عن قصيدة النثر

د.علاء العبادي
/site/photo/10629
ملاحظة: سنمرّ في هذه القراءة السريعة بأسماء بعض الشعراء البصريين، وليس غفلة منا أن أسماءَ كثيرةً أخرى لم يرد ذكرها ستكون محورا لمقالة أخرى طويلة .
 
ما دام شاعرُ قصيدةِ النثر غيرَ ملزم بمحددات القصيدةِ العمودية أو قصيدةِ التفعيلة من قافية ووزن ونظامِ بناء صارم فإن دخولَه عالمِ قصيدةِ النثر يعني الولوج في غابة غيرِ مأهولة، وحشيةٍ وبدائية ومقدسة، وهي أشبه ما تكون بجنة مكتظة بالمقدس والجميل والساحر والمخيف .
 
إن العبأ والهمَ والمسؤوليةَ الواقعة على شاعر قصيدةِ النثر لأكبرُ من تلكم الواقعةِ على شاعر العمود، فشاعر العمودِ يتكأ على الوزن الثابت ورنينِ القافيةِ وترادفِ الأصوات ليؤثر في وجدان القاريء حيث تعمل تلك المنظومة الموسيقية على توليد الإنطباعات المؤثرة في المتلقي فيشعر الأخيرُ بالرضا والامتلاء حين يتلقى القصيدة، حتى لو لم يُلِمّ بكل أطراف مدلولاتها وانثيالاتها وشجونها .
 
أما قصيدة النثر فهي روحٌ غريبة متمردة تجوب القفار وتتلظى بنار الغربةِ والوجع لأنها حرةٌ منطلقةٌ لا تلتزم بقيود القصيدة التقليدية وستراتيجيتها، والحرية مسؤولية والتزام، والإلتزامُ هو الكشف والرؤيا الصادقةُ والدخولُ الى منتجع ممارسةٍ إشكالية لا تناظر المتوقعَ والمألوف. ومن ناحية أخرى، فأن شاعر قصيدةِ النثرملتزم بقواعد وأسسٍ خاصة به يخلقها من مخياله الخاص وتُصبحُ دمغتَه المعبرةَ عن دواخله بحرية شفيفة والكاشفةَ عن خطابه المختلف . وقد تتغيرُ تلك القواعدِ بين زمن وآخر أو بين قصيدةِ نثر وأخرى حسب مزاجِه وخيالاته وخلجات روحه والمؤثراتِ النفسية والفكرية المحيطة به .
 
يمتلك شاعر النثرحريةً تتيح له إمكانية َاستغوارِ ذاته و طرح أسئلةٍ قد تجد لها جوابا أو لا تجد، وتُصبح قصيدة النثر بالتالي ذاتَ طاقة شعرية تعبيرية لا تقلّ ربما عن تلك التي تختص بها القصيدة العمودية، إن لم تزد عليها، فالصورُ والاستعارات والكنايات والتقنيات الأسلوبية والمضمونات الفكرية والفلسفية والنفسية تعطيها زخما قويا وطاقة خلاقة .
 
يُحلق شاعر النثر عاليا في فضاء ذاته رغم الإنكسار والتشظي والخذلان . يقول عادل مردان "هو لا يخذلكم ولا يخذل نفسه/ إنه أشعر الشعراء/ ذلك الطائر الذي/ يحلق بربع جناح" . الشاعر هنا، وأي شاعر نثر متمكن آخر، يعرف أنه لابدّ أن يبدعَ وأن يخلق العالم من جديد، وكما يقول آلن روب غرييه "الإنسان نفسه هو ما ينبغي إبداعه"، وذلك ما يحاول شاعرُ قصيدةَ النثر أن يفعله حين يخرج عن القوالب التقليدية ويبتدع مغامرة شخصية لا ترومُ الوصولَ إلى حقائق مطلقة، إذ ليس للنص حقيقةٌ كما يقول غرييه أيضا . وتُرينا قصيدةُ النثر أن العالم متحرك ٌومتغير ومتقلب لا يستقر على حال، فكيف يكون حقيقيا إذن ! وقصيدة النثر لا تلتزم بمباديء حزب شموليٍ أو مقدسات دين ما، فأولئك يتصورون أنهم يمتلكون الحقيقة كلها، أما قصيدةُ النثر فترى حقائقَ عديدةً متنوعة، وربما غريبة ًومتناقضة، إذ هي تناغي الحياة وما وراء الحياة بذكاء وصدق وعفوية، حتى أنها كثيرا ما تخذل الشاعر فلا تكون له ملاذا ولا مستقرا . يقول الشاعر عمار كاصد "الشاعر في خريفه الأخير/ نزع أغلفته المستعارة/ وبان عريُه أمام المرآة/ يذرع أرض حيرته/ وقد لفّه التعب/ خلف باب موصد/ ونافذة مفترضة/ يخطط لربيع قادم/ إذ أن اللغة/ وعاؤه الكبير/ الذي لعط حسائه الحار/ تخذله الآن" . ومع كل ذلك الخذلان و الإنكسار يلجأ الشاعر الى الحلم والأمل الجميل الذي يصنع به الحياة من جديد، كما يفعل الشاعر علي نوير حيث يقول "في الأحلام/ في الأحلام فقط/ ليس ضروريا أن يكون لك جناحا نسر أو طائرة نفاثة/ كي تحلق بها فوق الحقول والغابات والأنهار". وهكذا يحلق الشاعر ليمتلك العالم كلَه بوعي مختلف وإحساس مرهف وخيال جامح ويعيد صياغة العالم بحيل جديدة . ونرى ذلك أيضا لدى منذر خضير، إذ يقول "خرجت بجناح واحد/ اقتنيت من السماء زرقتها/ ستون كوكبا لي/ وسبع نساء بدويات/ مجرةٌ من عبيد/ و أباطرةٌ من خزف" . 
 
ان الحرية التي تهبها قصيدة النثر تجعل الشاعر متوثب الفكر، متوقد الضمير، واعٍ لعبثيةٍ وجودية تكتنفه من كل الجوانب، و ربما منح تلك العبثية روحا لا نجدها إلا في قصيدة النثر، وخيرُ من يمثل ذلك الحال الشاعر هاشم تايه، إذ يقول "هذا الذي يتدلى قارعا، من حولي، الساعاتِ/ معربدا في الكهف :/ "أنا روح العالم"/ كم يوَد لو يثِبُ، الآن، مثل وعل/ قافزا فوق سبعين أرضا من الموت/ هذا الأعمى/ بمن يتربص في العماء ؟"
 
ويراود هذا العماءُ شاعرا عن اطمئنانه فيُريه حقيقة العالم، إن كانت للعالم حقيقةٌ، ويُعري سوءة الوجود بأبيات قليلة حكيمة للشاعر واثق غازي تكشف عن الأمان الكاذب الذي نستمتع به، فيقول "الأسوياء/ الأوضح في صورة القن الجماعية/ يبدون مطمئنين/ لهشاشة السقف".
هكذا همُ شعراء قصيدة النثر، إمّا يعرّون العالم فيكشفون لغطَه وضياعَه وقسوته، وإمّا يتحايلون عليه بالهروب الى عوالم أجمل، كما يفعل عبد الأمير العبادي، فهو يقول "أ تحب النخلةَ التي هزتها مريمُ/ أحبها حيث أعشاش الحمام فوقها/ أ موسيقى الموجِ والبحرِ أجملُ/ حين يكتب الشعراء فيهما لحنا". فهو هنا يفرُّ الى الطبيعة المسالمة حيث النخلة والحمام والأعشاش والبحر والموج التي تنتظمها جميعا موسيقى الكون. شعراء قصيدة النثر الحقيقيون يتشابهون في هواجسِهم وأحلامِهم وفهمِهم لهذا الوجود، وهم جميعا يهربون، كلّ بطريقته الخاصة، الى عالم أجمل وأسمى من العالم المكتظ بالملل واللامعنى، فنجد شاعرة متطامنة على وجودها وحياتِها بانتمائها الى عائلة تبعث في روحها الأمان والسلام لاسيما الجدة التي تهيمن بروحِها الدافئةِ وببلسم كلماتها على أفراد العائلة، نجد شاعرتنا بلقيس خالد تهرب في بعض الأحيان من هذا العالم، بالرغم من سكينته ووداعته، نحو عالم أكثرَ خيالا وامتدادا ولهفة، ذلك هو عالم الشاعر، تقول بلقيس خالد "سياج البيت/يرسمني/لوحة عائمة/لا متسع لأجنحتي/ سأكسر إطار/اللوحةِ/لعلني أصلني/أرسم بحارا/ وأعبرها" .

أما الشاعر مقداد مسعود فيتخذ عديد الطرق للهروب الجميل من عالم ملتبس يصفه بقوله "في منتصف الشمس تختلطُ الجهاتِ تتبادل الأدوارُ/كلُّ قادمٍ ذاهبٌ والصاعدون نازلون/ و لا شيء كلُّ الأشياء/ يا صحرائي/ هل حقا يخدش وجهَك وجهُ الماء/ فيبتل المعنى !" هكذا و في وضوح النهار تلتبس الأشياءُ وتختلطُ الأدوارُ فتضيع المعاني، وليس أمام هذا الجدب إلا الماء الذي يبعث الحياة . هنا نتذكر تي أس إليوت وأرضَه اليباب، لكن شاعرَنا مقداد مسعود لا يتوقف عند جفاف الأرواح التي تسكنُ عوالمَ إليوت وتستبدُ بكائناته المهووسة، إنما يتحرك مسعود، في قصيدة أخرى، ليغير جوهر الأشياء، فالماء الذي يخدشُ وجه الصحراء في القصيدة الأولى "لا يتوقف عن همسه" هنا، إنه "صباحٌ بطراوة أجاصة"، والشمس القاسية هناك تتحول هنا إلى "فرشاة تلمّع الثيّل وتندس في أجراس/ الأزرقِ/ الوردي/ والناصع".
وهكذا يستثمر الشاعر الزمنَ كلَّه كي لا يضيع في متاهات الجدب والحيرة . الزمنُ الضائع الملتبس بالدهرو بليالٍ سودٍ عند اليوت، يتمثل عند مسعود بأجزاءِ يوم واحد، سعيدةً مسالمة، تغنيه عن دهر عقيم . يقول مسعود "الفجر لي/ وهذا المساء... بعيدا عن الصخب/ لي/ اخضرار الضحى، يتوجني/ طائرا/ في سماء عميقة/ سلام الحديقة/ لي/ وانصباب الظهيرة ."

!!!!!!!!!!!!!!!!!!!
      
     




 
الاسم البريد الاكتروني