الاختلافات بين الجنسين في تعاطي المخدرات

د.ثورة انجاص
/site/photo/10649
يسعى الجميع إلى التقليل من شأن الفروق بين الذكور والإناث، والتأكيد على أهمية المساواة بين الجنسين . ولكن هناك على الأقل مجالا واحدا تلعب فيه الاختلافات بين الجنسين دوراً حقيقياً وهي تعاطي المخدرات والإدمان عليها . ولا يقتصر الأمر على ذلك، وإنما هناك أيضًا اختلافا في الطريقة التي يسعى بها الذكور والإناث للعلاج من الإدمان على المخدرات .
 
فالذكور والإناث مختلفون جدا خاصة عندما نتحدث من الناحية البيولوجية والعاطفية والنفسية، وتمتد هذه الاختلافات إلى كيفية استجابة جسم كل منهما لتعاطي العقاقير والكحول والمواد المخدرة والادمان عليها . إن الجنس هو أحد العوامل العديدة التي تلعب دوراً هاما في تحديد العملية الصحيحة للتحكم في حالات الإدمان وإدارتها .
 
إذن عندما يتعلق الأمر بتعاطي المخدرات والإدمان عليها نجد القليل من التشابه والكثير من الاختلافات بين الجنسين ( الذكور والإناث ) من أهمها :
 
أثبتت الإحصائيات إساءة استخدام المواد حسب الجنس، فأن الذكور هم أكثر عرضة لإساءة استخدام المخدرات والكحول من الإناث . كما و يؤثر إدمان المخدرات والكحول على الذكور بحيث تظهر لديهم اضطرابات استخدام المخدرات ضعف عدد الإناث، وبشكل أكثر وضوحا، تقل احتمالية تعرض النساء للإدمان على نفس مستوى الرجال . ولكن من الواضح أن تعاطي المخدرات بين الإناث لا يزال سائدا وفي تزايد . ولأن الذكور أكثر احتمالا لاستخدام جميع أنواع المخدرات والمواد غير المشروعة، فإن هذا التزايد في تعاطي المخدرات والادمان عليها يؤدي إلى زيارات قسم الطوارئ أو الوفيات نتيجة جرعة زائدة أكثر من الاناث . 

أما معظم الفئات العمرية، يكون للذكور معدلات استخدام أعلى أو اعتماد على المخدرات والكحول غير المشروعة أكثر من الاناث . ومع ذلك ، فإن الاناث أكثر عرضة للإدمان، وأكثر عرضة للإشتياق والانتكاسة .

وبالنسبة لوصفات الأفيون الطبية فإن الذكور والإناث يعانون من سوء استخدامها بنفس المعدل تقريبا . فعلى الرغم من أن الذكور يميلون إلى تعاطي المخدرات والكحول والمواد الأخرى الغير مشروعه والادمان عليها ككل بمعدل أكبر من النساء، ويشمل هذا أيضا النيكوتين، الا ان انهما يتشابهان في إساءة استخدام العقاقير الطبية، ومسكنات الألم .

أما فيما يتعلق بالأسباب والأفكار المرتبطة باستخدام المخدرات فقد أظهرت الأبحاث أن الذكور يميلون إلى تعاطي المخدرات أو الكحول لسببين رئيسيين، وهما زيادة مزاجهم الإيجابي أو التعامل مع المشاكل السلوكية والاجتماعية . في المقابل، تتحول الإناث إلى تعاطي المخدرات لأسباب داخلية تتعلق بقضايا نفسية أو عاطفية . ومن الأمثلة على بعض الأسباب التي تدفع الإناث إلى تعاطي المخدرات أو الكحول كنوع من العلاج الذاتي :
 
الضغوط في العلاقات ( مثل الضغط من صديق، زوج )
المعاناة من صدمة نفسية في الطفولة أو سوء المعاملة
تعاطي المخدرات من أحد الوالدين أو كلاهما
بيئة منزلية غير مستقرة أثناء الطفولة
الاضطرابات المتزامنة ( مثل القلق والاكتئاب )
اضطرابات الأكل أو محاولة لفقدان الوزن
 
إن هذه الاختلافات في السبب وراء تعاطي المخدرات أمر مهم عند النظر في الاختلافات بين الجنسين في علاج تعاطي المخدرات .

هذا وتواجه الإناث قضايا مختلفة في الإدمان عن الذكور: إن فهم الاختلافات بين الجنسين في ماهية الإدمان والتعافي ليس بسيطا فهناك مجموعة متنوعة من القضايا التي تواجهها الإناث في الإدمان وفي التعافي لا يعانيها الذكور بالضرورة، ففي إحصائيات إساءة استخدام العقاقير النسائية تبين أن النساء أكثر عرضة للإصابة بهذه المشاكل والتي نذكر منها :
 
ميل الإناث إلى مواجهة وصمة العار في الإدمان أكثر من الذكور .
تواجه الإناث اللواتي يعانين من اضطراب تعاطي المخدرات مستوى أعلى من العنف وسوء المعاملة .
ميل الإناث إلى المزيد من الصعوبات في التعرف على تعاطي المخدرات لما هو عليه بالفعل .
الإناث اللواتي يكافحن مع الإدمان أكثر عرضة من الذكور للمعاناة من شكل من أشكال الصدمة النفسية في مرحلة الطفولة .
لا يتم سؤال الإناث عن تعاطيهن للمخدرات والكحول من قبل المهنيين بقدر الذكور .
 
هذه الاختلافات في القضايا الشخصية المرتبطة بنوع الجنس والإدمان لها عواقب مختلفة . واحدة من النتائج الرئيسية هي أن الإناث أقل احتمالا لطلب أو تلقي العلاج من الإدمان .

من الاختلافات الأخرى نذكر الصدمة النفسية والتي على الارجح تشكل العامل الأساسي لتعاطي المخدرات لدى الإناث والإدمان عليها : لا شك في أن أن الصدمة النفسية  والإدمان مرتبطان ببعضهما البعض لكل من الذكور والإناث . ومع ذلك، فانها مرتبطة بإدمان الإناث أكثر من الذكور، فالإناث اللواتي يكافحن مع تعاطي المخدرات والإدمان أكثر عرضة من الذكور للإصابة بصدمة في مرحلة الطفولة في الماضي . أو أكثر عرضة للاعتداء المنزلي وسوء المعاملة  أو الاعتداء الجسدي كنوع من أنواع الصدمات النفسية .

كذلك الإناث يواجهن صعوبة أكثر من الذكور في الحصول على المساعدة التي يحتجن إليها للتعافي من الإدمان، هذا هو واحد من أكثر الاختلافات بين الجنسين فيما يتعلق بمعاملة تعاطي المخدرات .
 
بالطبع، يواجه كل من الذكور والإناث قدرًا معينًا من الوصمة عندما يتعلق الأمر بالبحث عن مساعدة لتعاطي المخدرات أو الإدمان . ومع ذلك، تواجه الأنثى وقتًا أكثر صعوبة عندما يتعلق الأمر بالفروق بين الجنسين في تعاطي المخدرات لعدة أسباب :
 
من الأرجح أن تبقي الإناث إدمانهن على الكحول أو المخدرات سراً .
يميل المهنيون إلى سؤال الإناث عن تعاطيهن للكحول والمخدرات أقل من الذكور .
لدى الإناث اهتمامات منزلية عملية - على سبيل المثال، تكلفة العلاج ورعاية الأطفال الضرورية لحضور علاج الإدمان .
بشكل عام، تواجه الإناث المدمنات  وصمة عار  أكثر من مما يواجه الذكور المدمنين . ويميل الأصدقاء وشبكات الدعم إلى التقليل من أهمية دور الإدمان في حياة الأنثى، مما يجعلهن يعتقدن أنهن لا يحتجن إلى العلاج . ومن هنا قد تشكل الأنثى منظوار سلبيا في العلاج بمجرد دخولها في برنامج العلاج، وقد يكون هذا الحاجز الأكثر صعوبة بشكل خاص بالنسبة للإناث حيث يحاولن التغلب على الصدمات السابقة وتأثير إدمانهن وتوقعات العلاج في نفس الوقت .


أما عن أنماط تعاطي المخدرات، فقد يتشابه الجنسين في بعضها، إلا أنهما يختلفان في المواد الأكثر استخداما لدى كل منهما . فالمدمنات على المخدرات يستخدمن بشكل متكرر وأكثر من الذكور، العقاقير الأصعب. وقد يعود السبب كما ورد في جمعية اضطرابات القلق الأمريكية الى أن النساء أكثر عرضة للإصابة بحالات الاكتئاب والقلق واللذان يعتبران من الأسباب الشائعة لاستخدام المواد الخطرة وإعادة استخدامها مرة أخرى بعد التعافي . 
 
وفي دراسة نشرت في الطب النفسي البيولوجي تبين أن الذكور يطلقون المزيد من الدوبامين في أدمغتهم أكثر من الاناث عند تعاطي انواع من المخدرات . حيث تعمل معظم العقاقير والمواد المخدرة على إجبار الدماغ على إنتاج كميات زائدة من الدوبامين، مما يخلق علاقة قوية ومترسخة بين المادة والمشاعر التي ترافقها . 
 
بالإضافة إلى ذلك، فإن التأثيرات الهرمونية لدورة المرأة يمكن أن تجعلها أكثر احتمالاً لتطور الإدمان على مادة ما، وتجعل من الصعب عليها التخلص منها . ففي دراسة أجراها المعهد الوطني لتعاطي المخدرات وجدت أن ما يقرب من 40 % من الذكور في سن الدراسة ذكروا أنهم يستخدمون الماريجوانا، مقارنة بأقل من 30% من الاناث في سن الكليات اللواتي أبلغن عن فعل الشيء نفسه .  وفي دراسة أخرى وجد أن الرجال يدخنون من أجل ما يعتقدونه من الفوائد الجسدية للنيكوتين، بينما النساء يدخن لتهدئة أنفسهم، وللجوانب الاجتماعية . 

وفيما يتعلق بالعلاج والتعافي، فإن إحصائيات إدمان الإناث على المخدرات تشير إلى أن علاج الإدمان لديهن هو بنفس فعاليته عند الذكور . هذا التشابه يتم عندما تتمكن الإناث من التغلب على العوائق التي تحول دون العلاج ومواجهة وصمة العار ، فقد أظهرت الأبحاث أن لديهم نتائج إيجابية مثل الذكور .
 
على الرغم من جميع الاختلافات بين الجنسين في الإدمان والتعافي، فإن الإناث يقمن بالشفاء والتعافي مثل الذكور أكثر من أي شيء آخر . كما وانهن يبلغن خلال عملية علاجهن عن المزيد من المشاكل المتعلقة بالصحة والصحة العقلية . بالإضافة إلى نسب أكبر بكثير من الإساءات البدنية والجنسية في الماضي والحاضر . كما يعانين من مخاوف أكبر بشأن القضايا المتعلقة بالأطفال .

قد لا تكون هذه القائمة من أوجه التشابه والاختلاف في مخاطر الإدمان والتطور بين الذكور والإناث شاملة، ولكنها  تسلط الضوء على نقطة هامة جدا وهي ليس هنالك اختلافات بين الجنسين في تعاطي المخدرات فحسب، بل توجد اختلافات بين الجنسين في معالجة تعاطي المخدرات .
 
وبالتالي عندما تؤخذ هذه الاختلافات في الاعتبار، يصبح النوع الاجتماعي عاملا أساسيا لضمان معالجة تعاطي المخدرات والادمان عليها بين الاناث وبالطرق التي تحتاجها . فالعامل الاجتماعي لمعرفة ادمان المخدرات أمر مهم، ولكن التعافي أكثر أهمية وفي نهاية المطاف ، نحن هنا لمساعدة الأفراد على فهم العلاقة بين تعاطي المخدرات وصحة المرأة . وللتأكيد على أن خطة العلاج لامرأة في التعافي لن تدرس فقط مشكلة تعاطي المخدرات وأسبابها الأساسية، ولكنها أيضا تتناول العوائق المدركة أو المفروضة ذاتيًا على المعالَجة والتي جعلتها تشعر بأنها منعتها من البحث عن المساعدة .
 

د.ثورة انجاص اخصائية ومعالجة نفسية 




.




 
الاسم البريد الاكتروني