مكانة المرأة الإنسان في المجتمع العربي 4

نعمان عبد الغني
المـبحـث الثّـالث : المـرأة الّتـي نـريـد : 

ما نريده للمرأة ليس العودة إلى الوراء، لأنّ العقل السليم يأبى ذلك، ولأن سنة التطورفي الحياة هي الأخرى تأبى ذلك أيضا. إنّما الذي نريده هوّ تصحيح لخطّ التّوجّه، بما يتناسب وخصوصيتها ومع ذاتيّتنا الثّقافيّة وسلّم قيّمنا ومع الموقع المحوري الذي يجب أن تحتله في المجتمع، ثمّ المضيّ قدما إلى الأمام في تفعيل قدرات المرأة و تجذير موقعها المركزي في المجتمع. إنّ الذي نريده للمرأة، كما للرّجل، ليس هوّ تحرير الغرائز و سلطان الشّهوات، و لا تحرير مظهري قشري، و إنّما الذي نريده هو تحرير حقيقي للعقول و المواهب و القدرات. و ما نريده للمرأة، كما للرجل ليست حداثة مستوردة تضرر منها أصحابها، و إنما حداثة ذاتية أصيلة مراعية لقيمنا و لخصوصياتنا الثقافية و الحضارية. 

أول ما نريد التنبيه إليه على هذا المستوى هو أننا لا نعتبر وضع المرأة الغربية مثالا لنا يجب أن نجعله هدفا لنا. ذلك لأنها حتى إذا كانت وضعيتها قد أصبحت مثلى أو حتى مرضية بالنسبة لأهلها، فهي ليست كذلك بالنسبة إلينا و إلى محيطنا وطبيعة مجتمعنا، وتبقى دائما ضعفية غريبة عن محيطنا و ذاتيتنا. ولسنا نحسب أن التوجه الغربي هو الذي يمكن أن يشد انتباهنا في هذه المسألة. بل نحن نرى كدارسين أن وضعية المرأة في الغرب، رغم ما حققته من مكاسب عدة ليست غائبة عنا، قد انحرفت منذ أمد بعيد. فإذا كانت المرأة الغربية قد حققت مكاسب عدة على بعض المستويات، خاصة منها مستوى الحياة العامة، فقد وقعت في سلبيات عدة قيمية حولتها إلى عامل و بضاعة متعة تباع و تشترى، و عامل إنتاج و كسب للثروة أكثر من الرجل، و أفقدتها إلى حد بعيد خصوصيتها كضامنة لتواصل النوع البشري. 

وقد أصبحت وضعية المرأة الغربية محطة، حتى من المنظور الغربي نفسه، من أكثر من جانب. وهي في حاجة ملحة للعلاج العميق، قبل أن ينظر إليها كمثال وهو ما جعل العديد من الجمعيات النسوية و العديد من التيارات الفكرية تنهض للدفاع عن الحقوق المسلوبة للمرأة و عن كرامتها المهدورة كإنسان مكرم. و لا يفوتنا أن نلاحظ بالمناسبة أن النظم الماركسية قد حققت تقدما ملحوظا في مجال المساواة بين المرأة و الرجل. إلا أن هذه النظم كما هو معلوم لا تولي أي اعتبار لسلم القيم الإنسانية التي يجب أن تحكم العلاقة الرابطة بين المرأة و الرجل. 

وبسقوط تلك النظم في الإتحاد السوفياتي سابقا وفي دول أوروبا الشرقية انتكست وضعية المرأة في عديد المجالات. وتسببت صعوبة التحول إلى الرأسمالية و تفشي البطالة و الفوضى والفقر لشرائح واسعة جدا من النساء في تلك البلدان إلى الوقوع في آتون الرذيلة و في ما يشبه وضعية الرق. ونحن واعون في نفس الوقت بأن النظام البورقيبي، ثم النظام الذي خلفه، وقع في خطإ النظر إلى أنموذج المرأة الغربية كمثال يجب السعي إلى تحقيقه في بلادنا، حاذفين منه العديد من إيجابياته ومحافظين على كل سلبياته و مضيفين إليها العديد من السلبيات التي عليها وضعية المرأة في مجتمعنا التونسي. 

إن النخبة العلمانية المتأثرة بالغرب، تريد تحرير المرأة من الجهل وعادات و تقاليد عصور الإنحطاط، وهذا شيء جيد نتفق معهم فيه، إلا أنهم يريدون تحريرها في نفس الوقت من كل القيم المتعلقة بديننا وثقافتنا، و من مفهوم الحسن و القبيح المتعارف عليه في مجتمعنا، و من مفهوم الحلال و الحرام. إنهم يريدونها امرأة محررة في مظهرها و غرائزها و مستعبدة في ذاتها و كرامتها. و هذا شيء لا يمكن أن نتفق معهم فيه. فإذا كانت المرأة في الوطن العربي قد بدأت تتخلص تدريجيا من سلبيات العادات و التقاليد السيئة و من عقلية الجهل و التخلف و المفاهيم الخاطئة للدين فإنها بدأت تتحول إلى ضحية لنوع جديد من المظالم تسلط عليها تحت غطاء من الحداثة و التقدم و العصرنة. و ما نراه نحن مناسبا لوضعية المرأة المعاصرة و منسجما مع طبيعة محيطنا الثقافي و الحضاري و القيم الإنسانية السامية الأساسية، يمكن أن نلخصه في النقاط التالية : 

أولا ـ مسؤولية المرأة نفسها في النهوض بوضعيتها : 

المرأة هي المسؤول الأول على النهوض بوضعيتها و اكتساب حقوقها و استحقاق موقعها الهام الذي تستحقه في المجتمع. ومما يعينها على تحقيق ذلك هي واقعيتها. فالمرأة يجب عليها بذل الجهد لتكون واقعية، بعيدة عن الخيال والمثالية. ومن أول المقومات بواقعيتها هو أن تكون واعية بخصوصيتها في ضمانة تواصل النوع البشري، فلا ترفضها ولا تتملص منها وإنما تحاول تنظيمها و التفاعل معها بحكمة، لأن رفضها أوالهروب منها هو أمر منافيا للواقعية و لطبيعة الأشياء. كما يجب من جهة أخرى أن تحذر من تسلبها هذه الخصوصية حقوقها و طموحاتها المشروعة، كلها أو بعض منها، بتراخ منها أو بتأثير من الرجل عليها. 

والتطرف إلى هذا الجانب أو إلى ذاك في هذه المسألة لا يخدم مصلحتها و لا مصلحة المجتمع الذي تنتمي إليه ولا مصلحة الإنسانية عموما. و من الواقعية التي يجب أن تتحلى بها المرأة أيضا أن تكون واعية بطبيعة محيطها محترمة إياها غير رافضة لها متحدية إياها. لأن التحدي لا يولد إلا التحدي و التطرف في المواقف لا يولد إلا التطرف. و حتى إذا كانت طبيعة المجتمع تتصف بشيء من الركود و الجمود و التخلف، فتطويرها لا يمكن أن يحصل بالكسر و التحدي، و إنما بالحوار الجماعي والإبداع في الإنتاج الفكري و التفاعل الإيجابي. 

فتجاهل المرأة لطبيعة محيطها و تمسكها بأفكار و شعارات و ممارسات واردة غريبة عن المجتمع لا يعينها على النهوض بوضعيتها على أسس ذاتية متينة و لا يجذر في المجتمع إلا التوتر والإهتزاز والتشرذم، و لنا في الإنتشار الرهيب لظاهرة الطلاق و اهتزاز أركان العائلة في الوطن العربي خير دليل. و من واقعية المرأة أيضا أن تكون مسؤولة بمعنى أن لا تراعي في مواقفها وخياراتها مصلحتها الفردية القريبة فحسب، مهملة لمصلحتها البعيدة و لمصلحة من حولها من أبناء وزوج و عائلة وأقارب ولمصلحة المجتمع عموما. فإذا كانت العقلنة و التريث في المواقف مطلوبة من الإنسان عموما فإنها من المرأة الإنسان أشد إلحاحا ذلك لما هي مخصوصة به، أكثر من الرجل، من عاطفة مفرطة و مضرة بها و بمواقفها في بعض الأحيان. 

والمرأة مسؤولة على الفوز بحقوقها و افتكاكها عن جدارة واقتدار لموقعها المرموق في المجتمع بما هي مطالبة بالتعبير عنه عن جدية و اقتدار. فهذا الموقع سوف لن يهدى لها من طرف الرجل، لأن المواقع لا تهدى حتى بين الرجال و إنما تفتك، وإنما يجب أن تفتكه بما هي قادرة عن التعبير عنه من كفاءة و اقتدار و جدية، و ليس عن قوة في الإغراء، لأن ذلك ليس في مصلحتها. وهنا يجب أن تذلل العوائق أمامها لتتمكن من اكتشاف مواهبها و تهيئة قدراتها، و ذلك بالتعليم و التكوين من ناحية، وبوضع التشريعات المنصفة لها من ناحية ثانية. كما هو مطلوب منها أن تحذر من الوقوع في ما وقعت فيه المرأة الغربية لما نجحت الرأسمالية وحب تكديس الثروة في تحويلها إلى وسيلة لإغراء الرجال ومادة للمتعة و التسلية، وهو ما يحط من قيمتها وكرامتها كإنسان. 

كذلك من مسؤولية المرأة في النهوض بوضعيتها في المجتمع العربي أن توسع من حلقة التحسيس بقضيتها بكوين المزيد من الجمعيات النسائية ذات الإهتمامات المتنوعة في المجتمع. وأن تعتمد ذلك كوسيلة في النضال السلمي من أجل الحصول حقوقها و موقعها في المجتمع و كإطار لتوسيع رقعة الحوار الوطني الهادئ حول النهوض بوضعيتها. كما يمكنها أن تعتمد ذلك كمخبر ميداني للتعبير عن كفاءاتها و قدراتها التي يحتاجها المجتمع وتساهم في النهوض به. و المرأة لا يمكنها أن تجذر موقعها في الهرم المجتمعي و تفرض نفسها في مختلف المؤسسات في البلاد و في كل مواقع الحياة العامة السياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية ما لم تنج في فرض نفسها على ساحة المجتمع المدني و ما يدربها عليه من نضال وما يعرفها به من آليات التحرك والتفاعل بين مختلف المؤسسات و الأطراف في المجتمع. 

فعلى المرأة أن تأخذ المبادرة لإيجاد واقع مجتمعي تساهم فيه بحصتها كاملة، ولا تنتظر غيرها أن يدعوها لذلك. 

ثـانـيـا ـ خصوصية المرأة بالمقارنة مع الرجل : 

ليس هناك اختلاف بين الرجل و المرأة على مستوى الجوهر، أي على مستوى الذهن و التكليف و المسؤولية و التكريم. إنما هناك خصوصيات، و من أهمها خصوصية الحمل و الوضع و الرضاعة والحضانة التي تختص بها المرأة على الرجل. وهذه الخصوصية هامة جدا، تزيد من قيمة المرأة بالنسبة للرجل، من حيث أنها تضمن تواصل النوع البشري و سلامته وتوازنه. وهذه الخصوصية هي قيمة إضافية لصالح المرأة لا تقلل من بقية حقوقها و واجباتها. 

فلا يحق للرجل أن يعتبرها مخلوقة لذلك فقط فيعتدي عليها و يحرمها من بقية الوظائف و الإهتمامات. ولا يحق لها هي أن تزهد في هذه الخصوصية و تتركها، كما بدأ يظهر ذلك في سلوك المرأة الغربية أو المتغربة، معتبرة إياها مكبلة لها ومانعتها من بقية الإهتمامات و المناشط و التكليفات في الحياة. والتفريط في هذه الخصوصية هو من الأنانية وتفريط في مبدإ الحياة جملة. و قبل أن تفكر المرأة في التفريط في هذه الخصوصية لا بد لها أن تتذكر أنها بنت لامرأة كانت قد ولدتها من قبل، وإذا رفضت أن تلد هي فمعنى ذلك أنها رفضت تواصل الحياة و تواصل النوع البشري فيها. 

إن هذه الخصوصية التي تختص بها المرأة، والتي تجعلها غير مسؤولة على نفسها فحسب وإنما أيضا على أطفالها، أي على الأجيال و تواصل النسل و النوع البشري على سطح هذه المعمورة، يمكنها من حقوق ملحة للغاية باعتبارها مؤتمنة على هذه المهمة الأساسية في المجتمع التي تتجاوز قيمتها قيمة كل المهمات الأخرى من مثل مهمة إيجاد الإبداع العلمي والفكري والمعرفي عموما ومهمة إنتاج الثروات و غيرها من المهام الأخرى. و من هذه الحقوق نذكر حق الرعاية الصحية الدقيقة طيلة فترة الحمل وعند الوضع و ما قد يترتب عليه من مفاجآت و بعد الوضع لها و لمولودها. 

و من تلك الحقوق نذكر أيضا حق التعطيل عن العمل لوقت مناسب، إن كانت امرأة عاملة، حتى تتفرغ للوضع ثم للعناية بالمولود. أما إن كانت ربة بيت ليس لها شغل خارجه فيجب أن تسند لها منحة الوضع و الرضاعة. كما أن خصوصيتها تلك لا تجعل منها مجرد حاملة و والدة و مرضعة فحسب، و إنما تجعل منها أيضا مربية. فالأم هي المدرسة الأولى، فمن حقها على الدولة إذن أن تمكنها من التكوين العلمي و المعرفي و التربوي الذي يجعل منها مربية ناجحة تضع الأساس المتين لتخريج أجيالا صالحة متفوقة و مبدعة. 

وهذه الخصوصية التي تختص بها المرأة رغم أهميتها الكبرى فإنها لا تستغرق لها من حياتها إلا وقتا محدودا، وهو ما يمكنها من النهوض للمشاركة في بقية المناشط الأخرى للحياة، مثلها مثل الرجل، في خارج تلك الأوقات. وهو ما يجعل مقولة إن المرأة للبيت و كل مشاغله و الرجل لكل المشاغل خارجه مقولة اعتباطية ليس لها دليل من شرع و لا من عقل. فالمرأة يمكنها أن تضمن تواصل النوع البشري و أن تساهم من جانبها في متطلبات الحياة العامة على جميع المستويات دون أي تناقض ولا خلل. 

ثـالـثـا ـ التــعلــيم : 

إن أول عامل لتحرير الإنسان عموما، و المرأة بشكل خاص، هو التعليم و تحرير العقول. فليس هناك شيء يتميز بالقوة الفائقة شبه السحرية لتمليك الإنسان، امرأة كانت أو رجل، خير من العلم و تنوير العقول بأنواره، و تحريرها من عقدة الجهل وظلماته. وقد قطع إلى حد الآن في هذا المجال في تونس شوط لا بأس به، إلا أن ذلك بقي منقوصا من عدة جوانب. فهو منقوص من جهة التعميم، فمسألة التربية و التعليم لم تتعمم بعد. وهو من جانب المرأة أقل تعميم مما هي عليه من جانب الرجل ويعود ذلك إلى عديد الأسباب سبق أن تعرضنا لبعضها. والمسألة تتطلب منا مستقبلا مزيدا من العناية، و وضع كل التراتيب الضرورية من أجل تحقيق التعميم الفعلي للتربية و التعليم بين كل أفراد المجتمع، وخاصة من جانب المرأة. كما نقصد بتعميم التربية و التعليم الإستمرار في المدرسة و الدراسة إلى مستوى يستحيل التردي معه من جديد في الأمية المطلقة، أو حتى النسبية، بعد مدة طالت أو قصرت من الإنقطاع عن الدراسة. 

كما نعول على التربية و التعليم لتحرير قدرات المرأة و تمكينها من كرامتها ومن أن تمسك مصيرها بيدها، بشكل يقطع مع التقليد و التبعية للغير، خاصة بعد ما بان فساد مثاله ووقع بالحجة و الدليل و بما لا يدع الشك في الانحراف و الضياع، ويراعي خصوصيات ذاتيتنا الثقافية والحضارية. فنحن ممن يعتبر أن القيم الإنسانية السامية والثوابت الخلقية، و الإلتزام بالآداب الإسلامية في التعامل عموما و في تحديد طبيعة علاقة المرأة بالرجل هو من شروط التقدم، ثم هو التقدم، ومن شروط المحافظة على التقدم وعدم الوقوع في منحدرات الإنحراف والإنهيار. 

و شعب يعيش حسب أهوائه و رغباته و ميولاته، و ليست له ثوابت خلقية و لاقيم إنسانية سامية تعصمه هو شعب مراهق، مهدد دائما بالإنحراف و الإنزلاق في منحدرات الفساد و التخلف. و إن كان هذا المثال الذي نقدمه هو أشق على الغرائز و النفوس الضعيفة إلا أنه هو الطريق الأضمن و الأمثل لتحقيق التقدم و الرقي و المحافظة عليها. و لا ننسى أن ثقافة شعبنا هي ثقافة مادية و روحية، دنياوية و أخراوية، وهي ثقافة تحتل فيها مسألة الحلال و الحرام مكانة هامة و مرموقة. و نرى أنه من واجب أي نظام سياسي صالح يؤمن إيمانا صحيحا بالديمقراطية، و يرى أنه متى بلغ السلطة يجب أن يكون خادما وفيا للشعب، يجب عيه أن يحترم المثل و القيم و العقيدة التي يؤمن بها الشعب. 

ولسنا نرى تحقيق ذلك ممكنا إلا عبر اعتماد برامج تعليمية وتربوية متمشية مع ذلك، مثلما ذكرنا ذلك بشيء من التوسع في فصل إصلاح النظام التربوي و التعليمي، و ليست برامج متنكرة لذلك تمام التنكر مثل البرامج التي اعتمدت إلى حد الآن في تونس، و خاصة منها تلك البرامج الإنتقامية التحطيمية التي وضعها عن قصد و سابقية إضمار السيد محمد الشرفي. ذلك لأن البرامج التعليمية و التربوية المعتمدة ليست سوى صورة للمجتمع الذي يراد تكوينه. و بما أن السيد محمد الشرفي لا يستحضر في ذهنه إلا المجتمع الغربي ولا يحلم للشعب التونسي إلا أن يصبح مثله فقد وضع برامج متناسبة مع ذلك متناقضة مع هوية شعبنا وطبيعته الثقافية والحضارية. و نعتبر هذا التصرف الأخرق ضربا من ضروب الخيانة للشعب و لهويته. ونحن لا نحاسب السيد محمد الشرفي على أفكاره وقناعاته و تصوراته الخاصة، فهو حر أن تكون له الأفكار والتصورات والقناعات والأعمال الشخصية التي يريد. إنما الذي نؤاخذه عليه هو فرضه ذلك على الشعب، وهذا ضرب من ضروب الخيانة والدكتاتورية. 

و نرى تعليم المرأة و الترقي بها إلى أعلى مستويات المعرفة و تنوير عقلها وتحرير قدراتها، هو أفضل سبيل لتحريرها و تمكينها من مسك مصيرها بيدها، و هذا أرقى في ذلك من سن القوانين لصالحها. لأن المرأة متى تعلمت تعليما معمقا غدت واعية من ذاتها بحقيقة موقعها ودورها في المجتمع وبحقوقها و واجباتها و بمصالحها، وفي نفس الوقت بالأشكال المناسبة للنضال من أجلها. أما القوانين فمهما كانت قد سنت لصالحها فذلك لا يمنع أنها ليست بيدها و لا هي من ذاتها وإنما هي خارجة عنها، وقد تطبق التطبيق الحسن لصالحها و قد يقع لأي سبب من الأسباب تعطيلها. فعملية التربية والتعليم والتثقيف هي الوسيلة المثلى لتحرير الإنسان، امرأة كانت أم رجلا. و المشكلة هنا تكمن في القدرة على تجاوز العوائق أمام تعليم المرأة والترقي بها إلى أعلى المستويات. كيف يمكن تذليل بقايا عقبات العادات والتقاليد السيئة والتخلف، وكذلك عوائق الفقر وعوائق الفهم الخاطئ للدين وعوائق الزواج المبكر و غير ذلك من العوائق التي عطلت كثيرا ولا تزال تعطل تعميم تعليم المرأة. 

ومما ننتظره من وراء تعميم تعليم وتربية المرأة، على أساس برامج معقلنة و مكونة للعقلية النقدية المبدعة، و متمشية مع طبيعة هويتنا الثقافية و الحضارية و مع كل الثوابت الخلقية و القيم الإنسانية السامية، هو تخريج أجيال من النساء ومن الرجال مستنيرين و متحفزين للعمل الصالح و للإبداع في كل المجالات الحيوية في حياة المجتمع، وفي نفس الوقت متمسكين بالثوابت الخلقية التي تعين على سلامة المجتمع و توازنه. أننا نطمح إلى أن نرى المرأة في بلادنا تغزو عن جدارة، مثلها مثل الرجل، كل المواقع الحساسة و الحيوية في المجتمع، في مخابر البحث العلمي و في أعلى مقاعد الجامعات وبين المحامين والقضاة والأطباء ورؤساء الشركات الكبرى وفي البرلمان وفي قصر الحكومة وفي قصر الجمهورية متى حظيت بثقة الشعب لذلك ، إلا أنها في نفس الوقت يجب تبقى امرأة عفيفة مستقيمة وزوجة صالحة وفية وأما حاضنة لأبنائها حريصة على تربيتهم، وعمادا للعائلة ومحافظة عليها وعلى لحمة المجتمع وتوازنه، بصفتها خليته الأولى. 

إننا نريد للمرأة تحريرا يرتقي بها في سلم إنسانيتها و سلم القيم والمثل السامية، ويفيد المجتمع من طاقاتها وقدراتها ومواهبها في شتى المجالات، و ليس تحريرا يحط من شأنها و من كرامتها، و يجعل منها بضاعة للمتعة المبتذلة تباع و تشترى كبقية البضائع في الشوارع و على قارعة الطريق. إننا نريده تحريرا لا يهدد تربية الناشئة و توازنها النفسي و العاطفي. ذلك لأن تربية الناشئة و السهر على توازنها هو هدف أساسي في مجتمع هدفه الأول هو الإنسان، و كل بقية أهدافه تصب في مصلحة هذا الإنسان، و تحقيق سعادته و ترقيه في سلم إنسانيته. 

أما المجتمعات الغربية التي تغري العديد من أبناء جلدتنا، فهي مع الأسف الشديد لا تجعل من الإنسان هدفها الأول، إنما تركت هذا الشرف للمادة و لتكديس الثروة. فالإنسان في نظرها و في واقعها اليومي هو وسيلة للإنتاج و لتكديس الثروة. كما أن سعادة الإنسان في نظرها هي سعادة، فضلا على أنها سعادة فردية أنانية، فإنها من جانب آخر سعادة منقوصة و وهمية لأنها لا تراعي إلا جوانب محدودة من الإنسان، و ليس الإنسان ككل مادة و روح، وهي سعادة عابرة وهمية لأنها لا تراعي إلا اللحظة التي يمر بها الإنسان، و لا تراعي الإنسان في مصدره و في حياته كلها مع التوقف على فهم مدلولها و الهدف من ورائها و في مآله بعد موته. و كل هذه و غيرها معاني هامة و غزيرة نختلف فيها مع المجتمعات الغربية و الثقافة التي تحكمها و تعيش على ضوئها. وفضلا عن الإختلاف الكبير الذي يفصل طبيعة ثقافتنا ومجتمعنا وطبيعة الثقافات و المجتمعات الغربية، فإن هذه المجتمعات الأخيرة اعترفت منذ زمان بفشلها في مجال الإنسانيات و بتفككها على الجميع الأصعدة. و يكفينا هذا في الواقع لكي لا نأخذ من هذه المجتمعات مثالا نتبعه. 

رابـعـا ـ الإصـلاح التـشريعـي : 

كما سبق أن ذكرنا في هذا الفصل، إن التشريع المتعلق بالمرأة سن بشيء من التشنج و ردة الفعل المفتعلة. و قد آن الأوان اليوم لمراجعة هذا التشريع و تنقيته مما فيه من تشنج و عقلنته. فالتشريعات المتعلقة بالمرأة يجب أن تطور في اتجاه مساواتها بالرجل و القضاء على التمييز إلا في المسائل القليلة الثابتة التي ميز فيها الشرع بينها و بين الرجل من مثل الإرث والشهادة في العقود. أما المساواة فيجب أن تحصل في مجال التربية والتعليم، وفي مجال العمل و الأجور، و في المجال السياسي وحق الإختيار للمسؤول وتحمل ا�



 
الاسم البريد الاكتروني