توقيع الزبرجد ... في ( دكة مكة ) للروائي زيد عمران

مقداد مسعود/ البصرة
/site/photo/10755
وحشية المشهد في الصفحة الأولى من الرواية هي الخلية السردية الموقوتة التي ستتشظى على سعة ( 188 ) صفحة متوسطة الحجم، وزمن الرواية يبدأ من 1951 الى 1975 ..
 
(*)
 
الجملة الفعلية في بداية السطر الأول ( أصعدوها عارية ) من الصفحة الأولى أختزلت الكثير الكثير وجعلتنا في خط التماس الروائي . ونلاحظ مثنوية الفعل بالقوة، فهي لم تصعد، بل أصعدوها : وهذا يعني انها ليست فاعل فعل الصعود، بل هي المفعول . ولم يكتف النخاس بذلك، بل جّرد الطفلة من كل ثيابها، وهنا سيحيلني النص الى ماجرى للأيزيديات وغيرهن من نساء الموصل وغير الموصل، في 2014 وماجرى للطفلة المخطوفة في الرواية، حدث في منتصف القرن العشرين، وسيواصل الخطف أعماله ويتم خطف طفل في موسم الحج كما جرى في رواية بثينة العيسى ( خرائط التيه ) وفي مكة نفسها وأثناء الطواف !! وما يجري فهو يجري في الحرم المكي أو قبالته كما هو الحال في ( دكة مكة ) قبالة بيت الله، وماجرى في الروايتين يجعل فعل القراءة يتساءل مع ماكينزي الطفلة المغتصبة وهي التي لم تبلغ العاشرة ،من قبل الأمير ثم يهبها الأمير لعبيده :(أين الله في كل هذا الذي يجري؟ /171) والجملة الفعلية (أصعدوها عارية) هي نبض المشغل السردي في الرواية، فالعمل الروائي هو فاعليتيّ : تصعيد/ وتعرية للبنية الأجتماعية، و( دكة مكة ) تكشف الغطاء عن المسلفن والمكمم والملثم، وتقدم لفعل قراءتنا الكتلة المشطورة للسلطة، بكامل عريها القاتل الذي يتقن سرديات القتل مستعملا الجميع كأدوات للجريمة الكاتمة .
 
(*)
 
ماكينزي أصعدوها عارية، والعبد جميل العراقي أصعدوه للإمارة مسلفنا، بخديعة خاتم الزبرجد الذي كان الأمير عبد العزة، يمنح كل ولد مِن صلبه خاتما، فصه من الزبرجد، وهو أمير في الظاهر فقط وهو محض عبد، كما تخاطبه الأميرة فاطمة ( أسمع جميل . أريدك َ ألا تنسى أنك عبد . أنا من جعلت ُ منك َ أميرا وسأجعل منك شيخاً، لكنك في النهاية عبدي، أفعل بك ما أريد.. / 151 ) ثم أستعملوه أداة جريمة ضد أكبر رأس في السلطة، ليهوي رأسه بسيف السياف، كما هوت زوجته الأميرة فاطمة من سطح قصرها منتحرة .
 
(*)
 
السارد الأكبر في ( دكة مكة )  هو : شبقية السلطة لإفتراس الأنوثة.. وإنتاج سلطة قراءة للفقه الجنسي حسب شهوته سلطة السلطة الحاكمة، أنها قراءة الراهن العربي في منتصف القرن العشرين، بفتاوى مغبرة، متخثرة، لا تلائم روح العصر العربي الذي كان يومها عصر التنوير والتحرر والنضال واليسار والأشتراكية ومحاربة الاستعمار... أما الخيمة البدوية، ترى المرأة وعاءً لفحولة الرجل بإجازة فقهية من  مالك والشافعي وأبي حنيفة والنووي، وأحمد وابن ماجه وتصحيحات الألباني و...إلخ / ص24-25 وهذه الخيمة البدوية : تأخذ من العولمة كل سرديات بضائعها الحديثة فقط/ ص19-20- 50/ إذن هي خيمة حداثية من ناحية الأثاث والديكور والأكسسوار والأجهزة الكهربية، وكل ذلك ضمن فضاء منغلق على الشبق للمال والجنس والتنكيل .
 
(*)
 
 تصوغ قراءتنا السؤال التالي :  لماذا يحتاج أمير باطش للأستقواء بفقيه.. خصوصا وأن هذا المستبد ينتسب الى الرجال الذين بشهادة نعيمة (عقولهم ليس في رؤوسهم، وإنما في ../ 53 ) ومن أجل الوطء اللامشروط : ( أنا هنا بسببه وأنت كذلك، كل هذا القطيع من النساء اللاتي ترينهم هنا ) وسلطة النفط والرمل تستقوي بمنتوجها الذكوري فقط، وبشهادة الأمير وهو يحدّث زوجته الرابعة عن وصية والده عبد العزة وهو يحتضر : ( أمرنا نحن الأخوة الذين لم ننجب ذكوراً حتى الآن، بتطليق كل زوجاتنا والزواج فوراً من أربع أميرات لكل أمير، ولقد طلقتُ زوجاتي الثلاث قبل أن آتي الى هنا وأنت يافاطمة : طالق .. طالق .. طالق / ص92 ) والسلطة لا تستهلك القوة البشرية وتسحقها فقط، بل تطاولت وتزعم ملكيتها ( للذات الإلهية ) كما جاء على لسان السارد وكيف يستقوي الأمير بالدين ( عمل على تقريب أخواله رجال الدين من أسرة آل السيخ- الشريك السري في الحكم – لأنهم يمتلكون الله، ولديهم سلاح الفتوى الفتّاك، الذي لطالما ساند وساعد الشيخ على الانتصارفي أكثر من معركة قبل دخولها / ص100 ) والعوام : هوام . لاوجود لهم في الوجود، لذا من أجل أن يتنفسوا.. يتنفسوا فقط وفي الحيز المغلق، عليهم مسرحة حياتهم بالغباء(لأني تعلمت أن الغباء هو الشيء الوحيد الذي أبقاني على قيد الحياة طول هذه المدة  / 85 ) ومعلم العبد هنا هو ألم التجربة  المؤدي الى الإكتشاف الطبقي .. ( السادة الأحرار يخشون العبد الذكي ويتخلصون منه بسرعة، بينما العبد الغبي يروق لهم جدا . تعلمت ُ ذلك في بيت التاجر البحريني، فقد كان عمري حينذاك ثلاثة عشر عاما، وكنت أعتقد بأني إن كنت ُ ذكياً فأني سأعجبه، لكني تعرضت ُ الى الجلد، حتى كان كل فترة يغير سوطه بعد أن يبلى على ظهري.. /85 )
 
(*)
 
الإرجاء : دين الملوك : بشهادة الخليفة المثقف المأمون، هذا الإرجاء الذي روّجت له الخلافة الأموية، ثم أنقلب عليها أئمة الأرجاء وهو يرون فيه تعليق العدل بل محوه إطلاقا، لذا فكانت النتيجة أن البطش الأموي تخلى فعلا عن الإرجاء وبطش بالجعد بن الدرهم وكذلك بغيلان الدمشقي .. والأمير قيصر يبرر جرائمه حسب مذهب الإرجاء الأموي .. فهو أثناء أفتتاح بئر للنفط شاهد نعيمة مع أبيها، مهندس المشروع، فأراد أستعبادها، فطوق أبيها المدمن على الخمر والقمار، بالديون، ومثلما يقامر هذا الأب الذي لاضمير له، باع أبنته في سوق العبيد في مدينة الطائف، فأشتراها الأمير، وحين استيقظ ضمير الأب أنتحر، كل هذه السفالات والجرائم والأمير ليس نادماً، وبشهادته ( أنا لم أجبره على شيء، ولم أخرج عن تعاليم الله / 47 ) !! عن أي تعاليم يتقوّل هذا الأمير ؟! وعن أي إله ..؟ حاشا لله أن يكون متواطئا مع كل هذه الجرائم .
 
(*)
 
هذا الإرجاء يتوارثه العبيد في الرواية، لكن مؤثرية الزمن في الإنسان ستنقضه : بشهادة أمه أنيسة وهي تخاطبه ( حاول أن تفهمني جميل . أنا كنت ُ مثلك، مثلك تماما، لكني مع تقدم العمر أدركت ُ أننا، أقصد نحن العبيد، من نسهّل الأمر للأحرار كي يستعبدونا، لأننا في داخلنا نعتقد بأن الله هو من قدّر لنا أن نكون عبيداً، وقدّر للآخرين أن يكونوا سادتنا، فاستسلمنا لهذه العبودية.. /86 ) .. جميل يتقنع بالغباء أما أمه فقناعها الدهاء ( لاخلاص لنا من العبودية، لكننا نستطيع تخفيفها بقليل من الدهاء ) أما نعيمة الأرمنية فهي تقترب قليلا من مفهوم أنيسة حول العبودية وتختلف كثيرا مع الجميع، لأن نعيمة تغور في صدمتها الجوانية بسبب إنزياح شرس لحريتها الإنسانية، الذي اسقطها في وحل العبودية، لذا تخاطب مكة التي كانت ماكينزي .
( لا تكرهي نفسك، أو تحمليها ذنباً، فأنت مجبرة على كل شيء، منذ اليوم الذي وقفت فيه على دكة العبيد بجوار الكعبة . نعم، هناك شيء ربما ينفعك أن تعرفيه : أنت وحدك ِ يامكة، لاوجود ليسوع أو الله أو ملائكة طيبة . الأرض يحكمها الشيطان . تم بيعك بجوار بيت الله، ولو كان هناك في بيته، لسمع صراخك، ولهبّ، لمساعدتك، لكن البيت فارغ يامكة . تذكري دائماً أنك ِ وحدك ِ ولا وجود للمعجزات / 49 ) ..
 
(*)
 
هذه الحكومة الرملية / النفطية : مجرد دمى يحركها الأقتصاد الريعي نحو الجنس والبطش : حكومة توجهها رسملة معولمة، وتهددها إذا استلزم الأمر، بشهادة رئيس وزراء بريطانيا، في زيارة عمل الى جدة، في شهر آب 1962، وهو يسلّم الأمير قيصر ملفا  يحتوي صوراً على مدى ثماني سنوات ( الأماكن الملتقطة من داخل قصر الامير قيصر وقصر الشيخ مسعود وبقية قصور العائلة... صور التعذيب، والعري والجثث المتفسخة والوجوه المستغيثة والحيوانات، وهي تنهش بهم وهم أحياء/ 157 ) في سرد الفوتوغراف، السارد محصن، لاتعرفه سوى بريطانيا ، وسيعلن رئيس وزراء بريطانيا أن ماكينزي هي ساردة الفوتو غراف.. وسرد الفوتو، ذو تلقي سالبي على الأمير ( أعتلى وجه الأمير غبار الذل والانكسار ولم يستطع أن يرفع بصره بوجه السيد أنتوني/ 156 ) ولايكتفي رئيس بريطانيا بسرد الصور، بل يستعمل لسانه الحاد ( لو نشرت هذه الصور فسيسقط حكمكم على الفور، أؤكد لك أن الأمم المتحدة ستتخذ فورا قراراً بإرسال جيوشها، لتحرير العبيد وتغيير نظام حكمكم.. /57 ) .. والأمير قيصر، لايختلف عن داود باشا و( داود لن يختلف عن غيره من الولاة . يمكن ان تكون لديه أفكار أو رغبات، وقد يحلم أيضا، وربما يتوهم انه قادر على منازلة ممثل أقوى دولة في العالم، لكن حين يصطدم بالوقائع الصلبة، حين يمر الزمن، سيدرك مدى قوته مقارنة بقوى الآخرين . وإذا أراد أن يستمر لابد ان تتغير أفكاره ورغباته، ولابد ان يتخلى عن أوهامه أيضا،أي يجب أن يكون عاقلاً، كما صار الذين سبقوه.. /ص7- عبد الرحمن منيف/ أرض السواد – ج3 )
 
(*)
 
التنكيل هو الأسلوب السردي الوحيد الذي تجيده شخوص الرواية، وسماد حدائق السلطة من أجساد الضحايا المستعبدة ، بشهادة العبد رهيف :(هذه الحدائق التي تراها مكتظة بالعشب والأشجار، مليئة بجثث العبيد أيضا../26) وهنا ممكن أن نشطب كلمة الحدائق ونكتب عوضا : ثقافة إعلام السلطة .والأحياء من منظومة العبيد التي تحتوي نوعين : العبيد جسديا والعبيد عقليا أمثال رجل الدين الشيخ أحمد آل السيخ، والطبيب الخاص والطبيبة الروسية إيلينيشنا ليفوشكينا  المسؤولة عن مستوصف السراري في قصر الأمير، ولقسم السراري سردياته الهندسية الباذخة ويتكون القسم من صالات كبيرة
(*)
المواجهة النسوية المتخفية للسلطة : تتجسد سلبا بشخصية الأميرة فاطمة التي كل السلطة بين يديها، أما ماكينزي فتجسد التقاطع مع سلطة السلطة والدأب على نخرها من الداخل ( 168 )
 
(*)
 
مثلما أسقاط طاغية العراق، جرى بفعل الأحتلال الأمريكي، فأن تحرير العبيد  جرى على مستوى رواية ( دكة مكة ) من خلال ( ماكينزي،التي كانت السبب في تحرير العبيد.. / 188 ) ..
 
(*)
 
كتابة النص مرت من خلال فلترة الوثائقي / التاريخي، والإشتغال على فترة زمنية محددة : 1950- 1975 ، وبعد عملية الفلترة، يجيء تصنيع الجسد الروائي ويمكن إعتبار الطبيب هو السارد العليم المشارك في صوغ الجنس الأدبي وبشهادته في الصفحة الأخيرة .. سنعرف أن الرواية : 
* استفادت من الكلام الشفاهي الذي أدلت به الأميرة فاطمة وهي على فراش الموت/ 185
* كما استفاد النص الروائي من السفير السابق بيلهام الذي ( زودني بمعلومات كثيرة مهمة ساعدتني في كتابة هذا الكتاب الذي اعتمدت فيه على معلوماته الجاسوسية السرية /188 )
 
(*)
 
وأنا أكررقراءتي لهذه الرواية الشيقة، لم أستطع أن أنسى رواية ( سباق المسافات الطويلة ) للروائي السعودي عبد الرحمن منيف، وهويتناول حقبة من حكومة شاه إيران ..
*زيد عمران/ دكة مكة / دار جيكور – دار المكتبة الأهلية في البصرة/ ط1/ 2018




 
الاسم البريد الاكتروني