ديوان "الحريك"/ قصيدة

بن يونس ماجن
/site/photo/10525
بعد مسيرة خمسة أيام
بين المسالك الوعرة
منتعلا خفين من جلد الماعز الخشن
وصلت الى نقطة "الحريك"  * 
 
قبل الرحيل الى المجهول
والهروب صوب البحر
وضعت حفنة من حبات الرمل
 في جيبي
انتقيتها من شط بلادي المفضل
ثم تركت نعالي المهترئة
عند باب البحر
 
الليلة سيكون العبور
كان القارب مجهزا للابحار
الليلة هادئة
السمك في اجازة
والطحالب ناعسة
لا هدير ولا شخير
النجوم شاهدة على ذلك
والبحر ينتظرنا لمبارزته
المعركة بين الأمواج 
لم تبدأ بعد
ربان القارب
في مقهى الميناء
يعد حصيلة تكلفة الابحار
الى الضفة الاخرى
 
الابحار سيكون
على الساعة الواحدة صباحا
انسللنا نحو القارب 
 الموشوم باللون الأزرق
 
 
كان قائد القارب
ينتظر قدومنا
مختبئا وراء الصخور
وهدير البحرينكسر
على ساحل طنجة الناعسة
 
 
من بحر الى بحر
ننتظر الموت على قارب خشبي
فوق أمواج متعبة
وبحر لعوب
 
الى أن جاء يوم العبور
فوقفنا أمام البحر
نتوسل الى حورياته   
يا ليت لو حفروا لنا نفقا تحت البحر
يا بحر لا توصد أبوابك النائية
 
وقبل ان يستيقظ البحر من نعاسه
كان الفجر يركب آخر أمواجه
وقد كان كل شئ هادئا
 
حين اقتربنا من القارب
ركضنا اليه متسابقين
فاشار علينا ربان القارب بالجلوس
فامتثلنا
ثم دخلنا البحر خلسة
ثلاثون جثة  
ومضغة جاهزة للحيتان 
 
 
على عرش الليل البهيم
كان القمر يضاجع نجومه  
والبحر يلفظ قرابينه
 
توغل بنا القارب الخشبي
في أجواء البحر المظلمة
الامواج تصبح مصيدة هائلة
والسمك أقام سورا حولنا
نوشك أن نغرق
يا أصدقاء "الحريك"
أين المفر؟
 
صديقي يرمي نفسه
 في لج لا قرار له
ثم يصيح بنا:
انه بحر مليئ بالالغام
ان لم نتقن السباحة
سنغرق حتما
وسيقدودنا الى مرفأ
 معلق بين السماء والأرض
 
بينما كانت النوارس تحلق فوق رؤوسنا
كان قاربنا العتيق يبحرعكس التيار
أما الغربان فكانت تتجمل
 برغوة البحر الأبيض المتوسط
 
هذا البحر المزركش
له طعم لذيذ
يبلل ريق الحوت
رائحة المحار
تزعج الاعصار
فتثور الزوابع
ويصعد الموج الراقص
عاليا في زرقة السماء
 
ما أعتدت على الابحار
بلا جواز سفر ولا تأشيرة
لعل بطاقتي الوطنية
قادرة على تبديد
هول البحر
وأمواجه الهائلة
أنا الذي غازلت الموت 
أكثر من مرة
وما زال الهروب 
يتسكع في مخيلتي 
 
والآن صرت كسمكة القرش
التي  ترفض أن تغادر البحر
من أجل تحقيق حلمي
سأصارع الامواج
وأعارك أعالي البحار
وأركب المخاطر
ولا يهمني ان كان العبور
يفضي الى الموت البطئ
لاشيء يضاهي هول البحر
لكن عبوره
مغامرة سهلة المراس
أريد الوصول الى الضفة الاخرى
لم يبق مني غير جثة عائمة
فهزيمة واحدة تكفيني
سأتم رحلتي ولو بمجداف واحد
ولو في بطن الحوت
واذا تعسر ذلك
فسأعبره مشيا على الاقدام
 
 
أفتش في نفايات البحر
عن غنائم 
كنستها الأمواج الغاضبة
مجدافي وحده الكفيل
بايصالي الى مرعى خصب
عند ذلك سأكشف على طاولة الرهان
 كل أوراقي الثبوتية
وسأحرق كل ما تبقى
من حظي المغسول بتعاويذ
كتبها المنجمون
على مؤخرة قردة شمطاء
وسأعيد كتابة وصيتي من جديد
وسأبوح لكم باسراري
قبل موسم الحداد
وسيكون البحر شاهدا على ذلك
أسحب رائحته الى قاربي لينعشه
 
أنا الآن أتعارك مع ريح عاتية
قاربي في بحر متلاطم الأمواج
وجثث مبللة باردة كالصقيع
 
وانتظر الريح الغربية
لتحملني بعيدا 
ما ابعد تلك الضفاف
وما أقرب الأفق 
حين يلثم وجه البحر
 
غرقى مفقودون
ورسالة في قارورة
ساقتهم الامواج
الى شاطئ مجهول
 
 
يبدو أن البقاء في البحر
يشبه خلود جلجامش في بابل
 
في الشاطئ الآمن
حيث ينام الزبد
على امتداد الرمل
يتدحرج قارب الصيد
يمنة ويسرة
من بعيد
نباح الكلاب
يفسد متعة القيلولة
 
لماذا لا نكون كالاسماك
لا تحمل بطاقة هوية
في مملكة البحر
ولا ترتدي لباسا بلاستيكيا
 
وظل البحر يحدثنا عن زرقة مياهه
وعن الأمواج التي تحرض الطحالب
  على المد والجزر
 
يركل البحر امواجه
فتثور غضبا
 وهوالمحاصردوما
 بعاصفة من لون السماء
ولفافة من الزبد الكثيف
 
بيد أن الممر المائي طويل
لا يزال غائرا
وقاربي يتخبط فيه  ببطء
والامواج تنأى بنا عن شط الامان
 
 
كيف قدر لي أن اذهب الى البحر؟
ما الذي ينبغي علي أن أفعله؟
هذا هو قدري
ومصيري المحتم
 
"الحريك" عبر قوارب الموت
هو الامل المنشود للملايين
من العاطلين عن العمل
حرفة دنيئة تمتهنها
خلية تهريب المهاجرين السريين
الى جزيرة ابريا وايطاليا
فوق بحر زاخر بالغضب المحموم
 
يسكنني الهروب الى الضفة الأخرى
والتحليق الى آفاق بعيدة
كما أتوق الى عشب ندي كثير الاخضرار
 
الامواج العاتية
تلتهم  الارواح البشرية
 فيتحول الزبد الى مقبرة عائمة
 
قاربي في عرض اليم
جاثم على الماء
في دهليز عائم
تهدهده الامواج العالية
ركوب اهوال البحر
 يتبعه الغثيان والدوار
والغريق يستنجد
فمن يقذف به الى اليابسة
فمن يتطوع ؟
 
 
 
في جوف الليل
ركبنا البحر وأهواله
قاربنا المليئ بالأجساد
يصارع أنفاسه
فوق صهوة موجة عنيدة
ورياح مخاتلة
كسرت قاربنا المنكوب
وتذكرت أنني لا أجيد السباحة
وكنت أكره الماء
اعترتني حالة ذهول شديد
فشعرت بدوار
وفكرت بأن الابحار
بلا أقمصة وفلائك النجاة
وبدون مرآة عاكسة لاشعة الشمس
هو مغامرة خطيرة
ورهان غير رابح
لا يؤدي الى تربة الفردوس الموعود
لم يبق لي من أحلام 
سوى هذيان كبوس
ما همني ان صرت غريقا
فما زال لهيب "الحريك"
يشتعل بداخلي 
 
يتسائل البحرالحزين
من أنتم أيها التعساء؟
من أين أتيتم
ولماذا تغزون مياهي
بقوارب هشة ؟
 
 
 
 
 
من أنتم أيها الغرباء
هل لديكم وطن
هل ضاقت بكم اليابسة؟
 
أيها الغرقى
في أمواجي العاتية
سوف  نقيم لكم قداسا
تباركه القراصنة
 
ايها الغرقى
تزاحمون سمكي وطحالبي
وطيور السنونو
 
رفقا بنا أيها البحر 
يا أيها الملك الثري
نحن بؤساء اليابسة
جئناك على لوح
 نطرق بابك
متوسلين بموجك
أن يبارك لنا العبور
الى الضفة الأخرى
الى الأقاصي البعيدة
الى مملكتك العائمة
جئنا لندفن
ما تبقى لنا من الاحباط
فهل يتسع لنا صدرك؟
 
جثث تطفوا
فوق صهوة البحر
وثمة مهاجر متعب
يحمل  أمانيه المتشظية  
ويدخل في نفق مظلم
على متن قارب متوتر
تتقاذفه امواج بحر هائج
 
لماذا لا نحفرله بحرا جديدا
ونضع فيه ماء عذبا
وامواجا من حرير
ورمالا من الزجاج الخالص
وطحالب وفراشات
ورياحا صديقة
تتعاطف مع سفنه و قواربه
هذا المهاجر السري
يتوق الى  شواطئ بلا مرافئ
فهو مطارد
و شرطة خفر السواحل ترصده
 
لماذا لا نحفر بحرا
ونحرر الاسماك 
كي تجرب العيش على اليابسة
 
ترفض السنونوات التحليق فوق بحر
لا يملك أمواجا مضطربة
ولا يتوفر على سترات النجاة
 
 في قاربنا العتيق
فتاة مغربية 
و طفل أندلسي من أصل موريسكي
وعجوز أمازيغية
من عمق جبال الاطلس
وثلاثون مهاجرا افريقيا
 
الى الذين لا يعرفون اين يقع بلدي
على خريطة الماء
نقول لهم ليس لديكم ذكاء الطحالب
ولا حكمة السنونوات
للبحر باب في مضيق جبل طارق
لا يفتحه الا "الحريك"
 
 يعتريني هول شديد
وأنا السندباد المغربي  الجديد
دلني يا أيها البحر
على مرتع آمن 
بين أمواجك
لعلني أسكربرغوة زبدك
حتى ولو كان فاترا
 
تتوهج مشقة العبور
تحت بوابة الأمواج
وصيد وفير ينتظرني
رمال ملأى بالجثث
تجرها الطحالب
نحو شواطئ مهجورة
 
ومنذ ذاك الحين 
وأنا أسأل هل مازالت الضفاف بعيدة
عن مرافئ النجاة
ماذا تخبئ  في منعطفاتها
وهل ما زال البحر يجلس على أريكته الرملية؟
ويضاجع طحاليبه فوق الموج الثائر
فيسرع طائر النورس نحوي بالجواب:
كم هي خصبة تلك المراتع 
الرابضة فوق الشاطئ الآخر
كم هو وافر ذلك الحصاد
على جسد الماء
 
كان البحر يتوضأ برغوة المد
حين دهمته قوارب الموت
وكان يقيم كمينا غادرا
وحدها المرافئ تبكي
والسنونوات تكفكف دموعها
 
يجدل البحر ضفائر الماء
ويتحسس خصر الأهداب المخملية
أعشابه  تستحم فوق الرمال العارية
 
السمك يخرج من البحر حيا
ونحن ندخله أمواتا
وهل "الحريك" سوى الثأر
الذي نفدي به الكبش؟
أم هو انفراج للانتحاريين
 
جثث تطفوا على وجه الماء
قرب أريكة رملية
يجنح قاربي هاوية
فتتلاعب به أمواج وحيتان
 
يضيق البحر بأشرعتنا وقواربنا العتيقة
وأمواجه لا تهدأ
والقارب الذي تداعبه العواصف
صار شظايا عائمة
من موج العبور حتى شاطئ النجاة
صار هذا الشاطئ
لا يتسع حتى لرفات البحرالميت
ثمة موجة شاطرة
تطل عليه
وتغازل أفقه اللعوب
 
هذا الشاطئ
يكره السمك الداكن والمجعد
والحيتان الأسطورية
آه ..كم يحلوا له الابحار
بين المد والجزر
 
الأشرعة في الشط الآخر
تتحطم
وأطواق النجاة
تطفو على وجه الماء
 
وحدي أصارع الأمواج
في عرض البحر
تحت رحمة تياراته العاتية
أحيانا يخيل الي أن مركبي الهش
سيمرغ رأسه  في ممرات الملح
ما أعذب ملح البحر
وحين تتناسل الخفافيش
فوق زوبعة غارقة في سحب الصيف
حتما ستجدني أتسول في زرقة السماء
 
ليت البحر جسرا
يمد دراعيه
لكي نعبره بآمان
ليته خشبة جاهزة
تقودنا الى شط النجاة
أو حصاة رمل
نتعلق بها 
علنا نفوز ببصيص أمل
 
وحين يضحك البحر العجوز
تسخر منه النوارس
وتمطره ظلاما
بأجنحتها السوداء
 
 
 
كم شابا يانعا من قريتي
لقي حتفه
وأضحى في عداد المفقودين
قبل الوصول
أو بعد العبور
 
كم جثة انتشلت
من تحت الرمال
والصخور
 
جثث على الشاطئ
جثث على الرمال
جثث في العراء
جثث على السواحل
جثث عائمة
جثث مغدورة
غص البحر بالجثث
جثث تعبت من الحياة
تعفنت في قعر البحر
فلفظتها الامواج
تأففا من طعمها
 
أيها المهاجر
ايها المغامر
ايها المقامر
بحياتك
انت كالجندي المجهول
الذي سقط في ساحة الوغى
أراك تحمل نعشك
فوق ألواح مبللة
أيها الطائر المهاجر
أراك تحلق الآفاق
بلا جناحين
صرت لا تعبأ بدوار البحر
ولا أهواله
زورقك تلتهمه الامواج المضطربة
 
البحر ليس له حدود
بل له باب واحدة
يلجها الغرقى
وصيادوا الطحالب
على ظهر قارب خشبي
 
سمك القرش
مل لحوم البشر
لا طعم ولا نكهة فيها
 
آه ! كم اشتقت لهدير البحر
وشطحات الموج
سوف أعبر ذلك البحر
قالها لنفسه
ثم قالها لأخيه الأكبر
ثم لصديقه في المهجر
في جيبه خريطة مائية
وبوصلة
كان قد اشتراها
من سوق الجوطية
وحرز ضد الغرق
وآيات من الذكر الحكيم
من سورة نوح
مكتوبة بقلم رصاص
في دفتر مدرسي متآكل
 
سوف أعبر البحر
وكفى...
لقد أغواني "الحريك"
على ظهر قارب
ينبت هاجس الهجرة
 
دون استئذان
أدخل الى البحر
على متن زورق عتيق
لقد وعدت نفسي
لا رجوع الآن الى الوراء
سوف أحقق كل أحلامي
"الحريك" يتوهج بداخلي
تستريح وحشة البحر
فوق زورقي
الاعصار يزداد خشونة
والامواج كأرجوحة
في مهب الريح
 
عندما يخدش مجدافي
وجه البحر
أواري هويتي
في  زجاجة                        
والق بها في الموج
وانسى من أنا
حتى أصير مجهول الهوية
 
ويبقى في البحر
غير السمك
أنا أيضا سمكة بشرية
أسبح في الزرقة القاتلة
لأتم مشواري المائي
وأتوارى 
وراء المحيطات النائية
لكي أتجنب
زوارق الانقاذ الاسبانية
 
قاربي
هو نعشي
وكفني
ومقبرتي العائمة
وعلى ظهره
أقطع المسافات المائية
ثم أعود محملا 
برفات الآخرين
 
 
لم أكن يوما
من سلالة السندباد البحري
ولا أجيد السباحة
حتى في بركة الوز
فوق موج الموت
أصارع غمار المجهول
لكن من آن لآخر
أقفز الى الماء
لانقاذ سمكة
من الانتحار الاضطراري
 
أنا المهاجر غير الشرعي
حاصل على مؤهل جامعي
كل يوم أقف في طابور البطالة
أعيش تحت خط الفقر
من على سطح 
المركب الخشبي المتهالك
أحدق في الموت المحقق
والقي نفسي
في عرض البحر
 
 
كل شئ
يعتلي أفق الأمواج
حتي مصابيح الفنارات
التي تعربد في الهواء
السماء غابة من نجوم ناعسة
والغيوم مندلقة
على أعتاب السديم
لكي تهدأ  أعصاب العاصفة
تتناثر حبات المطر الشفيف
فوق قوس قزح
فيبتسم
ثم يرخي ألوانه الزاهية
 
من باب المنفى
دخلنا الى أروقة البحر
وما زالت أمواجه تجرجرنا
ومن قعر البحر نغرف رغوة النجاة
كل الاتجاهات تعرج 
في موج موحش
 
دخلت البحر
سلمت على الحوت
وعانقت الطحالب
نويت الابحار
بمجداف واحد  لا غير
رحب بي البحر
وتمنى لي حسن الحظ
 
 
كانني بحار مبتدئ
على متن قارب خشبي
أمخر عبابا لا عمق له
واكتب وصايايا للحوت
 
في زبد البحر
نقشت ملحمتي البرية
وجلست الى سرب النوارس
بربابة بحة أعزف أنشودة الضياع
فصرت لا أقوى
على حمل الغياب
ولا املك تعويذة سحرية
للوصول الى الموج الصاخب
من بعيد
أراقب الطحالب
وهي تنشب مخالبها
في خصر البحر
المحتشد بجثث اليائسين
 
أين المفر؟
قواربنا تجري بلا جدوى
على وجه البحر
والموت ينساب
عبر أمواجه العاتية
كانه ظلام دامس
في شبه أخطبوط
يحبو علىشطحات الماء
 
الموتى 
يعودون الى مسقط رأسهم
في وطن لا يعرفهم
ليقصوا عليهم             
 مغامراتهم
 ما وراء البحار
والغرقى ينصتون
ويتاسفون
عن ما فاتهم
من فرص ذهبية
 
حتما
لن نرهقكم
أيها الاحياء
والمرشحون للهروب
انتم غير قادرين
على تحمل
فوق أكتافكم المنهاكة
متاعب الخيبة
والاحباط الشديد
لا تشغلوا بالكم كثيرا
 
لاعالة سبعة أفواه
يرشح الرجال أنفسهم
لركوب أهوال البحر
انهم حقا  يتامى بلا وطن
 
الفلوكة المهترئة
تتأرجح في عرض البحر
حولها جثث تطفو
فوق سطح الماء
 
السائرون في مناكب البحر
لا تهمهم الاشارات الضوئية
ولا الفنارات الساحلية
فهم يديرون ظهرهم لها
انهم ينبشون الوجع الداخلي
 
ودخلنا بحرا متلاطما
دون جواز سفر
نحن الآن مصنفون في خانة  Los Irregulares
تحلق السنونوات في السماء
ونحن نصارع الأمواج
لا وطن لنا
لا هوية
سوى عراء المحيطات
ورغم ذلك
لاتضل السنونوات الطريق
فهي كالسحب العابرة
تتقن الوصول الى الساحل الآخر
من الجزر البعيدة
 
وبريق الأضواء
يعسل ملوحة البحر
ويغري بالبقاء
تحليقات الأسراب
ونعيق الغربان
وأسماك متناحرة
فوق لوح قارب مكسر
 
هكذا يتم انتتشال الغرقى
بلا مراسيم جنائزية
امام صمت الموج
وغدرالبحر
 وخديعة العبور
 
هل البحرساحة زرقاء
أم قبور سوداء
في بطن الحوت
وهل يتوسد الرمال؟
 
يبصق المهاجرفي البحر
ثم يغرف ما يكفيه
من رغوات الزبد
والزبد ينام على ذراع الموج
وحدها الطحالب
تضاجع أعشاب البحر
وتفض بكارته
والرياح تمتطي زوبعة عاتية 
وتتكا على سحب غير مستقرة
 
آه كم أود تقليص البحر وطيه
في جرعة واحدة
وتوزيع ما تبقى من أطرافه
على المد والجزر
لكي تلتهمه الزوارق البخارية
والقوارب المطاطية
 
أسير بمحاذاة السراب
أغرف منه
نسيم البحر
أتحسس جيبي
خارطة "الحريك"
من سيدلني على
طرفاية أو طنجة
أو صخرة جبل طارق
او ربما السعيدية
وحده البحر سيحضنني
فقط لا غير
 
أسند ظهري
الى الموج الغادر
ظننت أن لا شيء
يمنعني من دفن هويتي فيه
هكذا كان "الحريك" دوما
يغريني بالابحار
 
 
دخلت في دهاليز الموج
حاملا جثتي
كأن شيئا لم يكن
في وجه الأسماك الجائعة
لكنني سأظل أرصد
الزبد المحتضر
على الرمال
وسأدفن شظايا الريح
في أخاديد البحر اللعوب
 
 
لا أملك سوى حبة رمل
أبني بها قصوري الرملية
في أعماق المحيطات
هدير الأمواج
يكاد يلهيني عن "الحريك"
ليس ثمة من يباغتني الآن
بالغوص في مياه غادرة
 
 
سوف أحمل للمنفى
ذاكرتي المثقوبة
ليتني كنت بحارا أسيرا
في قلعة القراصنة
لكي أتعلم السباحة
ومناورة الامواج العاتية
 
في الشاطئ الرملي المضرج
نساء حوامل
يتوحمن بملوحة البحر
ويتمنين للحوت البقاء 
 
 
أهو بحر غير قابل للعبور؟
أم هو بحر عنيد؟
لا يعرف الرحمة
غليظ القلب
أمواجه عاتية
ورماله غادرة
 
في بحر ضيق
يتزاحم المهاجرون
وتعسكر حوله
جثثهم
 
بعد رحلة صيد شاقة
في أعالي البحار
وصل القارب اليابسة
هناك على الرمل
سمكة واحدة تحتضر
وصدف ميتة
يهديها البحر
الى الهاربين
من عتبات اليأس
 
على متن موجة
مفروشة بالجثث
يراوغ الغريق
دوار البحر
غير آبه بالمارد المائي
عند منعطفات التيار الجارف
 
بيدي لا بيد البحر
قد وعدت نفسي
ألا أعبره
لكن "الحريك"
يراودني عن نفسي
كنت مهوسا بالهجرة
فصرت بحارا فاشلا
لا تبهرني أضواء
الفنارات البعيدة
ولا الأفق المغموس
في زرقة السماء
 
للبحر باب لا يفتحه  الا "الحريك"
كل شئ يصبح  محارا
في أحشاء البحر
حتى جثث الهاربين
من الأرض البوار
 
"الحريك" على حافة البحر ينمو
هذه الورقة الرابحة-الخاسرة
المتغلغلة في أدمغة الشباب الطائش
والراسخة في أعماقهم
ما هي الا اعصار
فوق رمل مخاتل
وانتحار في أعالي البحار
 
ورثنا حرقة الهجرة
عن أجدادنا الأولين
لا يطفئها الا "الحريك"
ابن بطوطة
كان يغازل أعالي البحار
والادريسي
دون خرائطه
بماء المحيطات
وآخرون
اكتشفوا كوكبا
يشبه البحر
لا يسكنه أحد
ولا يمخر عبابه
القراصنة الجدد
 
يضيق بنا الوطن
وسماءنا لا تمطر عملا
يتامى على موائد الغربة
رحيق الصبار في كؤوسنا
والحنظل يلهب حلوقنا
وحدهم الموتى لا يحلمون
بالضفة الأخرى
 
فوق رؤوسنا سنونوات
وغراب أعور
يأكل ما تبقى من أدمغتنا
طالما حلمنا 
بلامنيات الخائبة
التي كنستها
الامواج الغاضبة
 
فدعونا نتشاءم قليلا
دعونا نزداد غربة
اتركونا نسجل خسائرنا
ونقتات من خيباتنا
فمركبنا انحرف و انكسر
وألواحه البائسة
 تطفوعلى وجه الماء
تتلاعب بها الأمواج
لقد أشرفنا على حافة الموت
ولم يسلم منا أحد
فوداعا...يا بحر الظلمات...
 
/site/photo/10526 
 
* الحريك كلمة باللهجة المغاربية تعني الهجرة غير الشرعية
 
                                                     لندن – 2007  2009-
 
 
بن يونس ماجن
شاعر مغربي  من مواليد مدينة وجدة  عاصمة المغرب الشرقي
يقيم في لندن
يكتب بالعربية والفرنسية والانجليزية
صدرت له عدة مجاميع شعرية
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 


________________________________________




 
الاسم البريد الاكتروني