العالمة الفرنسية كيفار واكتشاف المجهول

عالية كريم
/site/photo/10858
ان العقل البشري، هو اشبه بمنظومة سحرية تثيرها وتجذبها لسبر خفاياه ومعرفة اسراره 
 

يعاني ربع سكان العالم من اضطرابات عقلية خلال حياتهم، هذا ما توصلت اليه منظمة الصحة العالمية، مما جعلها هذه العالمة تطمح لاكتشاف متاهات العقل، وجعلها دائمة البحث عن  كل ما يتعلق بالدماغ البشري، على امل العثور يوماً على علاج لهذه الاضطرابات العقلية الخطيرة .
 
ان العقل البشري بالنسبة لها هو اشبه بمنظومة سحرية تثيرها وتجذبها لسبر خفاياه ومعرفة اسراره ... والبالنسبة لها، هو المادة الاكثر اثارة للدهشة، فكلما توغل العلماء والمختصون بالابحاث كلما بدا اكثر تعقيداً، واكثر اثارة لاكتشاف عالمه ...

انها الباحثة والعالمة، أستاذة بيولوجيا الأعصاب الفرنسية بريجيت كيفر، والتي كرست حياتها للعثور على علاج للاضطرابات العقلية الخطيرة مثل الفصام والزهايمر وادمان المخدرات .
 
/site/photo/10859  

ان دافع بريجيت كيفار وطموحها  هو اكتشاف المجهول، وبذا انتقلت بابحاثها وعملها المتواصل في دول عدة، وفي كندا، في مدينة مونتريال، اعلنت بريجيت كيفارعن آخر انجازاتها، في اكتشاف متهاهات العقل . حكايتها مرتبطة بالدرجة الاولى بمؤسسة دوبلاس في مونتريال التي تقع على ضفاف نهر سانت لورانت، فهنالك مستشفى دولير، الذي يستقبل المرضى الذين يعانون من امراض عقلية منذ عام 1881م، لذا، ومنذ البداية قرر العاملون في هذا المعهد ان ينشؤا مختبراتهم قريباً من مكان علاج المرضى .
 
على مدى عشرين عاماًن عرفت بريجيت كيفار استاذة بيولوجيا الاعصاب في فرنسا، ببحوثها اللامعة في معهد الوراثة والبيلوجيا المسمى تراسبور، وتم فيه تكريمها لمرات عدة، قبل ان تختار تحديا جديدا هو السفر الى كندا للاحتكاك مباشرة  بالمرضى، في ذلك الوقت كان العالم باسره ينفر من كلمة مجنون، وكانت مشافي الامراض العقلية تبنى خارج المدينة، كما كان مشفى مدريد الذي سبق ان عملت فيه، مشيداً في مكان بعيد، في اطراف مدريد، اما في مونتريال، فالمرضى يعيشون مع المختصين، حيث يعودوهم كل يوم، ومع اطباء ومهتمون يعملون بمجال البحث، لكن بين المجتمع والمريض العقلي ومنذ عصور ما قبل التاريخ، لم تتغير الاوضاع كثيراً، ، وكذلك بين الموارد القليلة المخصصة لعلاج المرضى، والتقدم السريع لعلاج الاعصاب هنالك بون ساسع، حتى وقتنا الحاضر،  .
 
لملئ هذه الفجوة وتطوير علاجات جديدة اطلق الباحثون مشروعاً عملاقا، هو عبارة عن انشاء خريطة للدماغ، وذلك لفهم الانسجة الذهنية الدقيقة، في البداية تزود المختبر بماسح ضوئي مخصص للفئران، قد يبدو هذا غريبا، لكن التراث الجيني لهذا الحيوان الثديي شبيه بالتراث الجيني للانسان بنسبة 98% وان كان الحجم مصغراً، لكن تتيح لنا هذه القوارض التعرف على الكيفية التي تتواصل بها المناطق المختلفة من الدماغ مع بعضها البعض للتعبير عن العواطف .
 
ما زال عمل الدماغ  يدهش هذه العالمة، كلما تقدمت بالبحث، تقول العالمة كيفار : ان نشاط كل منطقة صغيرة من الدماغ تعمل بحيوية، وعملنا هو لإنتاج مجموعة من الشبكات تعمل على تنضيد مشاعر او انفعالات، وعلينا ان نفهم  طريقة عمل الخلايا وكيف ترتبط هذه الشبكات مع بعضها، اعتقد ان هنالك وظائف عديدة للدماغ لم نستطع فهمها بعد، وسنكتشف اشياء مذهلة في المستقبل، الإكتشاف الأكبر في علم الأحياء كان الجينوم وقد قمنا بفك شفرة تسلسل الجينوم عام 2011 والخطوة الكبيرة التالية هي الدماغ، وهذا يعطي الامل لملايين المرضى الذين يعانون من امراض مزمنة .
 
لتسهيل عمل الباحثين يضع معهد  دوبلاس بين ايديهم كنزاً ثميناً محاطاً باجراءآت امنية مشددة في الطابق العلوي من المبنى، يطلق عليه اسم بنك الدماغ، وخلف ابوابه الموصدة، يوجد اكثر من 3000 عقلٍ بشري، تبرع به مرضى، ( قبل ان يودعوا الحياة ) املاً بالعثور على الاسباب التي تكمن خلف الاضطرابات العقلية التي اودت بحياتهم، ففي احدى القاعات مثلاً نجد ادمغة لمرضى الزهايمر، ووراء كل دماغ حكاية شخص عاش، وكانت له حياته العائلية والنفسية، فهذه الادمغة تمثل تاريخه وحياته، وهذا يمكّن من التعمق في دراسته، وما يمكّن من اكتشاف هذه الادمغة التي تحمل معلومات قيمة عن اضطرابات الدماغ، التي تولّد الاضطرابات النفسية، والإكتآب، وتؤدي بعض الاحيان للانتحار، انه امر يثير اهتمام الباحثين في جميع انحاء العالم، وهذا البنك الاكبر في العالم يرسل اكثر من الف عينة للبحث سنوياً .
 
ان الدماغ البشري فريد من نوعه، انه مثل البصمة الشخصية تماماً، فهنالك علامات على التهابات يمكن دراستها اليوم بشكل دقيق، وهي في عينات الدماغ البشري، ناتجة عن الامراض النفسية، لكن اثبت الباحثون مؤخراً ان الامراض النفسية سببها التهاب مناطق معينة في الدماغ، انه اكتشاف جديد ولعلها ثورة علمية .
 
لعدة قرون، توالت النظريات لشرح اسباب الامراض العقلية دون جدوى، لكن بريجيت كيفار على يقين من ان الاضطرابات البيولوجية في الدماغ هي المسببة للاكتئاب، الفصام، والادمان على المخدررات، وتقول بريجيت كيفر :
 
الطب النفسي مجال صعب للغاية والامراض النفسية لا تزال مستعصية على العلاج، استغرق الامر وقتاً طويلاً لندرك ان الدماغ عضو كباقي الأعضاء وان ملفاته تدخل في علم الاحياء، وان استطعنا فهم علم الاحياء، يمكننا فهم المزيدعن الدماغ، وعن فهم السلوكيات بشكل عام، وبالتالي عن السلوكيات المختلة ايضاً .
 
هنالك سؤال :  لماذا ينحرف النظام الدقيق للعقل البشري ؟ بريجيت تعتقد انها تمتلك جزءاً من الاجابة، فمنذ الثمانينات تخصصت في دراسة آليات جوهرية، وهي المستقبلات التي نجدها على سطح الدماغ البشري، هذه المفاتيح تستجيجب لمؤثرات خارجية، وتنظم عمل الخلايا العصبية، بمجرد ان تتفعل هذه المستقبلات، ستولّد سلوكاً .
عام 1992  كانت بريجيت كيفار العالمة الأولى التي حددت في مختبر في استراسبود، مستقبِل الدلفا، وهو اكتشاف احدث ضجة عالمية مستقبِل الدلفا هو الذي يولد في الدماغ الشعور بالنشوة، ويسبب الإدمان على المخدرات، منذ ذلك اليوم بدأت العالمة بالبحث عن مستقبِلات اخرى، وهذا تحدٍٍ كبير، لان ما يقارب مئة وخمسين منها ما تزال وضيفتها مجهولة في الدماغ، فلا يُعرف مكان هذه المستقبِلات في الدوائر العصبية بالتحديد،  ولا كيف تعمل للحد من الالم على سبيل المثال، هنا لدينا مستقبِلات تعمل كمخففة من الالم في هذه الخلايا، لكن في مناطق اخرى من الدماغ، تتغير وضيفتها وتساعد على الشعور بالنشوة . التحكم بهذه المستقبِلات سيمكننا من تطوير ادوية جديدة قادرة  على تفعيل اتصالات معينة في الدماغ، هذا هو امل بريجيت كيفار ونجاح طريقها في مجال حيوي هو اكتشاف الادمان على المخدرات فمنذ قرون لم نستطيع التخفيف من الالم دون الادمان على المورفين ومشتقاته، تضيف كيفر، هدفنا على الامد الطويل اكتشاف مهدئ من الالم لا يسبب الادمان، نوع من المورفين بدون اعراض جانبية، سوف نحاول ان نصل الى مركب ما يخفف من الالم، وهو موجود في قناة معينة داخل الخلية، والذي يسبب النشوة، وهذا سيكون له اثر كبير في المستقبل .
 
هذا النجم البيلوجي احدث ثورة في فهم اضطرابات الدماغ، لكن كيفار تريد ان تذهب ابعد من ذلك، عن طريق انشاء مركزٍ للطب النفسي الجزيئي، تقدر تكلفته ب 50 مليون دولار، وتحاول ان تجذب انتباه المجتمع العلمي لمشروعها الجديد حين تقوم عالمة رفيعة المستوى مثل بريجيت كيفر بتثبيت ان هذه الأمراض تسببها جزئيات في خلايا في الدماغ ،وليس لأن هؤلاء المرضى غريبو الاطوار، او غير ذلك من الأحكام المسبقة، التي تطلقها عليهم للاسف شركات الأدوية، وعلى مدى السنوات الماضية انسحبت بعضها بسبب تعقيد هذه الامراض وبسبب العار الذي يصاحبها، اعتقد ان علينا التصدي لمثل هذه النظرة السلبية والتأكد من ان المجتمع لديه الوسائل المناسبة لمساعدة المرضى .
 
ان العالم يتنظر بفارغ صبر، اكتشافات بريجيت المستقبلية، انه سباق ضد الزمن، لأن الامراض العقلية تودي بحياة الكثيرين، وكل عام تُسجل ما يقارب من 8 ملايين حالة خرف، حسب منظمة الصحة العالمية، واليوم وفي جميع انحاء العالم، يعاني واحد من كل خمسة اشخاص من الاكتئاب طوال حياته .

 

 

 

 




 
الاسم البريد الاكتروني