مكانة المرأة الإنسان في المجتمع العربي 3

نعمان عبد الغني

لقد اعتمد النّظام العربي في إصلاحه لوضعيّة المرأة الوسائل التّاليّة : 

أ وّلا ـ التعليم : 

إنّ أهمّ إنجاز، بدون منازع، هوّ تعميم التعليم، و ذلك رغم ما شابه من نقائص و محدوديّة، فهو لم يكن تعميما كاملا للتعليم بكلّ ما تعنيه العبارة من معنى، كما أنّ برامجه لم تكن بالمستوى المرجوّ و عانت من نقائص عدّة منذ انطلاقتها إلى حدّ الآن. لكن رغم ذلك فإنّ ما حصل في الوطن العربي في المجال التعليمي يعتبر إنجازا. و إذا كان العلم يعتبر، منذ القديم، نورا و الجهل ظلمات، فإنّ العلم أيضا، كان و لا يزال، عتقا و الجهل سجنا. أمّا في هذا العصر فيضاف إلى ذلك أنّ العلم غدا تقدّما و ثراء، و الجهل غدا أيضا تخلّفا و انحطاطا و فقرا. ان الوطن لا يملك من الثّروات المحوّلة وعوامل الانتاج إلاّ القليل المتواضع، لا يمكنه أن ينهض و يتحوّل إلى بلد غنيّ متقدّم إلاّ عن طريق العلم و التّعلّم والمراهنة عليهما والتضحيّة بكلّ الطّاقات من أجل كسبهما. فإن كان الشعب الجاهل حملا مرهقا فإنّ الشعب المتعلّم والمفتّق الطّاقات هوّ محرّكا قويّا نحو التّقدّم والرّقيّ وكلّ الخيرات. 

أمّا بالنسبة للمرأة، فقد مكّنها تعميم التّعليم، و لو جزئيّا بقدر استفادتها منه، من تنوير ذهنها و تفتيق طاقاتها و قدراتها التّي كانت بالأمس مجمّدة، مثلها في ذلك مثل الرّجل، و من توعيّتها بدورها في المجتمع و في الحياة عموما، ومن الشّعور بقيمتها وبثقتها في نفسها، كما وعّاها بحقوقها و بكونها شريكة للرّجل، ليس فقط في تحمّل أعباء الحياة العائليّة، و إنّما أيضا هيّ شريكة له في عمليّة النّهوض بالمجتمع نحو التّقدّم و الرّقيّ. إذن فالمرأة، في البيت كما في المجتمع عضو فاعل و شريك، مثلها مثل الرّجل، وليست خادمة تابعة له. و لم يحصل الوعي بهذه المسائل بمجرّد اتّخاذ القرارات و وضع القوانين، و إنّما حصل بالأساس بالتربيّة والتعليم. 

وتجربة تعميم التعليم ساهمت في تحسين وضعيّة المرأة و لم تعالجها علاجا كاملا. ذلك لأنّه لم يكن، بالنسبة لها، كذلك إلآّ نظريّا. أمّا على مستوى الواقع فهناك عديد العوائق، التي سنتطرّق لها لاحقا، قد حالت دون تعميم التعليم، وذلك خاصّة بالنسبة للمرأة. و يعود ذلك، كما ذكرنا إلى عديد الإعتبارات، منها قوى التّزمّت والإنغلاق والجذب إلى الخلف، في البوادي و الأرياف وحتّى على أحزمة الفقر في المدن الكبرى التّي حالت دون التحاق العديد من الفتيات بالمدارس. كذلك الفقر و الأوضاع المزريّة التّي كانت تعيشها نسبة مرتفعة من العائلات حالت دون استمرار أعدادا كبيرة من الفتيات في مواصلة دراستهنّ وأجبرن على الانقطاع المبكّر عن الدّرا سة. 

كذلك، من تلك الاعتبارات قلّة المدارس المتوفّرة وبعد الموجودة منها عن مواقع السّكن، في الأرياف خاصّة، ترك العديد من الأهالي يمتنعون على إرسال بناتهنّ إلى المدارس خوفا عليهنّ من مفاخآت الطّريق غير الآمنة. ويمكننا القول إنّ المجتمع التّونسي، خاصّة في الفترة الأولى التّي تلت الإستقلال لم يكن، من أكثر من وجه، مهيّأ لتحقيق شعار تعميم التعليم كاملا غير منقوص. 

على هذا الأساس فنحن نعتبر شعار تعميم التعليم لم يتحقّق بعد في الوطن العربي، و لا يزال قائما ينتظر التحقيق. و ما لم يطبّق تطبيقا كاملا و صحيحا فإنّ فوائده تبقى منقوصة. و نعني بالتطبيق الكامل أن يشمل كلّ الأطفال و الشّباب في سنّ التعليم، ذكورا وإيناثا، في كلّ مكان في تونس، في الأرياف و البوادي، و القرى والمدن بدون استثناء. ونعني بالتطبيق الصّحيح، مساعدة كلّ أولئك أن يتقدّموا شوطا مناسبا في مواصلة تعليمهم، يقطعون بواسطته نهائيّا مع الأميّة و يربطون به مع القراءة و الكتابة بدون حدّ و لا صعوبة، و مع الفهم و القدرة على النّقد. هذا في الحدّ الأدنى، على أن توضع كلّ التسهيلات لتمكين أكبر عدد ممكن من الجنسين، على السّواء، من مواصلة دراستهم إلى أعلى المستويات. و ذلك إذا توفّرت لهم المواهب و القدرات الذهنيّة التي تمكّنهم من ذلك. 

وهكذا فنحن نعتبر تعميم التعليم، كمّا و كيفا، وسيلة أساسيّة لا يمكن التهوين من قيمتها و لا التقصير في تحقيقها، ومن أجل تفتيق المواهب و القدرات و تحرير الطّاقات البشريّة الهائلة، و خاصّة منها تلك الكامنة لدى المرأة، و كذلك من أجل تحقيق نهضة البلاد و تقدّمها ماديّا و معنويّا. ذلك لأ نّه لا يمكن لتونس أن تتحوّل إلى صفّ الدّول المتقدّمة و المتحضّرة ما لم تقضي قضاء مبرما على الجهل و الجمود و تقبل جماعيّا على التعليم و التربيّة و حبّ التّرقّي في سلّم المعرفة وكسب العلم والخبرات والمهارات. 

وقد مثّل تعليم المرأة، و النّهوض بها معرفياّ و تنوير ذهنها و تحرير طاقاتها و قدراتها الهائلة، الخطوة الأساسيّة الأولى التي فتحت أمامها الباب لتعي بحقوقها و بمكانتها المركزيّة في المجتمع و بضرورة أن تكون عضوا فاعلا فيه، ناهضا لتحقيق أهدافه، مثلها مثل الرّجل. 

ثـانيّـا ـ التشـريـع : 

لم يكن دور التعليم والتربيّة ثانويّا في موضوع تحرير المرأة والنّهوض بها وتنوير ذهنها وتوسيع وعيها وتحرير قدراتها و طاقاتها و تقويّة مكانتها في المجتمع، بل على العكس كان أساسياو فعّالا. إلاّ أنّ النظام العربي لم يكتف بذلك في مشروعه النّسوي. وإنّما عضّده بثورة تشريعـيّة في هذه المسألة، من خلال مجلّة الأحوال الشخصيّة الجديدة التّي وضعها. 

ثـالثـا ـ تشريك المرأة إلى جانب الـرجل فـي المـعترك اليـومي للحياة : 

بقيت المرأة العربية، خارجة تماما عن كلّ مجالات الحياة اليوميّة العامّة للمجتمع، من إقتصاديّة واجتماعيّة و ثـقافيّة و خاصّة سياسية. و بقيت رغم أنفها متـفـرّغة لخدمة الحياة العائليّة الخاصّة في البيت و معاونة الرّجل في العمل الفلاحيّ في الحقل. أمّا ترتيب الحياة العامّة للمجتمع من كلّ جوانبها و على كلّ مستوياتها فحرمت منه، و بقي من شأن الرّجل وحده. و هكذا فقد حرم المجتمع أنذاك، في تسيير شؤونه و تحقيق تنميّته و تقدّمه، من مجهود و طاقات نصف أعضائه. 

أمّا بعد ، و نتيجة لما اكتسبته المرأة تدريجيّا من معرفة و علم و تكوين في العديد من الفنون و مجالات، تنوّر بها ذهنها و تحرّرت بها طاقاتها ومواهبها، و شعرت بواسطتها بقيمتها في المجتع، التّي لا يمكن في الحالة الطّبيعيّة أن تختلف عن قيمة الرّجل. و كذلك نتيجة للثورة التّشريعيّة التّي وضعت حدّا المظالم التيّ كانت مسلّطة عليها، خلال عصور الإنحطاط، وضمنت لها حقوقها و بيّنت لها واجباتها. ثمّ أيضا نتيجة للإرادة السّياسية القائمة، التّي شجّعتها كثيرا على اقتحام مجلات الحياة العامّة والمشاركة، إلى جانب الرّجل، في المعترك العملي اليومي للمجتمع. 

لقد حاولت المرأة العربية، نتيجة ما ذكرنا من اعتبارات و تشجيعات، التوفيق بين العناية بشؤون عائلتها وبيتها والخروج إلى ساحة المجتمع لتشارك، إلى جانب الرّجل، في معترك الحياة العامّة، فتقلّدت مختلف المهامّ و الوظائف حسب قدراتها وكفاءاتها. وقد تحوّلت المرأة العربية بذلك من موقع الإهمال والتهميش والتغييب و التّبعيّة للرّجل إلى مستوى المرأة الإنسانة المكرّمة و المسؤولة على أعمالها و مصيرها و المساهمة من موقعها في تحقيق الأهداف الكبرى للمجتمع. وقد أصبحت بذلك عضوا فاعلا و شريكا للرّجل بعد أن كانت، لقرون طويلة، كائنا مهمّشا تابعا له. 

ورغم أنّ ما حقّقته المرأة، في الوطن العربي، من انعتاق و تحرّر و كرامة و اعتبار، ليس له ما يعادله في بقيّة البلاد العربيّة، فإنّ هذا الإنجاز بقي منقوصا، يشكو من عديد السلبيّات و التي نذكر من بينها ما يلي : 

أوّلا ـ عائـق الجهل و التـّخـلّف و الفقر : 

إنّ الأعمال التغييريّة و الثورات الإصلاحية، مهما كانت جدّيتها و شدّة الحاجة لها، فإنّها لا تستطيع أن تحصل بسهولة في المجتمعات التقليديّة المنغلقة. و غالبا ما تصطدم بالمعارضة و الرفض من قبل قوى الجمود و التقليد في تلك المجتمعات. أي أنّه بقدر ما تكون في المجتمع قوى لصالح ذلك التغيير ناهضة له و مصمّمة عليه، بقدر ما تبقى فيه قوى رافضة له، ناشطة، عن وعي أو عن غير وعي، في منعه أو على الأقـلّ، في تعطيله. ولا يخفى علينا ما كان يعيش عليه المجتمع العربي، من جهل مطبق و من تخلّف رهيب ومن جمود وتشبّث بالعادات و التّقاليد الصّالحة منها والفاسدة على السّواء. 

وقد ترك ذلك الوضع السيئ، الذّي كان يعيش عليه المجتمع العربي، شريحة واسعة من الشعب، خاصّة في أعماق البوادي والأرياف و القرى، تتمسّك بما هوّ موجود، في ذلك الوقت، تعترض على ذلك التغيير بخصوص وضعيّة المرأة اعتراضا شديدا، معتبرة إيّاه من الفسوق و الخروج عن الملّة، و ترفض إرسال البنات إلى المدارس، حفاظا منها بذلك على الشّرف و الأخلاق الحميدة و ما أمر به الدّين. و هناك فريق آخر، رغم اقـتـناعهم بتعليم المرأة و تنوير ذهنها و تحرير طاقاتها، أجبرهم الفقر المدقع و قـلّة ذات اليد على عدم إرسال بناتهم إلى المدارس، تجنّبا لنفقات هم غير قادرين عليها من ناحيّة، ولكي يستعينوا بهنّ في أعمالهم الفلاحيّة أو في صناعاتهم التقليديّة التّي يتعاطونها في منازلهم ، و تدرّ عليهم شيئا من الربح يحسّن لهم مداخيلهم المتواضعة. 

وهناك فريق ثالث ليسوا معترضين على تعليم البنات، ولا على تحرير المرأة و تمكينها من حقوقها الطّبيعيّة و من مكانتها في المجتمع، ولا تعوزهم الحاجة، إلاّ أنّ أبناءهم سرعان ما انقطعوا عن المدرسة بعد أن التحقوا بها، و ذلك بسبب الجهل المطبق الذّي تعيش عليه عائلاتهم، وهو ما حرمهم من توفّر الحدّ الأدنى من الحوافز المعنويّة، في البيت من طرف العائلة، التّي تمكّنهم من الإقبال على الدّراسة و العناية بها و الحرص على مواصلتها، خاصّة و أنّ النّجاح في ذلك يتطلّب تظافر الجهود من جانب المدرسة و البيت في وقت واحد. ولا شكّ أنّ عدد الأطفال الذّين انقطعوا عن دراستهم و لم يقدروا على مواصلتها، ليس بسبب الفـقـر و الحاجة، و إنّما بسبب انعدام الحدّ الأدنى من الظّروف المعنويّة المناسبة، التّي تعينهم على ذلك في البيت، كبير جدّا. 

ونحسب أنّ هذا العائق قد تقلّصت خطورته اليوم على المضيّ قدما في عمليّة التربـيّة و التعليم ، خاصّة في ما يخصّ البنات. إلاّ أ نّنا نخشى أن تكون هناك عوائق جديدة قد حلّت محلّ القديمة، من مثل تفجّر العائلة بكثرة حالات الطّلاق، قد غدت تهدّد التّوازن النفسي للأطفال في تلك العائلات، و خاصّة منهنّ البنات لرهافة نفسيّاتهنّ و شدّة تأ ثّرهنّ بالمشاكل العائليّة، وأصبحت تهدّد قدرتهم على مواصلة دراستهم بنجاح وفي ظروف طبيعيّة. 

ثانيّـا ـ خـلل النّـظام التـّربـوي : 

لقد رفع النّظام العربي شعار تعميم التعليم. ثمّ بذل جهدا كبيرا في تحقيق ذلك الشّعار في الواقع. و قد تحقّقت نتائج طيّبة في هذا المجال، لم يتحقّق مثلها في عديد من البلدان ممّن تتمتّع بإمكانيّات ماديّة تفوق بكثير ما هوّ متوفّر لبلادنا. و كان بالإمكان أن تكون تلك النّتائج أحسن بكثير ممّا كانت، لوكانت برامج و مادّة النـّظام التربوي مركّزة و موفّقة أكثر ممّا كانت. فإذا كانت هذه البرامج قد لقّنت المتعلّمين، في معظم الأحيان بأسلوب سرديّ يفتقر إلى المنهجيّة النّقديّة، علوما و معارف، إلاّ أ نّـها لم تكسبهم من الجانب التّربوي شيئا يذكر. و قد أدرك واضعوها، بعد مدّة وجيزة نقصها و قصورها، إلاّ انّهم عجزوا على إصلاحها. و بقيت تتخبّط بين الإصلاح و الذّي يليه، دون أن يستقرّ أمرها على خطّ سويّّ. 

و قد أثّر هذا الإهتزاز في البرامج التعليميّة و التربويّة التّي بقيت مذبذبة بين توجّه و نقيضه، لا يوحّد بينها إلاّ خطّها المستورد الغريب عن أرضيّتنا العربيّة الإسلاميّة و طبيعة مجتمعنا العربي، على برامج إصلاح وضعيّة المرأة و تنوير عقلها وتحرير قدراتها و طاقاتها. فعوضا أن يحصل لها ذلك في إيطار ذاتيّتنا الحضاريّة و الثّقافيّة، حصل لها في إيطار مذبذب ومخلوط، شوّش عليها تحرّرها وأفقدها خلاله توازنها. 

والسّبب في ذلك حسب رأينا هوّ أنّ واضعي تلك البرامج كانوا تائهين في وله الأنموذج الغربي إلى الثّمالة، و لم يكن يحضر في تصوّرهم إلاّ ذلك الأنموذج. فعوض أن تركّز تلك البرامج في مسألة تحرير المرأة على تنوير عقلها و تكوين العقل النقدي لديها و تمكينها من ثقتها في نفسها و إ شعارها بقيمتها الأساسيّة في المجتمع و بدورها المركزي الذّي يجب عليها أن تلعبه فيه، و في مثل هذه الأمور لا يضرّ أن نستعير و نقتبس ممّا أنتجته الإنسانيّة، في الشرق و الغرب على السّواء، من فكر ووسائل ومناهج. أمّا ما هـوّ متعلّق في تلك البرامج من قيّم تربويّة و عقديّة ومن آداب التعامل و نظام حياة الأسرة و ما إلأى ذلك، كان من تراثنا الفكري و الثّقافي الذّاتي بالأساس، مصحوبا، في أبعد الحالات، بمادّة مقارنة تعين على التحصين و إنضاج ملكة العقل النقدي. 

وقد تسبّب لنا ذلك، في النّهاية، في تحرير للمرأة مشوّه و مهزوز و منبتّ، يتصارع فيه الأنموذج الغربي للمرأة المحرّرة والمكرّمة والمعتبرة، في إطار مقوّمات مجتمعاتها الثّقافيّة و الحضاريّة، و الأنموذج العربي الإسلامي و ما يتميّز به بالأساس من بعد أخلاقي عميق و من بعد جماعي. فواضعو البرامج التعليميّة أهملوا طبيعة المجتمع عند وضعهم للبرامج، و كان من واجبهم لو فقهوا أن لا يفعلوا و أن لا يخلطوا بين الأدوية على المريض، و أن لا يضعوا له في الوصفة ما يضرّ بطبيعة بدنه مثلما فعلوا. 

أمّا اليوم فلهذا السّبب و لغيره من الأسباب، تتأكّد مسألة إصلاح البرامج التعليميّة و التربويّة، إ صلاحا يجب أن يراعى بموجبه هذا الجانب الأخير الذي كنّا بصدد التأكيد عليه، حتّى نقضي على جوانب الإختلال و الإهتزاز و التّذبذب التي أوجدته تلك البرامج لدى الفرد العربي، و خاصّة لدى المرأة، فأضرّ بالعديد من الجوانب في حياتها و في حياة العائلة، النّواة الأساسيّة في المجتمع، و في حياة المجتمع و توازناته عموما. ولا ننسى أنّ الذي نريده هوّ إمرأة محرّرة ومسؤولة و فاعلة و ليس إمرأة متمرّدة ومبتذلة. 





ثـالثـا ـ التشريع المتشنّج : 

لقد وضعت التشريعات الجديدة المتعلّقة بالأحوال الشّخصيّة، و بالمرأة عموما، بعقليّة متوتّرة أو تحت ضغط عقليّة متوتّرة. بينما كان من الواجب أن يوضع هذا التّشريع بعقليّة هادئة مترنّحة و متجرّدة عن كلّ الإعتبارات الجانـبـيّة. و القوانين كما هوّ معلوم لدى الجميع لا توضع ولا تطبّق تحت التّشنّج أو الغضب. لقد وضع هذا التشريع تحت تأثير عقليّة الأخذ بالثأر، للمرأة من الرّجل. و من النّتائج السّلبيّة، لهذه المنهجيّة الخاطئة، أن وقع هذا التشريع في الشّطط، و جاء مهتزّ الأطراف. في حين كان من الأجدى أن لا يحصل الأمر بذلك الشكل. لأنّ المرأة ليست نقيضة الرّجل و لا عدوّته، و أنّما هيّ أخت له و شريكة له في الحياة و في تواصل النوع البشري. و الضّرر بأيّ منهما هوّ ضرر بالثّاني أيضا. 

ومسألة تحرير المرأة كانت تتمثـّل في إيجاد العلاج للوضعيّة السيّئة للمرأة، و ليس في حلّ لمشكلة بإيجاد مشكلة أخرى مكانها، ربّما أشدّ خطورة من سابقتها. و قد كان من الأجدى لو وضعت التشريعات المعينة المقنّنة لتحرير المرأة و تكريمها والرّفع من شأنها في إطار التّكامل بينها و بين الرّجل و ليس كما حصل، ضمن المشروع العربي ، 

رابــعـا ــ تأخـّر عمليّـة التربـيّة و التكويـن عن عمليّة التـّشـريع : 

إنّ التشريعات الثوريّة إذا وضعت قبل تهيئة الأرضيّة لها، تبقى مهدّدة بالفشل، أو على الأقـلّ فإنّها تجد صعوبات جمّة، على طريق إنزالها و إنفاذها في الواقع. و إذا ما طبّقت فإنّ نتائج تطبيقها لا تكون بالمستوى المطلوب. وهذا ما حصل بالضبط للعديد من التشريعات الجديدة في الوطن العربي ، و على وجه الخصوص، تلك التّي تتعلّق منها بالمرأة. 

خـامسـا ـ لـوثة الإنتهـازيـّة و الإسـتغـلال : 

لمـّا ينظر الدّارس و يتأمّل في الشّعارات التّي رفعت، بخصوص مسألة تحرير المرأة، وفي القوانين التّي شرّعت من أجل ذلك، ثمّ إلى الواقع الذّي عرفته المرأة ، يدرك بوضوح أنّ السّياسة العربية تجاه المرأة كانت سياسة انتهازيّة استغلاليّة و ليست مبدئيّة صرفة. 





 
الاسم البريد الاكتروني