الرمزية في الفن

د.هاشم عبود الموسوي
/site/photo/10294
ارتبطت الرمزية ( هذه اللغة السرية والكاشفة في آن واحد ) بشكل محكم ودائم بالفن، وإضافة الى فن الرسم، فإن العمارة والنحت والزخرفة والفنون الاخرى على وجه التقريب جميعها غارقة في الرموز . ويقدم بعض الباحثين الفن على أنه خلق أشكال ترمز أو تكون رموزاً للمشاعر الإنسانية Art is the Creation of forms symbolic of human feelings وهنا ركزوا على التفريق بين الخلق والإنتاج. فالإنتاج يغطي الحاجة النفعية بينما الخلق الفني أو المعماري يتعامل مع المشاعر الإنسانية بتكوين رموز تشير اليها .
هناك ألوانا أخرى من فنون الكتابة كالقصة والمسرحية وغيرها، وهي التي يصعب اقترابها من الموسيقى كثيرا عما هو حال الشعر. فهي فنون تقوم في جوهرها على الحكاية، ولمعاني الكلمات ومدلولاتها هنا دور أكبر بكثير مما لها في الشعر، فالكلمة في الشعر قد تستخدم لموسيقيتها فقط أو لظلالها الموحية كجزء من مكونات الرمز، أما في القصة والمسرحية فالمعنى والمدلول هو الذي يلعب الدور الأول . أما الشعر فهو موضوع آخر، الشعر أقرب الى الموسيقى، فهو يملك اللغة العالمية ومن هنا ظهر تيار الرموز في الشعر .
لقد فتحت الرمزية أمام الأدب بشكل عام والشعر بشكل خاص أبواباً جديدة للتعبير بعد أن كانت تغلق عليها المسالك، وذلك بايجاد آفاق واسعة وخلق صور لم تكن على بال كاتب أو فنان، إذ خرج التعبير عن ذاته وعن مفردات التعبير الواقعي أو الرومانسي الى آفاق غير واقعية، أو وراء الواقع وربطه بأشياء خارج نفس الفنان. وبهذا لم يعد ممكنا تجاهل الرمزية سواء كعنصر طاغ يسيطر على أعمال باسرها أو كجزء من تفسير عمل أو أعمال حديثة، فإن الإنسان قد اكتشف أن حياته لا يمكن أن تخلو من رموز كثيرا ما لا يجد لها تفسير، وهو يقف أمامها حائرا يحاول الايحاء بما يشعر به وايجاد معادل له ولكنه لا يستطيع حصرها في محدودية من الأفكار والمعاني والكلمات .
وهنا يمكننا تعريف الفن بأنه أبداع أشكال قابلة للادراك الحسي بحيث تكون معبرة عن الوجدان البشري . فالفن رمز والعمل الفني صورة رمزية، وقد طبقت هذا المفهوم على فن الموسيقى في البداية، ومن بعد ذلك على كل الفنون الأخرى، حتى الفنون البدائية . فهي تعد الفن أحد الأنشطة الرمزية التي ابدعها الإنسان لكي يعبر من خلالها عن الوجدان البشري. وبهذا يمكننا التوصل الى نظرية جديدة في تفسير الفن، بوصفه رمزاً . والعمل الفني بوصفه صورة رمزية للوجدان البشري . نحن هنا نبني موقفنا في الفن على أنه هو التمييز بين الإشارة والرمز، وبين الرموز الاستدالية و التمثيلية، بل نذهب في التمييز الى ابعد من ذلك حين نميز بين الإنسان والحيوان، على أساس ان الإنسان حيوان رامز يبتكر الرموز ويستخدمها، فضلاً عن ذلك نظرتنا الى اللغة بوصفها رمزية إستدلالية ليس في مقدورها ان تعبر عن الوجدان أو الحياة الباطنية، على هذا يكون الفن هو السبيل الوحيد للتعبير عما لا يمكن التعبير عنه بواسطة اللغة، فالفن إذن رمز Symbol والعمل الفني صورة رمزية symbolic image ومن ذلك نستطيع أن نحدد الفن على أساس أنه : أبداع أشكال قابلة للإدراك الحسي بحيث تكون معبرة عن الوجدان البشري . عند التمييز بين الرمز الفني والفن كرمز، نجد ان الرمزية الجمالية تختلف تماما عن الرمزية العامة . وان الرمز قد يستخدم في الفن دون ان يكون هناك فن رمزي، فهناك الكثير من الرموز التي نستخدمها في الفن، غير ان الفن رمز مفرد، لا يمكن تجزئته، كما أنه يُدرك مباشرة وككل . "فالفن الرمزي ليس رمزاً فحسب، ولكن يؤدي اكثر من الوظيفة الرمزية، ذلك لأن العمل الفني مُعبر بالطريقة التي تكون بها القضايا معبرة، كصياغة لفكرة أو مفهوم". العمل الفني ككل هو ضرورة للوجدان، بحيث يمكن ان نطلق عليه الفن الرمزي، انه فردي وعضوي بحيث ان عناصره معبرة عن ذاتها وفي ذاتها. والفن عند (كاسيرر) ما هو إلا لغة متكونة من الرموز ثم تطورت هذه النظرية بفضل تقدم ما سمي في المنطق بدراسة الرموز ودلالتها علم الرموزsemiotics وعلم دلالتها semautic .
لقد صنع الإنسان البدائي من رسوم واشكال بعض هذه الأشياء "طواطم Totems" يلتفون حولها ويرفعونها كشعارات ترمز إلى الجماعة أو القبيلة التي ينتمون اليها، وقد كان هذا "الطواطم" بمثابة الرمز المقدس الذي يربط الرجل البدائي بأبناء عشيرته وكان ينظر إليه في احترام وخشوع دون أن يكون هناك سبب معقول يدفعه لذلك وقد وصل في ذلك على حد الاعتقاد بأنه ينحدر عن ذلك الطواطم . وكانت القبيلة التي ينتمي اليها تسمى باسمه أي أن الطواطم عنده رمزا للأب أو الجد وبديل عنه وهكذا ترتبط الرموز بحيلة الإنسان إرتباطا وثيقا، لا غنى عنها لتحقيق التفاهم والإتصال مع غيره من أبناء العشيرة أو القبيلة التي ينتمي اليها .




 
الاسم البريد الاكتروني