مظلتان لشخص واحد/ السياب مِن خلال يوسف الخال

مقداد مسعود/ البصرة

الأدب هو الأدب لا أسلاك شائكة، ولا أضطرب في هارمون الأيدلوجيا . الأدب هو الذي أنقذني من الحياة المسموتة .. منذ بدايتي  شاكست ُ العرف الأيدلوجي ولذت بكتابات سارتر وبرتراند راسل وأكتشفت كنوزا في سرديات كامو التي يغار منها الشعر الحقيقي، وتورطت في محبة ما يكتبه يوسف الخال وحلمتُ برؤيته يوما ومعانقته ُ.. هل رأيته ُ كما رأه أنسي الحاج : ( أحدى الشجرات الوارفة على درب القيامة .. ؟ ) وحتى المفكر الكبير عباس محمود العقاد الذي أساء فهم الفكر الماركسي .. مازلت أعود الى بعض مؤلفاته التي لن تجف محبتي لها ..
 
(*)
 
في طراوة تلك الأيام، كانت الأعمال الشعرية الكاملة للشاعريوسف الخال : مرآة روحي وفي 1986، كان طوافي طويلا حول  ،، رسائل إلى دون كيشوت،، فيها كان يوسف الخال ينثر الكلمات شعرا ما بعده شعر.. وأصعب ما في شعريات نثره :  البساطة الصقيلة كواجهة زجاجية نظيفة نظيفة .. في تشرين الثاني 2012، ألتقطت ُ من شارع الكويت في العشار،، الحداثة في الشعر،، ولم أسأل البائع ولم يطلب مني مبلغا معيناُ، ( عيناه تقولان : اليوم جاءني هذا الكتاب وراهنت روحي لن يأخذه سواك ) . بالنسبة لي أصدّق كلام البائع .. فأنت حين تحب ُ كتباً معينة فهي تحبك أيضا وتنتظرك لتكون لك وحدك وحدك ..غسلتني فصول كتاب الخال من كل الغيوم التي يطلقها معارفنا الألداء في الثقافة .. أقول المعارف ولا أعني الأصدقاء لأن النوع الثاني غابوا في مجاز اللغة وتركوا رؤوسنا بلا وسائد أكتافهم المخلصة .. في 2016 مَن يعتبرني خاله ومستشاره في الحياة أهداني : أجمل الهدايا ،، دفاتر الأيام،، مقالات بسعة ( 400 ) صفحة للشاعر والكاتب يوسف الخال . من ص 234 التقط هذه المعلومة ( بدأ نزار قباني ولو متأخرا، يقترب من ،، جدار اللغة ،، والمقصود أن نزار،، أعلن اعترافه ب،، قصيدة النثر،،  وهنا يعلّق يوسف الخال بدقة جميلة،، قولا جميلاً ولم يكن معناه جديدا،، وبعد كلام آخر لنزار قباني، يعلّق الخال،، ثم أضاف قولا آخر رددناه كثيرا في مجلة ،، شعر،، وبدوري أعلق أن يقظة نزار قباني هذه هي بحق يقظة متأخرة جدا في منتصف ثمانينات القرن الماضي ... 
 
(*)
 
يوسف الخال يستوقفني في فهمه إلى اللغة ولا أدري لماذا يعيدني هذا الفهم الخاص إلى  تزفيتيان تودوروف في هذا المجال ؟ منظور تدوروف عميق جداً  ( هناك إذن وعي باللغة في أساس الفعل الأدبي ) .. من منظور تودوروف، ألتقط هذه العينة الصغرى ( وعي باللغة ) أصيّرها مبأرة تحت المجهر، فتلامس عينيّ منظوماتٍ متنوعة ً من الوعي . في هذا الوعي اللغوي : حراثة المعرفيات – الإصغاء إلى إيقاعات الحياة اليومية – تحصين العزلة – النأي عن فجاجة التعبير الإعلامي – الصبر الطويل في تصنيع طغرائك المميزة في الحياة والكتابة ... ولا أسأل أحدا : هل تمتلك الكتابة السائدة التي تلوّث البيئة الثقافية : وعياً برثاثتها ؟ ! ومن يستأصل لنا هذه الزائدة الدودية من جسد الثقافة العراقية ؟!.. مابين قوسيّ تودوروف : من يومها ، جعلني أتمهل عميقا وأهبط مثل عمال البحرالفقراء أهبط مع صيادي اللؤللؤ .. فالأمر يتطلّب تدريبا ثقافيا دؤوبا يمهّد لنا عروجات توعوية لغوية ..
 
(*)
 
يوسف الخال وهو يؤكد على ضرورة الوعي باللغة الشعرية التي نكتب بها / من خلالها : ( الشعر لغة، أو هو حياة اللغة . لولاه لا تتجدد ولا تنمو ولا تبقى فهو دائما يخلقها ،، كتابيا،، بينما المتكلمون يخلقونها،، كلاميا،، وبين الخلق،، الكتابي،، والخلق ،، الكلامي،، صلة حميمة .. بضرورة اقتراب الشعر من كلام الناس والافادة منه حتى من حيث النغم /227 ) .. لا تعليق لديّ ولا أسأل يوسف الخال فهو في ذمة الخلود .. أسألني : ماتمناه الخال تمناه المصابون بلوثة الشعر الحقيقي .. ولكن أين هذا الذي يستحق منا كل هذه التنازلات ؟ ضحينا من أجله ونضحي ومازال هذا المخاطب راسخا في جموده لغويا وأخلاقيا وأجتماعيا .. رحِم الله دعبل الخزاعي وهو يصرخ شعراً
( ما أكثر الناس بل ما أقلهمو –       الله يعلم أني لم أقل فندا
  أني لأفتح عيني حين أفتحها – على كثيرٍ ولكن لا أرى أحدا .. )
 
(*)
 
تعجبني دقة يوسف الخال في تقيم تجربة أدونيس آنذاك، أقصد في الثمانينات : ( كان أدونيس، الذي أمضيت في رفقته أجمل مراحل حياتي الشعرية، ينعم بالكثير من مواهبه، لو أنه تغير لا بقصد التغير. وهذا يجعل أثره الأيجابي ضئيلا في الجيل الذي يحاول استقطابه، ثم في المستقبل الذي نحاول كلنا الاستمرار فيه . فالتغير من طبيعة الحياة لكنه ان لم يكن عفويا وصادقا وحقيقيا فهو اتعس حالا من الجمود ) يهمني من كلام الخال فقط هذه الجمل :
 
( لو انه تغير لا بقصد التغير ) .. لأن القصدية : إستقواء براني . وهذا يعني يوسف الخال يميز بين : التلقائية والقوة ؟ في التلقائية ثمة تسيير ذاتي توعوي يتدفق . أما في حالة القوة فهناك يدٌ تدفعك دفعا أو تسحبك من معصميك ..؟
 
(*)
 
حين يتوقف يوسف الخال، عند السياب يصفه هكذا ( في بدر شاكر السياب : انت أمام رجل أحب الحب فأحب الحياة، وقضى في نفسه حسرة من كليهما ) ويقتطف الخال من بستان ذكرياته مع السياب، ويرشقنا بشهادته المعطرة عن السياب.. ( قلما اراد من متاع الدنيا غير ما اعتبره من حقوقه، وفي هذا ما أراد شيئا لنفسه، ولأنه عاش للشعر، كان للشعر عطاء كله.. ).. وعن مصداقية السياب الشخصية يشهد الخال ( وكان من الأصالة والصدق بحيث اتحد مع ذاته ايضا، ككل انسان، أعزل أمام الحياة والموت.. ) ومن جانب آخر تتجسد في السياب ( ترفعه عن الصغائر ونجاته من الغرور ) ومن ناحية تاريخية الشعر فأن السياب بشهادة الخال ( وجد التاريخ فيه خيطا يصل جاهلية العرب تلك بجاهليتهم في القرن العشرين ) وقصد الخال في ذلك أن السياب في بعض قصائده : بكى واستبكى وذكر الحبيب والمنزل . والسياب كان يحب الإصغاء والتلمذة، وإذا ( قرأ نتاجه الجديد، تقبّل النقد وناقش فيه الصغير والكبير ) وحين يعثر على كتب شعر جديدة فيها القصائد الجميلة، يراه الخال سعيدا جدا ومتحسرا أيضا، ويخاطب السياب يوسف الخال قائلا ( أين نحن من هذا الشعر؟ )
ويرى يوسف الخال سمة سيابية كبرى، وهي أن السياب لم يسقط في جفاف العاطفة وفقدان العفوية ولم يتورط في بهلوانية التعبير .. لذا ( ظل آخر بيت من شعره كأول بيت فيه، زاخرا ومتدفقا وعلى بساطة لاصلة لها بالسهولة التي اساءت الى الكثير من الشعر ،، الحديث،، ) أتوقف عند ملاحظة يوسف الخال، إذا كانت قوة التدفق نفسها منذ البدء حتى الختام، أين التطور المتصاعد الذي تألق فيه السياب ؟ أعني لابد من أن يؤدي هذا الكم الشعري الجميل إلى كيف مغاير،أعني إلى جهوية أو جهويات جديدة، هي التي جعلت السياب في تألقه الدائم.. وبخصوص البساطة التي أساءت للشعر الحديث، لايخلو كلامه من صحة، وهذه البساطة، التي لم يعلن الخال عن اسم رائدها الشعري، التي تورط في قسم كبير من قصائده فيها، ربما هو الشاعر عبد الوهاب البياتي ..
 
(*)
 
ويواصل الخال منقبته في السياب وهو يذكر سماته الكريمة :
 
* ومن ذكرياتي عنه براءته وسذاجة طبعه على ذكاء فكان مردهما عنده الى قوة الغريزة فيه .
*ومن ذكرياتي عنه، حلو معشره، وخفة ظله، وميله الى الدعابة . ومع انه أحب المجالس، الا انه قلما تصدرها عن شعور بالنقص أو أدار أحاديثها عن ادعاء .
 
* كان على ضآلة حجمه مهيبا،وعلى هزال طلعته وسيما تغزل عيناه السحر، وتفجّر ضحكاته المرح
* كان نظيف اللسان، فما أهان اللفظة ولا تناول مخارج حروفها بعنف .
* وإذا ماتكلم على أحد بسوء، فكمن يلوم النفس أو يستميح العذر
* واذا شكا همومه، وهي كثيرة، فتندرا، أو تناول خصوصياته فبحياء، فكأني به وهو الكبير القلب والنفس ابى أن يكون له من الدهر من الخصوم غير الدهر .
وأختم كتابي هذه بمايقول الأستاذ الشاعر يوسف الخال عن السياب :
 
في حياته وموته، مأساة قلّما عرفها الشعر في كل تاريخه
وكم كان يذكرني بأيوب، منذ أن شكا اليّ من ساقيه، ثم تباطأ
بهما، ثم حملهما بدل أن تحملاه الى اليوم الأخير . بدر ذكراه
ستبقى في تاريخ الشعر العربي، مابقي هذا الشعر .
 
* يوسف الخال / الحداثة في الشعر/ دار الطليعة للطباعة والنشر/ بيروت/ ط1/ 1978 كانون الأول - ديسمبر




 
الاسم البريد الاكتروني