المعنى الأضافي / الإنفعال العقلاني ..

مقداد مسعود/ البصرة
كاظم الحجاج .. في ( كابوس الشاعر ) 
 /site/photo/10441                           

 
الورقة المشاركة في المحور النقدي عن الشاعر المحتفى به كاظم الحجاج في مربد 2018
(*)
            كابوس الشاعر
    أعِدّي شاينا الليليّ، واختاري 
أتختارين َ غصناً يابسا، بل ميتا للنار ؟
أنُحرق أي شيء، كي نُدفّىء شاينا الليلي ؟
هل نبقى نُدفىء بردنا ؟
نبقى نُعِدّ الشاي بالقتلى مِن الأشجار؟
أعدّي قِصة ً شتوية للنار ؟
ولاتخشي . فإنّي شهريارً دونما سيف ٍ:
يُخوّفني خيالي، حينما يهتزُ حولَ النار
وأخشى مِن ظلام القهوة ِ المنسيّ في الفنجان ..
ويالله ! كم عانيت ُ من رؤيا :
تراءى لي خروفٌ كان مذعوراً
وكنتُ وراءه الجزّار ..
توسّل بي . ولكن كنتُ جزارا
أيخجل مِن عيون خروفه الجزّار ؟ !
ويالله ! كم عانيت ُ، بعد الصحو، من كفيّ
لأمسح َ وصمة السكين !!
                  ***
أعديّ شاينا الليليّ
واختاري له ناراً بلا حطب ِ
ألا تدرين،
بأنّي شاعرٌ كالغصن ، بل غصن ٌ
فكيف – لأجل ِ شاي الليل – 
أكسِرُ أخوتي الأغصان ؟ !
/site/photo/10438
(*)                                            
أدخل للنص بعدستي البسيطة من قراءتي المنتجة، تتملص قراءتي مني وتدخل وحدها وتتركني خارج الفضاء النصي لقصيدة ( كابوس الشاعر ) للشاعر كاظم الحجاج .
وجيز القصيدة هو السطر التالي
( أعديّ شاينا الليلي 
واختاري له ناراً بلا حطبِ )
وهذا الوجيز هو الخلية الموقوتة في القصيدة . وهذا الوجيز هو شفرة القصيدة ومفتاح الشفرة الأسطر التالية
( ألاتدرين ،
بأنّي شاعرٌ كالغصن، بل غصن ٌ،
فكيف – لأجل ِ شاي الليل ِ –
أكسِرُ أخوتي الأغصان ؟! ) ..
بين الشفرة ومفتاحها، ينهض السؤال الجغرافي التالي : هذا التحاور الشعري بين الرجل والمرأة، مسرحيا أين يتموضع ؟! في صحراء الأثل مثلا ؟ في بساتين أبي الخصيب ؟! أعني في مكان لاهو البيت ولاهو الفندق، فالمكانان جاهزان بتلك النار الملجومة والعاقلة من خلال قنينة الغاز . من جهة ثانية تحدث نقلة مكانية تعلن عنها قولة الشاعر ( ..ناراً بِلا حطب )
(*) 
ترى قراءتي المنتجة أن ( كابوس الشاعر ) تشتغل على مكونات غزيرة :   
*الأسئلة الوجودية
*وجيز حكاية
*السؤال القفل / والتموضع وجوبا في قعر القصيدة 
*الأشتغال على الإحالة التكرارية بنسق ثلاثي فالقصيدة تكرر فعل الأمر ( أعدّي ) ثلاث مرات 
*الشخصية الرئيسة هنا هي النار .. وعنها يقول – صدر الدين الشيرازي في كتاب الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة/ ج1/ ص146 الكلام التالي .. ( النار لاتحرق الحطب لأجل تحصيل الرماد أو الفحم أو مايجري مجراهُ، بل لإدامة ذاتِها والمحافظة على صورتِها )
 وللنار نسقها الإحالي واسئلة الوجودية 
( أتختارين غصناً يابساً، بل ميتاً للنار؟ )
( أعدّي قِصة ً شتوية للنار )
( يخوّفُني خيالي، حينما يهتز حول النار )
( واختاري له ناراً بلا حطب ِ)
هنا النار مثبتّة تسمويا، وهناك نسق يثبت فعل النار، دون تسميتها
( أنُحرق أي شيء، كي نُدفىء شاينا الليليّ ؟ )
( هل نبقى نُدفُّىء بردَنا ؟ )
( نبقى نُعِد الشاي َ بالقتلى مِن الأشجار؟ )
حينما أحاول إنتاج اتصالية النار بالأغصان : أرى أنّ الشاعر يسعى لنقض هذه الاتصالية المؤتلفة مجتمعيا لدى الجميع، من خلال رهفه في التحسس المؤدي إلى اتصالية أنسنة الاشجار مع تشجير الوعي لدى الشاعر( شاعرٌ كالغصن ِ، بل غصنٌ،فكيف - لأجل شاي الليل – أكسرُ أخوتي الأغصان )
(*)
*الظلام : بوظيفة مثنوي للنار كما القهوة مثنوي الشاي في القصيدة 
(*)
*مساحة التأويل : لايحتاج النص إلى تقشير الظاهر، لأن ماوراء الظاهر شفيف جدا كوجوه الصوفيين وعيون الرهبان
 
(*)
هل ثمة تراسل مرآوي بين تحطيب الأشجار وسكين الجزار؟ هل يحاول الشاعر في القصيدة رفض تحقيق / تنفيذ الكابوس الذي ترآى كابوسا وخصوصا وأنه بعين اليقظة رأى
( ويا لله ! كم عانيتُ، بعد الصحو من كفيّ
   لأمسح وصمة السكين ! )
مابين القوسين يعيدني إلى ذلك الهايكو الصيني للحالم الذي رأى نفسه في الحلم فراشة ً؟ وللفراشة التي حلمت أنها رجلاً ) ..

(*)
من أنتج كابوسا ورجم الشاعر به ؟ 
 التعامل الشفيف مع شعرية الأشياء في العالم ؟ 
أم أخوية المحبة التي تجعل مولانا جلال الدين الرومي يعلنها في مثنوي له
( لم يعد يتذكر حياة النبات الأولى 
إلا حينما تهفو نفسه 
في موسم الأزهار الجميلة ) ..
(*)
قصيدة ( كابوس الشاعر ) ذات نواة قصصية أعني ثمرة القصيدة : قصة شعرية ذات نسيج حكائي يتمفصل في حدث واحد تبثه شخصية الشاعر وتقوده شخصية الشاعر وتنهيه شخصية  الشاعر، لكن شخصية الشاعر لن تستطيع محوه فتنتصر الضحية على الجزار بثبوتيتها على الجرم من خلال ( بصمة السكين ) .. في هذا الحكاية الشعرية الوجيزة ثمة تمسرح لحدث أكبر شريطة أنّ لانسرف في التأويل .. هل من خلال الكابوس يكتشف الشاعر ذاتاً منقسمة على / في : ذاتيتها وهكذا ومن خلال هذا الأنشطار الذاتوي تنهض مرآة ٌ وتمنح الشاعر حق التحديق في الشطرين .. ربما يتمكن الشاعر لتمييز : الفاعل عن المفعول في الذات المنشطرة : الخروف / الجزار
(*)
هل هو كابوس الشاعر؟ هل حَلمَ الشاعر حلمه هو؟ أم حلمها هي ؟ أعني المرأة التي يحاور؟ شخصيا الأحلام التي أحلمها في الغالب تحقق في سواي من الناس ؟
(*)
ثمة مبادلة في الأدوار المسرحية، كأننا ضمن الليالي الألف لكن في هذه المرة، يتخلى شهريار عن الإصغاء، ويغدو حكائا ماهرا متسيدا بشكل مطلق فنحن لانسمع شهرزاد، بل تصلنا محاورات شهريار معها : 
( أتختارين َ غصنا يابساً، بل ميتاً للنار ؟
أنحرق أي شيء، كي ندفّىءَ شاينا الليلي ؟
هل نبقى نُدفّىء بردَنا ؟
نبقى نُعد الشاي َ بالقتلى مِن الأشجار ؟
فكيف – لأجل ِ شاي الليل –
أكسِرُ أخوتي الأغصان ؟! )
هذه الأسئلة الوجودية، تعطل حركة المرأة، فالرجل لم يزجرها ليحسم الأمر . بل أستعمل التفهيم الأندراجي الرقيق مع المرأة، أي تنمية التوعية الشعرية لديها وهكذا أراد لها أنّ تكسر بنية التآلف المجتمعي ضد مملكة النبات، فشهريار هنا يأنسن الأشجار.. والشاعر كاظم الحجاج يرسم صورة شعرية جديدة لشهريار :
*فهو شهريار عارٍ من السلاح ( فأنيّ شهريارٌ دونما سيف ٍ)
* مسالم ( يُخوّفني خيالي، حينما يهتزّ حول َ النار )
*تقلقه شفرة فنجان القهوة ( وأخشى مِن ظلام القهوة ِ المنسيّ في الفنجان )
*تطارده رؤيا مرعبة ( ويالله كم عانيت ُ من رؤيا )
وللشاعر كاظم الحجاج علاقة حميمة مع شهريار، فقد صيّره ثريا مجموعته الشعرية الأولى ( أخيرا تحدّث شهريار ) في 1973
(*)
نسق الحكاية / الكابوس ..
أنّ الشاعر الحجاج يوّظف / يضيّف سرد القص بوجيزٍ من آلياته وإجراءاته
*زمن الحدث في القصيدة هو الليل وليل القصيدة ليس للنوم ( وجعلنا الليل فراشا ) بل الليل في القصيدة للسهر/ السمر المثنوي : رجل + امرأة 
( أعدي شاينا الليلي )
( اعدي قصة ً شتوية للنار )
( أعدي شاينا الليلي
 واختاري له ناراً بلا حطب )
(*) 
ثمة تغذية نصية ل( كابوس الشاعر ) وهذه التغذية : تعيدني إلى قصيدة ( لقاء إذاعي مع العريف المتقاعد حطّاب ) .. من قصائد كاظم الحجاج في ( غزالة الصبا ).. فالعريف يصرّح أثناء اللقاء : 
( إني رجل ٌ خاض الحرب
أتذكّر أني – وأنا أتقدم أو أتراجع –
في الأرض الأخرى – قد دِست ُ وروداً
وقطعتُ،لأجل التمويه، غصوناً
لاأدري كم كانت ..
ورأيت ُ النخل َ يُقصّ
ولم أحتجّ ولم أذرف دمعاً
وأنا فلاّح بابنتي، لكن ّ الحربْ
قد تُلبس فلاحاً طبع َ الجندي
وتُنمّر من يتردد في سحق النملة
ويصير الشاعر ُ قنّاصا !/ 59 )

وحساسية الرهف لدى الشاعر حين يقول 
( بأنّي شاعرٌ كالغصن ِ، بل غصن ٌ،
فكيف – لأجل شاي الليل –
أكسِرُ أخوتي الأغصان ؟! )
تعيدني إلى قوله الشعري في قصيدة ( في آخرالليل أهذي لأولادي )
( قلبي لم يكبر، ومازال بحجم الكفّ،
  قلبي لاشعر له كي يَبيضّ
وقلبي لم يتوظّف، منذ ولادته
ولذا لن يتقاعد يوما / 236 )
والشاعر يوصي أولاده 
( ولا تذبحوا الحيوان . أقول لأولادي 
 كلوا بيضه ُ وزبدتهُ واشربوا حليبّه،
لكي يصير َ أخاكُم في الرضاع )
وفي قصيدة ( عين الزيتون الأسود ) يتساءل كاظم الحجاج
( هل حقّاً نَحمي بالمَذبوحين رِقاب َ الباقين ؟
   أم نُرخصها للسكين ؟! /246 )
(*)
( كابوس الشاعر ) من النصوص الشعرية المرّكبة، يتمازجان فيه السرد والحكي حد التماهي فيما بينهما وهنا صناعة الشاعر الحاذق الماهر، والخطاب الشعري لايصل إلى القارىء مباشرة، فهو أعني الخطاب الشعري التحاوري الحكائي يتوجه نحو المرأة التي في القصيدة، ومن خلالها إلينا، وهذه الطريقة أستعملها الشاعر كاظم الحجاج بقدرات عالية وذات اقتصاد أسلوبي مكثّف .. وللحلم الكابوس الرؤيا وظيفة الاستعارة، فإذا كان الشاعر يوصي أولاده لاتذبحوا الحيوان ... ( لكي يصير َأخاكم بالرضاعة ) في قصيدته ( في آخر الليل أهذي لأولادي ) ألايحيلنا هذا الكلام الشعري إلى حكاية الخروف الذي يطارده الشاعر/ الجزار في قصيدة ( كابوس الشاعر ) .. ولفطنة فعل القراءة نترك تجميع الشفرة .. أليس حكاية الكابوس فعل استعارة/ رؤيا تنذر الشاعر أن لايكون جزار/ حطّاب للأشجار .. وهنا جماليات المعنى الأضافي الذي تزدهي به القصيدة الثرة ( كابوس الشاعر ) للشاعر كاظم الحجاج وهكذا يكون الشاعر إنسانياً من خلال كينونته النباتية في الدفاع عن الإنسان والحيوان والنبات ..
* المقالة منشورة في مجلة فنارات – يصدرها اتحاد الادباء في البصرة 2018
*كاظم الحجاج/ الأعمال الشعرية/ دار سطور/ ط1/ 2017
 
/site/photo/10437  
 
/site/photo/10442  
 
/site/photo/10440 

/site/photo/10439
 
 




 
الاسم البريد الاكتروني