عندما إعتمدت العمارة على محاكاة هياكل الأجسام الحية وغير الحية

د.هاشم عبود الموسوي
/site/photo/10286
ما هو التشبيه العضوي The organic analogy ؟
 
لقد تطرق طروحات كثيرة الى آلية معينة في خلق الشكل المعماري ألا وهي التشبيه العضوي بالكائنات الحية وغير الحية موضحة مستويات هذا التشبيه والخصائص التي يعكسها . اعتبر المنظرون والفلاسفة منذ عصور الاغريق المخلوقات النموذج الكامل للتناسق والتوازن والتناسب وقد سحب ذلك على العمارة والفن عندما قيل :" ان المخلوقات الحية ونتاجات العمارة والفن تمثل تخطيطات محددة المعالم فكمية المادة المستخدمة في الخلق والابداع تتحدد بالعنصر او التكوين الناتج وحجم العنصر او التكوين يتحدد بشكله والذي يتحدد بدوره بشكل الكائن او التكوين" .
لذا فالمخلوقات تنمو الى حجوم تتحدد ببنيتها وبيئتها وظروف معيشتها وكل عضو يرتبط بتناسب الكل المنتمي اليه، كذلك المعماري والفنان يأخذان بنظر الاعتبار تناسق الكل في أجزاء وتفاصيل في العمل والتكوين . 
ان للتشبيه العضوي وجهان، الاول يتعلق بالمظهر الخارجي للتكوين والثاني يتعلق بالوظيفة والوجهان مرتبطان جداً . ففي الوجه الاول، الكلية العضوية للتكوين هي المقصودة حيث وجود علاقة متناسبة ومتوازنة بين الاجزاء من جهة وبين التكوين الكلي من جهة اخرى والتي تعطي جمالية التكوين . هذه الكلية في التكوين تعطي نفس الشعور بالسمو الحسي الذي يعطيه التأمل بجمال الطبيعة فالحالتان هما واحد، كمصدر بالاحساس الجمالي والسمو . من هنا فان التكوين يجب ان لا يكون مجرد تراكم للاجزاء التي يمكن هنا اهمال بعضها او الاضافة عليها، بل الكل الشمولي ومتجانس، يشمل كل مباديء التكوين الجميل بحيث يكون المظهر والجوهر متكاملان ومتأصلان في الناتج .
أما الوجه الثاني فيمكن اعتباره كبعد مطور للوجه الأول ويرتبط بمفهوم الجمالية الوظيفية الذي يعني تكملة الطرف الثاني لمعادلة الجميل مقابل المفيد ، ففكرة ان تكوين ما مصمم جيداً وملائم لغرضه سيكون جميلاً حتماً من خلال ملائمته ذلك الغرض . 
فالجزء له معنى وظيفي نسبةً ومشاركةً في الكل الذي يعتمد بصورة حيوية على أجزائه التي تعمل معاً. ان العلاقة واضحة جداً بين هذين الوجهين في العمارة حيث ان التكوين المعماري_ المبنى له وظيفة واضحة وطبيعته وعمله جنباً الى جنب امتلاكه جوانب وقيم تعبيرية ورمزية وجمالية فوق كل هذه الاستعمالات اليومية له .
لكن العلاقة بين هذين الوجهين ليست بسيطة وتقليدية فحسب، رأى المعماري فرانسيس هاجيسون من القرن الثامن عشر يجب التمييز بين نوعين من الجمال، الأول الجوهري المستمد من الموازنة بين الوحدة والتجانس من جهة والتنوع والاختلاف من جهة اخرى والتي لا صلة لها بالوظيفة، والثاني الجمال النابع من الملائمة للاستخدام والوظيفة .
ان التشبيه العضوي للعمارة لا يأخذ بالضرورة كل مجالات علم الاحياء واستثمارها في العمارة بل قد يأخذ جزء منه وهو التشريح الذي يهتم ببنية الكائن الحي مثل أوجه شبه بين بنية العظام وبنية الأجزاء الانشائية .
هناك جانب آخر وهو ادخال مفهوم الماكنة في مجال علم الأحياء والعمارة خصوصاً مع بدايات العمارة الحديثة وقبلها الثورة الصناعية حيث شبه بعضهم الكائن الحي بالماكنة وشبه بنيته ببنية الماكنة وشبهت الوظائف العضوية للكائن الحي بآلية عمل الماكنة وبما ان التشبيه العضوي الاحيائي موجود أساساً في العمارة وبما ان رواد العمارة الحديثة آمنوا كثيراً بعصر الماكنة وما تمثله من روح الحداثة دخلت الماكنة كرأس ثالث في جدلية العلاقة علم الأحياء- العمارة .

هناك موضوع يتعلق بالوجه الأول من التشبيه العضوي ( المظهر الخارجي ) وهو موضوع التناسب المستنبط من الطبيعة والمستثمر في العمارة والذي يعني باختصار تنظيم التكوين المعماري في منظومة هندسية عددية مرتبطة بقوانين التجانس المأخوذة من البيئة المحيطة وعالم الأحياء، وحتى الكون ككل . ان هذا المفهوم ظهر بقوة في عمارة عصر النهضة وخصوصاً التناغم بين أجزاء جسم الانسان والتجانس في العمارة . يبدأ هذا التشبيه بتقليد شكل جسم الانسان واعضاؤه في العمارة مروراً بتقليد التناظر في جسم الانسان وصولاً الى استعارات اكثر تجريداً مثل المقطع الذهبي Golden section الذي يتمثل بتسلسل رياضي عددي مشابه لما موجود من أشكال النبات والحيوان التي تنمو حلزونياً، وبتطور العلم وامكانية رؤية المجهريات الدقيقة تمت معرفة أنظمة التناظر الشعاعي وتكرار الاوجه والوحدات الهندسية والشكلية ومنظومات احيائية جديدة تم سحبها على مجال العمارة، ووصولاً في وقتنا الحاضر هذا الى التقليد الحرفي للأشكال النباتية والعضوية في العمارة .


المهندس الإستشاري المعماري  : د.هاشم عبود الموسوي



 
الاسم البريد الاكتروني