل شياع وغيره من رفاقه ومجايليه لانهم يملكون شجاعة العقل والقلب، وسددوا تظراتهم الى عيون الوحش الكاسر . 

ان ما يحدث في العراق هو الخطر الداهم، الذي سيأخذه الى الدمار والتهلكة، ولذلك فالمطلوب من كل المثقفين العراقيين بكل اتجاهاتهم العقائدية وتوجهاتهم الغكرية، اطلاق صرختهم بوجه الاغتيالات والتصفيات الجسدية، وضد قمع الأصوات الديمقراطية المطالبة بالحريات، والوقوف  صفاً واحداً في خندق وحدوي من اجل ابقاء كلمتهم، وصلابة موقفهم ضد فرق الموت الارهابية والسلسلة الجهنمية وقوى البطش والطغيان والموت، وأن يسري العمل بالقانون العراقي ضد القتلة والمجرمين وعصابات التكفير والارهاب الفكري، وقوى الشر والدمار والخراب .

( كاتب وناقد فلسطيني ) 




 
الاسم البريد الاكتروني