بغداد FM 1988: أغنيات ومعرفة موسيقية عبر الأثير العراقي

علي عبد الأمير*
من محاولات تميّزت بالجرأة، بدأ المشروع الإذاعي "بغداد FM " في الأول من تموز 1980، وعلى الرغم مما يكتنف أي خطوة أولى من احتمالات للتعثر، لكننا عرفنا تجسيداً للمشاريع الثقافية ذات الاتصال الواسع، وهذه المرة بمتغيرات من فهم للإنتاج الغربي من الموسيقى والأغنيات بالتحديد، ونحن بذلك لم نكتشف بدعة! فهناك مثل هذا النوع من البث الإذاعي المُقام على تقنية عالية في كثير من بلدان العالم ومنها ما يجاورنا ( الأردن والكويت ) على سبيل المثال .
لكن الجديد في تجربة هذا البث عندنا جاء من خلال الذائقة التي تحكم عمل الإذاعة والإنتقاء البالغ العناية لما يقدم من موسيقى وأغنيات، فجاءت الساعات الأولى من البث الصباحي والمسائي وهي تعلن عن تماس سليم مع الإنتاج الغنائي والموسيقي، غير ان هذه الإشارة لم تتواصل، فالإذاعة في الشهور التالية وبالذات في عام 1981 أصبحت مجرد إعادات وتكرار لركام غير محدد من الأغنيات، بل هو خليط من الجيد والرديء يُقدم في ساعات متواصلة دون تقطيع أو سمة برامجية ودون تعريف حتى بتلك الأسماء أو الظواهر الغنائية .

1983: ملامح المشروع الجميل
وتغيّرت الحال بطيئاً في عام 1982 فظهرت برامج كالتي تعنى برسائل المستمعين واختياراتهم الغنائية، أو التي تحاول أن تنقل الجديد في العلم والفن بتعليقات بسيطة تتخللها فقرات غنائية، وكان عام 1983 هو الإعلان الحقيقي عن ولادة هذا المشروع الجميل فجاءت البرامج المتعددة والطريفة والتي تحاول أن تتصل بالمتذوق المحلي أو الأجنبي وعبر توفير عامل إغناء مهم لتلك العلاقة ألا وهو المكتبة الموسيقية الحية التي تحرص على إقتناء الجديد والمهم من الموسيقى والأغنيات وتقديمها عبر برامج تُغني المادة بالإشارة الدقيقة والمعلومة الصحيحة أو التعليق المناسب .
هذا تم أما بتقديم أسطوانة كاملة وبأغنياتها العديدة ولفريق أو اسم غنائي ضمن برنامج واحد يتجدد تبعاً لموقع الأغنيات في لائحة الأغنيات الرائجة، أو بتقديم ساعة من الأغنيات الجديدة دون النظر لما تحققه من رواج تجاري، والمسيرة البرامجية لم تتوقف عند هذه الإتجاهات الثلاثة، فإستمعنا إلى برامج الموسيقى الكلاسيكية التي قدمت العديد من الأعمال المهمة وبشروح وتعليقات تاريخية ونقدية، كذلك قدم البرنامج ذاته وبجرأة تُحسب له عدداً من الأعمال الموسيقية المعاصرة المكتوبة خارج الأسلوب المقامي ( الموسيقى الإليكترونية ) ووفر برنامج "جلسة الجاز والبلوز" فرصة طيبة لمتذوقي هذا اللحن الرصين للتعرف على مبدعيه والإستمتاع بألحانهم، واُضيف لاحقاً برنامجاً يعنى بنمط آخر من الألحان ألا وهو "اللحن الريفي – الكانتري" واستمعنا الى الأغنيات القديمة والحديثة المكتوبة موسيقياً ضمن أسلوب اللحن الريفي المعروف بما يثيره من روحية شفافة وإيقاعات ناعمة . 

رسائل من كل مكان 
وكانت علاقة الإذاعة تتوطد مع المتذوق للألحان عبر البرنامج الذي سبق ذكره "رسائل من كل مكان"، فيما لم يتواصل للأسف برنامج "أفضل الأغنيات من اختيار مستمع"، وفكرة الأخير وتنفيذه تعطي حقاً صورة عن الجهد المبذول من قبل الإذاعة وانعكاسه عبر الإختيارات التي يقدمها المستمع وبالتالي يعني كم أثرت فيه الإذاعة وكيف بدأ يفهم الأغنية وموسيقاها، وإذا كانت المحاولة لإعادة تقديم البرنامج غير متوفرة، فالفرصة تبدو وبفائدة أشمل متوفرة لتقديم برنامج عن "أفضل الأغنيات الغربية تداولاً في بغداد" يقدم بشكل إسبوعي وتتنافس فيه الأغنيات بشكل دوري على مركز الصدارة. انها فكرة واعتقد ان في عائلة الـ FM  من الجهد الشاب والدؤوب مَن سينجز هذه الفكرة سيما ان هناك محاولات طيبة في تقديم البرنامج سابقاً ( قُدم في نهاية عام 1986 ) . ويبقى أن نشير لفوضى ساعات المنوعات التي ازدادت مع زيادة ساعات البث اليومي من 7 ساعات الى 12 أو 14 ساعة، فهي تضم أغنيات وفي حدود ساعة يختارها أسم من العاملين في الإذاعة ولكنها تأتي مكررة مما يبعث الملل ويؤدي الى إفقاد الأغنية حيويتها .
وإستجابة لضرورة أن تجد في هذه الإذاعة إنعكاساً لأحداث ثقافية محلية تعطي الأجنبي صورة عن طبيعة الحياة عندنا وإزدهار جانبها الروحي بالتحديد جاء البرنامج المخصص لغرض الأنشطة المحلية وبطريقة ذكية من التلميح والإشارة إضافة الى وجود أغنية محببة أو أكثر . ان هذا البرنامج "أحداث" من الممكن ان يوسع غايته في عرض النشاط الفكري المحلي عبر تقديم بعض من الأعمال الموسيقية المحلية وبالذات تلك المكتوبة بتوزيع موسيقي جيد وبأداء عزفي متميز يعطي الإنطباع المرجو عن نتاجنا الموسيقي والغنائي، كما ان البرنامج المسائي القصير ( دليل الـ FM ) يوفر سياحة لكل البرامج والأنشطة الفنية المقدمة من الإذاعة ذاتها او دور السينما والتلفزيون وفي إعادة بث البرنامج من الممكن ان نجد دليلاً يساعدنا على معرفة ما سنستمع اليه من أغنيات وكذلك للأجنبي كيف يقضي سهرته .
/site/photo/10238
                      من اليمن صباح هاشم أمين، علي عبد الأمير، مهند صالح داخل اذاعة بغداد أف أم

ان جهد السنوات الثماني تلك التي صارت عمر إذاعة "بغداد أف أم"، ليثمر في كل الساعات الكثيرة من المتعة والفائدة، متعة الموسيقى والأغنيات وما يمنحه عالمهما من توسيع للأذهان والمدارك فثمة اللغة والأنماط الموسيقية والأجواء التي تحاول دائماً ان تعبر عن حالة إنسانية، وهذه الميزة أكدتها الإختيارات لما يقدم من ألحان فإبتعدت الإذاعة عن تلك النماذج الرخيصة والتي تستهلك الذوق ولا تدعمه . والإذاعة بتوفيرها الأغنيات التي تعنى بالإحساس وتزيد من لمساته عند المتذوق تكون قد أبعدته عن تأثيرات الإذاعة الأجنبية حين يكون محباً لأغنياتها والتي تقدمها دائماً وسط أجواء فكرتها الدعائية الخاصة، انها رفقة مع الأغنيات واللحن الجميل، صداقة مع مشاعر روحية مرهفة وكل ذلك عبر جهد مجموعة شابة فهناك الزميل د. مهيمن نوري جميل الذي يقدم موازنة رائعة بين عمله كطبيب ومتذوق متميز للأغنيات، وعبر برامجه الثلاثة "نقطة ضوء على مجموعة غنائية"، "أفضل أغنيات العام"، "أغنيات قديمة"، ويرافقه على لوحة الإخراج المهندس صباح هاشم أمين الذي يختار هو الآخر ساعات من الأغنيات هي تنويعة طيبة من الأحاسيس، ولا بد من ذكر تلك اللمسات القوية التي تركها في الإذاعة وطبع من ذائقته عدداً من برامجها، الكابتن الطيار ( رعد دراز ) الذي انشغل عن مواصلة تقديم أعماله لسفره الدائم. هذه المجموعة الناشطة والتي تضع مدخلها الى الأغنيات والموسيقى عبر التذوق الشخصي والمحبة الوفيرة للعمل . 
مبارك لهذه الإذاعة الفتية عيد تأسيسها الثامن ولعل فصول تالية من المشاعر الإنسانية التي تمنحها الموسيقى والأغنيات نتمنى ان نلتقيها والإذاعة بأفضل حال .


*نشرت في صحيفة "القادسية" بغداد 30-6-1988     




 
الاسم البريد الاكتروني