قراءة موسيقية لرواية أورويل "1984" الكابوسية

علي عبد الأمير
/site/photo/10458
شهد العام 1984، صعوداً عارماً لظاهرة جورج أورويل*، الروائي الانجليزي استذكاراً لروايته "1984" التي كان كتبها عام 1948 وضمنها تصوره "الحياة في المستقبل". لقد كانت "1984" رؤية بانورامية لنظام متسلط قتل في الفرد البسيط معنى ان يكون "انساناً" و "حراً"، قتل فيه الحب ولجم قابلية الذهن على ممارسة التفكير بالحياة ماضياً ومستقبلاً وأحال الانسان "حاضراً محاصراً بالشبهات".
تلك البانوراما من العذاب الانساني وفرت فرصة لأحد مخرجي السينما الانجليزية وهو مايكل رادفورد لإخراج فيلم في العام ذاته الذي حملته الرواية عنواناً لها. و صاحبت الفيلم موسيقى وأغنيات تعبيرية، عمّقت ذلك الايقاع الحزين والسوداوي الذي نسجته الأحداث والفكرة، كتبها الموسيقي وواضع الألحان الغنائية المعروف ديف ستيوارت، وقامت بأداء الأغنيات رفيقته آني لينوكس ( معاً شكلا الفريق الغنائي "يورثمكس" الذي عرف طوال الثمانينات بأغنياته الطليعية والتي عرفها الجمهور البغدادي المحب للنغم الغربي المعاصر ) .



الألحان في الفيلم شكلت ركائز مهمة في تعميق الأحداث وجاءت مشحونة بأصداء العذاب والألم ومايلقيه الارهاب من عناءات على ضحاياه، فثمة لحن يصور المحبة في أشكالها الجسدية وفعلها الرحيب حيث تصير في مجتمع "أونسيانا" كما اسماه أورويل في الرواية، جريمة! فثمة عدسات دقيقة تراقب من بعد وعبر النوافذ بحثا عن "جريمة حب" مشبعة بالتعبير عن المأزق الذي اشارت إليه الرواية: الحب رديف الحرية في مجتمع كل شيء فيه خاضع لرغبات الطاغية !
لقد أوضح اورويل في روايته على إن "الانسان قابل لأن ينقلب تماما، لأن يصبح الجحيم بعينه، وانه ليست هناك ثوابت طبيعية أو أزلية في التركيب الانساني غير قابلة للانكسار، ويظل خطر الضياع قائما". وفي حمى تلك الانفعالات الأقرب لانحدار هاوية، تاتي مقطوعة "محبة الأخ الاكبر" لتجسد قوة الفقدان، فلا شيء باقيا سوى الظلام في النفوس حين يصبح الطاغية ايقاع الحياة ذاتها، ولاشيء تملكه سوى قوة التخيل والماضي .

/site/photo/10457
                                  1984 لجورج أورويل ما بين الفيلم (يمين) والرواية 

 
كانت العاطفة مثلّت الجريمة الأولى في ذلك المجتمع الذي اقامه أورويل، فالجريمة الأخرى التي يعاقب عليها النظام، هي الفكر، وهنا يقدم ديف ستيوارت مقطوعة موسيقية غاية في قدرتها التعبيرية عن لمسة الحنان التي تميزت بها محاولة (ونستون) -بطل الرواية- لكتابة مذكراته وأيامه الخوالي التي يرى فيها مجداً روحياً يتهاوى أمامه ليتركه وحيداً أزاء رعب شامل.
إن عبارة الجلاد أوبراين الاخيرة في الرواية والموجهة إلى ونستون: "لعلك آخر إنسان على وجه الأرض"، تحمل ما استطاع أورويل التنبوء به من سطوة الشر وضعف الكائن الانساني أمامه، وتواصلاً مع تلك الرؤية جاءت مقطوعة "تحيات رجل ميت" لتتناغم في الإحساس الذي يصل للمتلقي مع مقطوعة أخرى تذهب إلى تصوير مشهد غرف التعذيب بالفئران.
هكذا نجد ان الموسيقى المعاصرة وبمعونة عمل أدبي مميز، تستطيع ان تخرج من قالب الإيقاعات والأنغام الخفيفة، والذي يحاول البعض أن يوضعها فيه، إلى مستويات تعبيرية متقدمة.

معجزة الحب
الثنائي آن لينوكس و ديف ستيوارت دفعا بجديد الأغنيات في مجموعة حملت عنوان "إنتقام .... ريفينج" والتي كانت حقا اضمامة شيقة لفنون الموسيقى الجديدة التي يتقنها هذا الفريق. وكانت المغنية لينوكس سيدة الموقف، فتصاعدت انفعالاتها مع الأغنيات فأبدعت في الأداء، واجتازت بذلك كل النصائح التي حاصرها بها الأطباء، فهي مجهدة الصوت، جراء توالي الحفلات وطريقتها الصعبة في الأداء والتي تتطلب جهدا استثنائيا، وحفلاتها غالبا ما تكون اشارة لذلك الحضور الحي لهذه المغنية التي استطاعت ان تجعل من فنها الغنائي معادلاً موضوعياً لشخصية ملمهمة وخلاقة.
إن هذه المودة الصادقة والرعاية التي يوفرها ديف ستيوارت لألحان الفريق واشتراكه في الاداء والعزف على الغيتار والأورغ، جعلت الثنائي يواجه احتمالات التشتت بالمزيد من الأغنيات، فهما عبر هذه المجموعة يؤكدان امتياز اغنيتهما بالجودة فأعمال مثل "في هذه المدينة ... إن ذس تاون" حيث قوة التعبير والتغني باحتمالات التغيير والرهان على التفاؤل، تقنع المستمع بالانصات الجيد حتى يصل لكلمات أخرى لا تقل جودة عما احتوته أغنية "خذ ألمك بعيداً ... تيك يور بين أواي".
وحديث الأغنيات لا يتوقف، فهذا الفريق لا يأبه بالكثير من اللغط، ويختار بعيدا عن الفوضى اهتمامه الدائب بالجودة، فنحلم بأشياء رائعة وصباحات جميلة مع أغنيته "عندما يأتي الغد ... وين توموررو كمز"، وتغدو الأوقات ضاربة في ألوان الصخب التي يحتشد بها شارع خيم عليه الغروب كي يتصاعد من أغنية الفريق، ايقاع الاغتراب وتهرول في الثنايا أشجانها المبكرة، ترى هل تكون "المرة الأخيرة ... لاست تايم" التي تلتقي فيها بالاضطراب كما تقول الاغنية؟
وكي لا نرحل على عجل، يبقي لنا الفريق واحدة من الأغنيات الممتازة، وكلام الاغنية كان هنا بتأثير ميلودي ناعم من أجمل الاغنيات التي سجّلها وقد تكون قريبة في اندفاعها الروحي لتلك الأغنية التي عرفت الفريق للعالم وعلى امتداد واسع هنا في بغداد، وهي أغنية "أحلام لذيذة ... سويت دريمز" وتلتقي معها في تصوير الحلم الانساني وتجسيده قبل العاطفة.
ان الأغنية الجديدة للفريق كانت بعنوان "معجزة الحب ... ميريكل أوف لوف" وفي ذلك أكثر من شيء جميل، فالحب يقترب من تلك القدرة السحرية الإعجازية في السفر بالمشاعر نحو المدى الأجمل.

*علي عبد الأمير / مجلة "الطليعة الأدبية" بغداد 1988




 
الاسم البريد الاكتروني