سوريالية قبل ثلاث ألفيّات/ نص نثري

كريم الأسدي/برلين
/site/photo/10414
في يوم ما، وفي محاضرة في بيت الأدب في برلين عن السوريالية قدَّمها أحد ممثلي الأتجاه السوريالي في المانيا، وكان ذلك على ما أذكر، في العام 1992 أو العام 1993  اشتركتُ في الحوار الدائر، بعد بدء المناقشة،  حول السوريالية نشأةً وفكراً ومنبتاً وأصولاً، محاججاً ان السوريالية كانت موجودة في الأدب العربي قبل أكثر من ألف عام، مستشهداً ببيت للمتنبي من عدة أبيات له في هذا الخصوص .. بيت العبقري المتنبي في هذا الصدد من قصيدته التي يصف فيها شعب بوان وأشجاره في موضع من بلاد فارس قرب شيراز .. يقول أبو الطيِّب فيه  :
 
لها ثمرٌ تشيرُ اليك منه     بأشربٍةٍ وقفنَ بِلا أوانِ  
 
بما يعني ان الفاكهة في أغصان الشجر كانت ملأى بالعصير الى الحد الذي يجعل منها سوائل وأعصرة ـ أشربة ـ واقفة في الهواء، دون أنْ تسندها أوانٍ، أي أِنه حطَّم قوانين الجاذبية الأرضية بخياله الشعري وخلق صورةً تسمو على المعتاد والمتعارف عليه .. وهذا هو عين ماتهدف اليه السوريالية في الصميم .. بعد أنتهاء المحاضرة وافقني بعض الضيوف ان المثال موفَّق، وأن الصورة سوريالية بالفعل، وسألوني عن المتنبي وكيف يمكن للقاريء الألماني أو الأوربي الأطلاع على شعره ونتاجه الأدبي، وهل هناك تراجم له من العربية الى الألمانية أو الأنجليزية أو الفرنسية  .. قبل أيام، وفي أحد مواقع التواصل الأجتماعي التي تربطني واياها علاقة ضعيفة، رأيت صورة للثور المجنح أو لثورين مجنحين من زمان آشور، وأمام كل ثور مجنح منهما وقف زميل لي في متحف أوربي يبدو انهما كانا في زيارة له .. من زمان فكَّرت في ثراء التأويل وأحتمالياته في مجسَّمة الثور المجنح، بيد أني أمعنت النظر قبل أيام في المنحوتة العجيبة : الرأس والوجه لأنسان وسيم، الجسد جسد ثور هائل وقوي وهكذا تبصره، الأجنحة العملاقة التي تمتد حتى نهاية الجسم أجنحة نسر، الأَقدام أقدام أسد، وربما الأِقدام في التعبير الكلي للصورة كذلك، وهذا كله في صورة لمخلوق واحد لافي صورتين أو سلسلة من الصور!! .. هذه سوريالية ماقبل الميلاد بسبعة قرون في بلاد الرافدين !! سوريالية ماقبل أندريه بريتون ورفبقاته ورفاقه بثلاثة ألفيّات !! .. فماذا نقول ...

ملاحظة : زمان ومكان كتابة هذا النص  يوم الثالث من شباط 2018 في برلين 




 
الاسم البريد الاكتروني