كتلة التجربة: سيادة الماضي / شجاعة السرد

مقداد مسعود/ البصرة
جمعة اللامي في روايته ( الثلاثية الأولى )
الورقة المشاركة في الأحتفاء الذي أقامه اتحاد ادباء البصرة للقاص والروائي والأعلامي جمعة اللامي
/site/photo/10312  
تاريخيا : تمرحلت قراءاتي لما خطه القاص والروائي جمعة اللامي
القراءة الأولى بتوقيت القصة المنشورة للتو في مجلة الكلمة 1970 ( الليل في غرفة الآنسة م ) ..
وكانت تحتوي على كولاج نهديّ امرأة، وسيحذف الكولاج حين تكون أحدى قصص مجموعته ( مَن قتل حكمة الشامي ) يومها، الكتاب الذي يصدر صباحا في بغداد يصل مع الظهيرة إلى البصرة . وهناك ( أسماك مقهى السعادة ) في الأديب المعاصر 1973 وستكون هذه القصة أحدى قصص ( اليشن ).. هذه النصوص إلتهمتها كأرغفة ساخنة، للتو طلعت من التنور.. وبالتجاور مع مسطورات اللامي .. كنت أستعين بكتابات نقادنا العراقيين : فاضل ثامر وياسين النصير وعبد الجبار عباس ومؤيد الطلال وباسم عبد الحميد حمودي .
(*)
ضمن محاولاتي في القراءة المنتجة وأنا أكرر قراءتي لغوايات القص والتروية، حين عدتُ إلى سرديات اللامي تكشفت لي مديات جديدة . من المؤكد أنّ كشوفات قراءتي لا تتقاطع مع القراءة البكر، لكن لا تتجاور معها  وحين أحاول أعادة إنتاج مسطورات جمعة اللامي من خلال قراءتي المنتجة .. ستكون لدي قراءة ذات تراتبية منبجسة من وعي نقدي منذ الثلث الثالث للقرن العشرين حتى الآن خلال هذه المسافة غير قصيرة بمقياس أعمارنا وعراقنا .. ستثبت قراءتي المنتجة برنامجها التحاوري مع نصوص لامية تستحق الإصغاء التام ... وصولا إلى أجراس الصمت عند ينابيع الملء والفراغ السردي اللامية .
(*)
جمعة اللامي ينتسب لمثنوي المغامرة فما أجترحته خطواته السردية الأولى، لم تكن نزوة .. أو موضة سردية . فهو من الذين شاركوا بتمزيق نمط الوثوقية السردية، وأجترحوا قطعا يكاد أن يكون معرفيا، مع القص الخمسيني وأشاع جمعة اللامي ورفقته أجمل الأمراض في القصة القصيرة العراقية* ولولا هذه الأمراض لما تأثلت ( معالم جديدة في القصة العراقية ).. وأحتدامهم السردي كان منبجسا من إنكساراتهم القانية بعد مجازر 8 شباط 1963 .
(*)
من منظور آخر مازال السؤال القصصي  يؤدي وظائفه كلها : مَن قتل حكمة الشامي ؟ ونضيف بدورنا : لماذا مايزال القتل مواظباً على دوامه الرسمي والأضافي ؟ ضمن مقتلة ( أهتمامات عراقية ) . فالحال هو الحال .( هذا هو العراق كما تراه الآن/ 35 ) بشهادة عزيز الموسوي في رواية ( الثلاثية الأولى )  .
(*)
فاعلية جمعة اللامي السردية متماهية في مغامراته الحياتية المتجسدة في يوتوبيا الكادحين النبلاء زهاد القرن العشرين وبشهادة عزيز الموسوي ( هذا الواقع الذي يمثله الشرطي الخيّال وتاجر السمك وعامل الحدادة .. ثم ذلك الصمت الذي يتكسر في عراك الصيادين وصراخ الحمّالين الصغار والدراهم التي ينثرها علينا المستر كندسون، عندما كان يمر علينا في سيارته الأمريكية الفارهة ../95 ) وهكذا ينطلق جمعة اللامي من محلية التجربة ويمازجها بتجارب أخرى، كما هو الحال مع قصصه ( أهتمامات عراقية) ( التستري ) ( اليشن ) وكذلك روايته ( الثلاثية الأولى ).. وغيرها .
/site/photo/10313 
(*)
يضعنا  جمعة اللامي مع السطر الأول من الصفحة الأولى في الرواية في نبض الحدث، ويكون التموضع علاماتيا : ( حدث ذلك في الرابع عشر من تموز، في أحدى الساعات الثلاث الأولى التي تلي انتصاف النهار . ) هذه الوحدة السردية مجتزأة من وحدة سردية تشمل ثلاثة أسطر، مروية على لسان عزيز الموسوي ..
العلاماتية هنا واضحة،ضمن الروزنامة العراقية، وتزداد وضوحا بمؤشريّ الشهر: تموز واليوم 14 أما المحذوف فهو السنة التي لاتحيل لغير  1958، وما يشبه المحذوف هو عدم ضبط الوقت : ( في أحدى الساعات الثلاث الأولى التي تلي انتصاف النهار ).. ثم ينتقل التلاسن السردي من صوت الشخص المعلّم باسمه : عزيز الموسوي.. إلى سيرورة السارد العليم  المتراجع في زمن أصبح نفسيا، بعد أنّ كان وقائعيا . كذلك ثمة مهارة في الانتقال من التحاور بين خالد الأمين وعزيز الموسوي .. إلى السارد العليم في ص36 ويستمر السرد بتنويعاته ونقلاته السريعة بين عزيز الموسوي وسافرة عبد المسيح / ص 35 وكذلك في ص94 .
وللرواية هندسة الدائرة : تبدأ الرواية بوصول تابوت وتنتهي الرواية بوصول تابوت وبين التابوتين تنبجس حيوات ومصائر وتصفيات شرفاء العراق من شيوعيين وقوميين وستكون سافرة عبد المسيح : راية عراقية مزقت أنوثتها غدارات بورسعيد في شباط 1963 .
(*)
خالد الأمين مِن خلال لسانه السردي تتفت ذرة الزمن/ تتعاجن فيها أخلاط أزمنة وامضة، مثقلة بشفرات حركية النضال تحتاج تغذية نصية، فحين يقول .. ( عن القوارب التي غرقت ساعة جاءت طائرة الهيلكوبتر . /45 ) شخصيا سأستعيد  حركة ( فيت هور ) على وزن فيتنام  وسأرتل بخشوع اسم خالد زكي وعقيل حبش الذي ألتقيته في أحتفالية هور الغموكة  قبل ثلاث سنوات في أحتفالية الحزب الشيوعي في الناصرية والخلية التي تم إعدام معظم أبطالها من قبل حكومة البكر .
(*)
أتوقف عندما ( نادى السائق : تفضلو وصلنا ديرة حلم العمر ) بعد تقشير النداء، أقول أن ّكل يوتوبيا هي عملية تصنيع للمفتقد الطبيعي، وكل يوتوبيا تنقل معها جرثومة التمرد الأول والسبب أنّ كل يوتوبيا لاتخلو من منفى جديد . وديرة حلم العمر ذات هوية طبقية واضحة المعالم .

(*)
المؤلف يحصر الرواية بين قوسيّ شخصين : عزيز الموسوي وغريب المتروك . شخصيا أرى الرواية تتمرد على مثنوي الشخصيتين، ترى قراءتي لايمكن نسيان شخصية خالد الأمين وكذلك كريم البقال كما لايمكن نسيان شخصيتين نسويتين : سافرة عبد المسيح ومريم بنت مطر شخوص الرواية : كتلة متماسكة جهويا، رغم الأنزياحات التي استولدها المثلوم من أحلامهم . لا توجد شخصية خرجت من تجربتها السياسية الدموية بقرنين .. كما يحدث ذلك في الروايات العربية التي اشتغلت تجارب اليسار العربي روائيا .. شخصيات ( الثلاثية الأولى ) منكسرة لكنها لا تتصالح مع العالم وجمعة اللامي كاتب حقيقي إذن هو ( مثل النهر . يحفر مجراه حفرا ولايغير مجراه أبداً/ 228- جمعة اللامي/ الحرية والثقافة ) .
(*)
الخاص من العام : وهما العلة والمعلول ولا توجد منزلة بين منزلتين .. ومثقفو الستينات وبشهادة جمعة اللامي  ( كنا صغاراً، بيد أنّ الدنيا لم تكن أكبر منا/ 282/ جمعة اللامي – الحرية والثقافة ) ليس في هذه الشهادة مايدور في مخيلة المغرضين، فتلك السنوات هي اليوتوبيا التي سرعان ما أجتاحها نفي النفي وأنمسخ إلى نقيضها : الديستوبيا وهكذا آل الحال : جغرافية اليوتوبيا العراقية تمزقت بمخالب عراقية، رأت التناقضات الثانوية السياسية رؤيتها إلى التنافض الرئيس . ومن الثانويات المتناقضة : أشتعل الأحتراب والأصطراع في تاريخ الحركة الوطنية . حد الإبادة وإنتهاك الأعراض، وهكذا أنتج العراق نسخة عراقية 100/ 100 من ( الأخوة الأعداء ) رواية نيكوس كزنتزاكيس . فقد أغتيل حوار المفاهيم *وأستذأبت سرديات الدم العراقي المسفوك من جراء كل هذه الكوميديا السوداء القانية : تسيّد الماضي ولم يقتنع بالتوصيف بل أصبح سيرورة حاضرنا الذي علّق المستقبل إلى أجل غير مسمّى . وصارت كينوناتنا أو ماتبقى منها بمشيئة قلعة مصائر متقاطعة، الماضي لايتكدس في الزمن الجواني للنفس بل هو يتعايش معنا وينشّف لحظتنا من مياه بهجتها وطمأنينتها وهذا الماضي هو الفضاء النصي للرواية ( ومثل شجرة أسطورية، هبط الماضي في رأسي . السجون والمعتقلات. المقاهي ونوم الأرصفة . العلاقات الكاذبة . الخدر الليلي المتواصل . إنما الحاضر كان يتقدم نحوي وأتقدم أنا باتجاهه ../ 105 ) نلاحظ ان السرد يستطرد في تناول الماضي ويختزل الحاضر بفعل متبادل بين الكائن السرد وكينونة الوجود . وترى قراءتي المنتجة أنّحركية التقدم ضمن منطق شكلي يقيني : ثمة ضوء في آخر النفق وأنّ لم يكن هناك ضوءاً فعلينا أن نرسم مصباحا من باب التفاؤل وما يقول غريب المتروك أكثر وجعا : ( قتل الماضي بالماضي، إنني أهبط نحو الأسفل، عالمي بأكمله يهبط نحو الأسفل /107 ).. وهاهو الماضي يتطاول على الحاضر ويغتال خالد الأمين كما يغتال خلوق الملا .
(*)
المحذوف من السرد هو أنّ المؤلف يرّكز على ضحايا تلك الحقبة العراقية الدامية، ويدقق في تفاصيلهم المبهجة لنا..ولانجد الجلادين إلاّ من خلال أصدائهم السود القانية في الضحايا ..
(*)
لايخلو الماضي من جماليات فذة، ولا توجد جماليات بلا تأنيث المكان والمكين . وعلى ذمة عزيز الموسوي وهو يتحدث عن سافرة عبد المسيح : ( أجمل وجه رأيته في حياتي محمولا على أجمل جسد . إنها الجمال الذي يذكرني بالفجيعة / 94 ) وفجيعتها أنتهاك عفافها في 8 شباط 1963 في مخفر الفضل والمرأة الثانية هي مريم بنت مطر، أم السارد المشارك بنسيج الفضاء النصي .

(*)
أين الشجاعة في هذا السرد..؟!
الشجاعة الأولى كانت بتوقيت الطبعة الأولى 1978 وقد قرأتها في مجلة الأديب المعاصر وتلك الشجاعة كانت مبتورة بشهادة جمعة اللامي: ( تعرض إلى عمليات شطب متعمدة من قبلي ) أما الشجاعة الثانية/ الكاملة هي في عام 2000 أنّ تصدر الرواية كما ولدتها موهبة مؤلفها جمعة اللامي وعام 2000 رغم ما تعرضت له سلطة الطاغية من هزائم فقد كانت مخالبها وأظلافها بكامل قواها الوحشية فالسلطة التي اغتالت شاكر محمود وأعدمت خليل المعاضيدي وحاكم محمد والعشرات من مثقفين العراق لا تستحي من المؤلف جمعة اللامي ولاتتردد لكن جمعة اللامي بدوره يعي جيدا وبشهادته ( لا أشرف من الكلمة الحرة، تقال علنا، وجهارا. لأنها مبرأة من دونية الأغراض ومطهرة بالعلانية ../145- جمعة اللامي/ شتى/ الحرية والثقافة ) وهنا التمييز المتفوق مقارنة بكل الروائيين العراقيين والروائيات العراقيات الذين سوقوا/ اللواتي سوقن : شخصية الشيوعي العراقي في رواياتهم/ رواياتهن .. وشجاعة اللامي ليست أعلامية، بل تحتوي شرطها في التقنية السردية الحداثية 
(*)
في الصفحة الأخيرة من المطبوع تحت عنوان ( إشارات ) يهمني الثلث الثالث من هذه الصفحة، حيث يعلن المؤلف عن تغذية نصه الروائي من نصوص متنوعة . فلاحظت قراءتي أنّ النص المغيّب في هذه الأشارات نجده معلنا في مطبوع آخر لجمعة اللامي.. ( كيف يحول كاتب عبقري مثل جمال حمدان الجغرافيا الى،، قوة،، ثقافية هائلة . وهذا ما أتاح لي فكرة،، اختراع،، أكثر من قرية أو مدينة عراقية في أعمالي القصصية والروائية / 283- اللامي – عزلة العبقري/ جمال حمدان يموت في صمت ) 
*جمعة اللامي/ الثلاثية الأولى / بابل برس/ نيقوسيا – قبرص / ط1/ 2000
*جمعة اللامي/ الحرية والثقافة /مؤسسة الاتحاد للصحافة والنشر والتوزيع / أبو ظبي/ ط1/ 1997
*بخصوص حوار المفاهيم :/ د.علي كريم سعيد : عراق 8شباط 1963 من حوار المفاهيم إلى حوار الدم/ مراجعات في ذاكرة طالب شبيب / دار الكنوز الأدبية/ بيروت/ ط1/ 1999
*بخصوص الدستويبيا/ مقداد مسعود/ زيادة معنى العالم/دار ضفاف/ بغداد – دولة الامارات العربية المتحدة/ 2014
        


               







 






 
 



  




















 
                  












 
   
                               
                                                  

 




 
الاسم البريد الاكتروني