عندما أستبيحت تلعفر كتبت عن تاريخ شعبها المشرف الآتي

د.هاشم عبود الموسوي
/site/photo/10405
بعد أن قاوم ودافع ببسالة مواطنو هذه المدينة لأيام ولأسابيع، عن كرامتهم ضد أوباش داعش، وإستنجدوا، ولكن لم يجدوا من سامع أو مجيب، واليوم يتفطر القلب ألما، عندما يرى المرء شعبا أبيا  ومسالما ومتحابا، يُجبر بأكمله على مغادرة مدينته، تحت وطأة التهديد والقتل والتنكيل .. وليسير أياما وليالي، يحمل رجاله الأطفال والكهول من النساء والرجال على أكتافهم وظهورهم .. حتى يصلوا، بعد أن مات بعضهم في الطريق، من جراء الحر والعطش والتعب، الى ديالى، التي إستقبلهم أهلها الكرام بكل ود وترحاب، ليواصلوا بعدها المسير الى الفرات الأوسط ( الى النجف وكربلاء )، لبكونوا في مأمن وبعيدين عن الأرهاب البربري الذي شرّدهم من بيوتهم  .
يذكرنا التاريخ ببطولة شعب هذه المدينة، الذي سطر قبل أربع وتسعين عام، أسمى آيات الشرف والبطولة في إنتفاضته الوطنية، التي تلاحمت مع ثورات الفرات الأوسط والجنوب .. ليذكرونا ويؤكدوا لنا وحدة التراب العراقي، وحتى قبل تأسيس الدولة العراقية .
ويذهب بعض المؤرخين للإعتقاد بأن ثورة تلعفر التي إنطلقت في بداية حزيران من عام 1920، كانت هي الشرارة الأولى التي أججت الثورة العراقية الأولى في مدن الفرات الأوسط أولا، وثم عموم العراق .
لقد أدت هذه الثورة الميمونة  آنذاك، إلى تحرير تلعفر من قبضة الأنكليز .. ومع أن سلطة الإحتلال تمكنت من القضاء على الثورة بعد أيام قلائل وبقسوة . إلا أنها تركت في الأوساط والمناطق الأخرى أثرا كبيرا . وبإعتراف الكابتن " دبليو أر هي "، حاكم أربيل السياسي آنذاك . فأن أحداث تلعفر أدت الى تردي وضع الأنكليز في أربيل بشكل ملموس، لا سيما جراء تصاعد نشاطات معادية للوجود البريطاني ممن كانوا يبشرون بالثورةعلنا في الميادين والمقاهي .
وللحديث عن أسباب إندلاع ثورة تلعفر، فقد كتب المهتمون بشؤون الثورة، أن من أسبابها بعد إعلان الإنتداب البريطاني على العراق في 25/4/1920 م . الدافع الديني الذي حفّز على دفع العدو أرض الوطن، فقد أصدر علماء الإسلام عامة والحوزة العلمية في مدينة النجف الأشرف ، خاصة فتاوي بوجوب الجهاد على المسلمين .
      وفي هذا الشأن يجب أن نذكر الدور المهم لرجال الدين في تلعفر بإثارتهم النفوس ضد المحتلين ومنهم " أحمد فخري أفندي الديوه جي " الذي كان قاضيا شرعيا في تلعفر علم 1919، والعالم الفاضل "  محمد سعيد محمد أفندي" ( المتوفي عام 1948 ) إمام وخطيب جامع القلعة .
أما إختيار الوقت من قبل الثوار قفد جاء متفقا مع قلة الجنود الأنكليز ووفرة الأسلحة الخفيفة لدى الأهالي، وإستجابة جميل المدفعي لرغبة الثوارفي التعاون لإشعال الثورة وتقديم العدة والعدد لهم .
لقد قامت تلك الثورة صباح الجمعة الموافق 16 من رمضان سنة 1339 هجرية والمصادف 3 أو 4 من حزيران 1920، وكان أول شخص ينال شرف الشهادة هو "الشيخ صالح أحمد الخضير " من رؤساء الجحيش .
أما الأسباب التي أدت الى عدم تحقيق الثورة أهدافها الحاسمة في تحرير المدينة من دنس المحتلين كليا  فهي : أولا عدم وجود قيادة مركزية، وإنعدام الوحدة بين الثوار .. وثانيا عدم التكافؤ بين الجانبين، فقد كان الثوار يقاتلون بأسلحة بسيطة، بينما كان المحتلون يلقون القنابل على الثوار من الطائرات .. ويضيف بعض المحللين، الى عدم ملائمة الوقت، إذ كان الناس في موسم الحصاد منتشرين في القرى والمزارع، وهم صائمين،  كما يرى البعض أنه كان بإمكان أهالي الموصل والحركة الوطنية فيها أن يقوموا بحركة تشغل المحتلين داخل الموصل وتوجه الأنظار إليها .
ولكن رغم أن الثورة هُزمت عسكريا إلا أنها أسقطت السياسات الإلحاقية والإستعمارية المباشرة التي كان ينتهجها الحاكم البريطاني في العراق، وأنهت نصيبها من الإستمرار .. كما كانت الثورة محفزا قويا لسكان الفرات على إعلان الثورة وتحريضهم على مقاومة الإنكليز، وضرب الحكومة المحتلة دون أن تعود في النفوس ما كان من الرهبة .
هذا هو تاريخ أجداد هؤلاء المشردين من ديارهم في يومنا هذا
وإني على ثقة بأن الأحفاد سيعيدون ذلك التاريخ المشرف . 





 
الاسم البريد الاكتروني