الأدب واستشراف المستقبل، في "هزائم وانتصارات"

توفيق سامي
كتابة وقائع أحداث "مزرعة الحيوان" كما خطتها أصابع "جورج أورويل" أشبه بالمعجزة، فقد تنبأ هذا الكاتب العظيم بأحداث تجري في المستقبل، داخل المعسكر الشرقي، وفي الوقت الذي كان المعسكر الاشتراكي، يعيش أوج قوته، وجبروته، ويفرض رؤاه وقوانينه على شعوب عديدة، عوقبت هذه الرواية بشدة، لاختلاف وجهة نظرها، ولتبنيها رؤيا تختلف اختلافاً كاملاً عما يفكر به قادة الاتحاد السوفيتي .
جورج أورويل قدّم رؤيا واضحة، جاءت على شكل نبوءة كاملة، تبهر القارئ، وتحجز لها مكاناً مرموقاً في الأدب العالمي، وبالرغم من أن مزرعة الحيوان، ألهمت كتاب الروايات العالمية الكثير، إلا أنهم لم يستطيعوا بلوغ مستواها مطلقاً .
في الماضي كانت النبؤآت اشبه بأساطير مختلقة، أما في الأدب العربي فلم يقدم أي كاتب نبوءة كاملة سوى ما قدمه محمود سعيد في رواياته، ولعل أفضل صورة لنبؤته هي ما ورد في آخر روياته التي بدأ كتابتها 1996 وانهاها سنة 2003، "هزائم وانتصارات" الرواية طويلة في نحو 600 ص من الحجم الكبير . 
 
/site/photo/10711  
 
يقص الكاتب بأسلوب شائق، مثير لا يعلى عليه، حوادث ومجريات وقائع جرت لثلاثة من أبطال الرواية، هرب اثنان منهما من الجبهة العراقية الإيرانية زمن الحرب، وفضلا أن يعيشا باقي حياتيهما بين مجنونين، بدل الحرب العبثية، فوصلا كردستان، وبقيا مع الأنصار في الشمال نحو سنة كاملة، ثم ساعدهم الأنصار إلى الوصول إلى إيران، لكن المقام لم يعجبهما، فلم يريدا الانضمام الى الأحزاب الموالية لأيران، ويعملان ضد بلديهما، كان املهما محدود بحياة حرة، فتظاهرا بأنهما يدرسان الوضع، ثم هربا من المعسكر، ووجد احدهما ضالته التي يبحث عنها، فتزوج "نرمين" الشابة الحسناء الهاربة بالأساس، من أخ زوجها المسن "70سنة". لم يفكرا في أنها ستكون عائقاً، ولم تكن، وتحملت وهي ذات الجسد الضعيف النحيف، مرارة وصعوبة الرحلة، وشاركتهما تيههما، وضياعهما، وتقشف الهروب الذي فرض مرارة العيش، وشظفه، وحيرتهما بين كر وفر، وهروب واختفاء، وتقدم وتراجع، حتى استطاعا التوصل الى من أشفق عليهم، وصمم على مساعدتهم للذهاب الى باكستان، لكن كان يتوجب عليهم أن يعبروا الصحراء القاتلة التي لا يزيد عرضها على 250 كم، بين البلدين، والتي تشكل مانعاً جغرافياً يخفي التسلل بين باكستان وإيران. وبعد يومين وهم يعبرون "صحراء الموت" بين إيران وباكستان، نفذ الماء والغذاء، وحينما استمروا بالسير، رأوا جملا يسير وحيدا فظنوا انه يعرف مكان الماء، فتبعوه مسافة، لكنه ابتعد عن طريق الشرق حيث كانوا يتجهون، فاضطروا الى الرجوع الى مسارهم، حتى كاد الثلاثة يموتون عطشاً وجوعاً، وبخاصة عندما وجدوا عظام انسان قضى عطشاً على الرمال، فظن اثنان منهما أن مصيرهما سيكون مماثلاً، لولا صمود ياسين وتشجيعه، وبعد يأس طويل اقتحم سمع أحدهم صوت سيّارة خافت قادم من بعيد، التّفتوا إلى الوراء، رأوا نقطةً صغيرةً سوداء اللون تدّب من بعيد، قادمة من حدود إيران، أخذت تكبر تدريجيّاً، حتى أصبح لونها أخضر . توقّفوا ينتظرونها، فحاذتهم، حافلة "صاروخ" ذات أربعة عشر راكباً، توقّفت. فنزل منها مدنيّ ربعة، يضع على كتفه رشاشة كلاشينكوف، يلفّ رأسه بيشماغ أسود، لا يظهر منه سوى عينيه، هتف : من أنتم ؟ ماذا تفعلون ؟ أخرج ياسين رسالة موجهة إلى من كانوا يعتمدون عليه لمساعدتهم في الباكستان، ويسكنوا على مطارف الحدود، فما إن قرأها المسلح حتّى أزاح اليشماغ، بدت ملامح شاب. أسمر. لحية صغيرة. شارب كث، عينان واسعتان، ابتسم. صافحهما.، أجاب بعربية نصف فصحى :  "أبشروا وصلتم . تفضلوا، أنا "هديّة الله نجيب"، نحن ذاهبون إلى قرية الشّيخ الذي تقصدونه" صعدوا إلى الحافلة، ذاهلين من توافق المصادفة، بينما أخذ من فيها يرحّب بهم بحرارة، زفر سامر بارتياح بعد أن اسعفوه بشربة ماء، نظر نحو ياسين، أشار إلى الصّحراء : لا أصدق نفسي أّنني في سيّارة تقطع ما تبقى من صحراء الموت .
 - ولا أنا
 بعد أن اطمأنوا إلى رفاقهم في السّفر، طفق ياسين يستفسر عن سبب حملهم السّلاح، أجاب هديّة الله : "إننا من جبهة تحريّر بلوشستان" ابتسم ياسين : "جبهة تحريّر بلوشستان ؟ أوّل مرّة أسمع بها ! ضحك هديّة الله : ستسمع الكثير عنها في المستقبل، إن شاء الله،  وفي يوم 17/4/ 18، نشرت الشرق الأوسط الخبرالتالي، نشرته بعد نحو ثلاثة عقود عن نفس الجبهة "جبهة تحرير بلوشستان، يقول خبر الجريدة:
 
تضاربت الروايات حول قتلى «الحرس الثوري» الإيراني في الهجوم الذي تعرضوا له في بلوشستان على الشريط الحدودي مع باكستان. فبينما أعلن «الحرس» مقتل 4 من عناصره، أعلنت جماعة «جيش العدل» التي نفّذت الهجوم مقتل ثمانية أشخاص من قوات «مرصاد» التابعة لـ «الحرس الثوري» في ضواحي مدينة ميرجاوه جنوب شرقي محافظة بلوشستان، وأنها أحبطت هجوماً للإرهابيين على برج لمراقبة الحدود، بيان الحرس الثوري يلفت الانتباه إلى أن المسلحين هاجموا النقطة الحدودية الإيرانية قادمين من داخل الأراضي الباكستانية وقتلوا 4 من تلك القوات، بينما سقط قتيلان وجرحى في صفوف المهاجمين، ويتهم بيان الحرس الثوري أيضاً باكستان بأنها تحول أراضيها إلى مكان لاستقرار عملاء "الاستكبار العالمي"، وأن القتلة يتاجرون بالمخدّرات، بينما تتّهم جبهة بلوشستان القوات الإيرانية «الحرس الثوري» بأنه يلجأ إلى اتهمات المتاجرة بالمخدرات كاسلوب ضغط  على السكان . 
 
ورود هذا الخبر الموثق، إشادة برواية عراقية تستشرف المستقبل وترسم حدوداً لما يمكن أن يفعله الأدب في نشر الوعي والتبشير بأحداث آتية ستجري وقائعها بعد عقود من الزمن .
 
ربما كان العهد القديم أول كتاب عرض لمجموعة من الأنبياء، قدموا لمعاصريهم، رؤيا عما يقع في المستقبل، ولا أظن أن النبؤات التي ذكرت في الكتاب المقدس المذكور ثابتة من حيث النسبة لمن ذكر فيه، فالدراساست التي لحقت الكتاب شككت في ذلك، إذ أن "نبوءة أشعياء" و"كتاب أرميا" و"سفر حزقيال" لم تكن كم تاليف شخص واحد، ويعتقد علماء النصوص أن هذه الكتب لم يكتبها مؤلفوها، على وجه الخصوص وقد تعاون ثلاثة مؤلفين، على كتابة كتاب إشعياء، بينما ساهم اثنان آخران بذلك .
 
ثم تم نسخ أساطير أخرى ونبوءات في التاريخ اليوناني، حيث كان النبي الأسطوري الأعمى تريسياس Tiresias مصدرا موثوقاً، لأنه حذر أوديب، ملك طيبة، بأنه يلوث الأرض، لأنه سيقتل أباه، وسيزني بأمه، في هذه الدراما تكلّم النبي تيريسيوس عن حقيقة أوديب، الذي لم يصدق، وبقيت النبوءة في اليونان، شبه موثقة  وتناولتها الدراسات بتعاقب حتى الآن، لتكون هيكلاً للمأساة اليونانية .
 
وهي نفس النبوءة التي وردت في سيرة سرجون الأكدي، وأسطورة ولادة موسى في العهد القديم، مع تغيير بسيط.، ولم يجر في العصور الحديثة تنبؤ، يشار له بالبنان سوى ما حدث في "مزرعة الحيوان"، على ان استشراف المستقبل، علمياً، بلغ أوجه في الغرب، بقلم العبقري الفرنسي، الخالد: جول فيرن، إذ كتب، المدينة العائمة دراما في المكسيك 1851، حتى وصلت رواياته نحو مئة رواية، ذكر فيها أكثر من 150 آلة اخترعت فيما بعد، ثم تلاه كتاب آخرون برعوا في اكتشاف معطيات العلم، لكن وما تنبأت به رواية هزائم وانتصارات، يبقى علامة على سمو الروائي العراقي، بالرغم من أن الرواية الأخيرة لم يحتفِ بها أحد، ولم يتناولها بالدراسة أحد، وهذا يمثل بؤس الأدب العراقي والعربي الحديث، فلا وجود لناقد يهتم بالتحليل والدراسة لما ينشره قطره أو القطر الآخر، ولعل الكاتب العراقي لا يقرأ إلا ما يكتبه هو، أو أحد مريديه، وأصدقائه، والموت الأدبي لمن يكتب وليس له ثلة تحيط به، وتصفق، وتزمر له، وتعلي من شأنه، بخاصة الآن حيث يفرغ الأذكياء وأشباه الأذكياء، والأدباء والشعراء مهمين، وأقل أهمية، وضحلين وبائسين، يفرغون إبداعاتهم في صفحات الحوار الاجتماعية "كالفيس بوك"، والتويتر، والماسنجر، مستعيظين بها، عن صفحات الجرائد والمجلات، التي يستهينون بها، ويحملونها على الاستهانة بهم . 




 
الاسم البريد الاكتروني