حينما حضر المرض الى منزلنا*

للكاتبة الهندية شوبها دي ترجمة عصام محمد الجاسم
/site/photo/10883
بدأت على شكل دمامل غامضة وقبيحة . ظهرت فجأة، تقريبا بين عشية وضحاها  في جميع أنحاء فروة رأس "شانكر". بالطبع لم ألاحظها لفترة من الزمن، وكانت هذه حالة يمكن تفهمها، وليس هذا بمستغرب؛ فقد كان شانكر السائق الخاص لأطفالي، وكنت أقابله لوقت قصير ومختصر كل صباح لمدة محدودة للتحدث معه بشأن الترتيبات والتنسيق للمواصلات من حيث أي من ألاطفال يجب أن ينزل أولاً و أيهم يتم المرور عليه ثانياً، من أين أو متى وهكذا . أرشادات وتوجيهات أمومية أساسية عادةً تُلقى على السائق دون الحاجة حتى الى إجراء أي تواصل بصري مباشر معه . تبدو هذه الأمور بغيضة وغير محببة ولكن هكذا كانت تجري الأمور، على الأقل في أوساط عوائل الطبقة المتوسطة في المدن الهندية . الأشخاص الذين يعملون في بيوتنا ويُعتبرون جزءاً لا يتجزأ من حياتنا يصبحون عادةً غير مرئين . نختزل وجودهم بيننا كشخصيات ثانوية، ضبابية والتي نصرخ فيها يوميا بالأوامر . "إذهب إلى ذلك المكان، أحضر ذلك الشيئ، عد في الوقت المحدد، لا تنسى إحضار الملابس من المصبغة، هل سددت الفواتير المتأخرة ؟ الكلب يحتاج زيارة للبيطري . لماذا فاتورة بنزين السيارة مرتفعة هذا الشهر ؟ إذاً أنت تحتاج لأجازة ؟ مرة أخرى ؟ ألم تأخذ يوم عطلة خلال الأسبوعين الماضيين ؟ لماذا يبدو أنه هناك حالة طارئة كل أسبوع في قريتك ؟ كم مرة مات أبن عمك ؟ كل هذا يُقال كل يوم بخفة، الكل منشغل جداً أو مشغول البال . هناك آلاف الأشياء التي ينبغي القيام بها . من، بربك، لديه الوقت للتوقف وملاحظة تلك‏ الدمامل على فروة رأس السائق ؟
 
ولكن في صباح أحد الأيام وخلال جلسة إعطاء التوجيهات أسقط شانكر طرد صغير الحجم كان يمسكه، أنحنى أرضاً لإلتقاطه، حينها فقط لاحظت تلك الدمامل . توقفت في منتصف الكلام ولا إرادياً شهقة خاطفة خرجت من بين شفتي :
 
 "يا الهي ! ماذا حدث لرأسك ؟ متى ظهرت لك تلك الدمامل ؟ هل زرت طبيبا ؟" 
 
بدا شانكر محرجاً للغاية وحاول أن يقلل من أهمية الأمر بقوله، "أنه لا شيئ يُذكر . أنها حرارة الجو . أظن أنها دمامل ظهرت بسبب الجو الحار" . 
 
حدقت النظر إلى تلك الدمامل عن كثب وبإمعان بما يسمح به الأدب وقلت بحزم، " لا . ليست كذلك . هذا لا يبدو لي حصفاَ أو طفحاَ جلدياَ . لأي طبيب ذهبت ؟"
تمتم بكلمات عن طبيب شعبي من مجتمع "الفيد" والذي يجلس تحت شجرة بالقرب من مسكنه المتواضع . دجال قروي بلا أدنى شك يستعرض مهاراته كطبيب تقليدي يتقاضى رسوماَ بسيطة على إستشارات وهمية . هذا الطبيب الدجال أخبر شانكر حرارة الصيف المرتفعة في جميع انحاء المدينة هي التي سببت له هذا الإنتشار المقزز من الدمامل . نصحه وقال أنه بحاجة إلى الإكثار من شرب الماء البارد و أن يكون تحت أجواء مكيفة باردة وستختفي هذه الدمامل تلقائيا . ثم أخبره بقائمة من الإرشادات التي يجب ولا يجب عليه فعلها فيما يخص نظامه  الغذائي :
"لا مزيد من الأكل الحار، لا للتوابل، لا للثوم والمخللات ولكن أكثر من زبدة اللبن والارز ."
"وهل هذا ساعدك ؟"
هز شانكر رأسه بأسف قبل أن يقول معتذراً، "ارجوكِ، لا تقلقي . سأعتمر قبعة من الغد ."
يا للطف وسذاجة وجهل شانكر ! ظن أن مظهره وتلك الدمامل القبيحة هي ما تزعجني . 
أخبرته بطريقة أو بأخرى وبشكل حاد انها ليست مسألة إرتداء قبعة . ذهبت إلى غرفتي ورجعت ببعض النقود . 
"خذ هذا وأذهب الى طبيب مناسب ليعرف السبب الحقيقي لهذه الدمامل ."  
غادر شانكر المنزل بسرعة وبدا محرجاً بسبب كل هذا الإهتمام الزائد .
 
"من المضحك، قلت لنفسي، لقد كان شانكر معنا لفترة طويلة ومع ذلك لا أعرف عنه الإ النز اليسير . ولا أعرف  كم من العمر يبلغ، مع أن تاريخ ميلاده مدون في رخصة القيادة . ولا أعرف سبب إلحاحي في هذا الوقت بالذات لأن أطلع على هذه المعلومات أكثر من أي وقت مضى . هل كان في الثلاثين أو الأربعين من العمر ؟ يصعب القول . كان يبدو في منتصف العمر بسبب نحافة خصره . ما كان يربطنا معه هي لغتة الأم "الماراثي" والتي هي لغتنا أيضاَ . السائقان الأخران كانا من ولايتين مختلفتين : "كيرلا و بيهار" . حينما كان أطفالي يذهبون الى منزله خلال الأعياد الهندية الكبرى، كنت واعية ومدركة للظروف المعيشية التي كان يعيشها شانكر . 
دأبت والدة شانكر بإستمرار على إرسال الأكلات "المهاراشتاريانية" المفضلة لدي، محفوظة ومغلقةً بإحكام في حاويات صغيرة معدنية مقاومة للصدأ .
والده موظف حكومي سابق بسيط ومتقاعد . خدم في ظل حكومة الإحتلال البريطاني للهند . كان واقعاً يفخر به شانكر . كان شانكر لطيف المعشر والحديث وغالباً ما كان يشركني في أحاديث مطولة عن السياسة المحلية وأفلام بوليوود الشهيرة . على عكس السائقين الأخرين واللذين يكرهان العمل الإضافي في أيام الأحد، كان شانكر بلا تذمر يحضر باكراً عند الساعة الثامنة صباحاً بالضبط وفي الوقت المحدد مؤكداً بإبتهاج أنه يُفضل أن يبقى مشغولا على أن يشاهد التلفاز مع رفاقه هناك في سكن العمال . رفاقه كانوا من محتسي البيرة وكانوا من حين لأخر يجبرونه على الخروج معهم للتنزه خلال العطل الاسبوعية الطويلة . بعد هذه النزهات يحضر شانكر للعمل غائم العينين وتبدو عليه سلوكيات غريبة، لكن متشوق وتواق للعمل . يخبرني الأطفال لاحقاً أنهم وجدوه يغط فى سبات عميق، شاخراً ناخراً بصوت مدو في السيارة . راكناً بشكل ملائم خارج أسوار المدرسة تحت ظل شجرة . تلك كانت فقط كانت حالات شانكر للانغماس في الملذات وحفلات السهر التي كنا على علم بها .‏
خارج نطاق هذه النزهات كان يبدو شانكر رجل عائلة كسول، يتجول في أنحاء المنزل بإزَار قطني طويل وسترة صدرية تضغط بإحكام حول كرشه الضخم . زوجي المهووس باللياقة البدنية كثيراً ما كان يوبخ شانكر للسماح لنفسه بزيادة وزنه بشكل مفرط، فكان يأمره بالجري حول المبنى . كثيراً ما ينصحه زوجي قائلاً له :
 "لا زلت شابا كي يصبح بطنك بهذه الضخامة . من الممكن ان تسقط ميتاً اذا استمريت على هذا الحال" .
 شانكر والذي يبدو انه نشأ نشأة سوية تراه يكشّر ويتنفّس بغضب حول المبنى قبل أن ينهار وينطوي على نفسه في غرفة السائقين . بالفعل تبدو هذه فترة طويلة، ثمان سنوات مضت بنهاية شهر مايو . شانكر كان معنا لمدة عشر سنوات قبل ذلك . لقد واكب نمو الأطفال منذ كانوا صغاراً إلى أن غدوا شباباً . كما واظبَ على نقلهم من رياض الأطفال إلى مراقص الديسكو . كان بمثابة الصديق الوفي لهم وكضابط الصرف في نفس الوقت . غالباً ما كان يمنحهم قروضاً صغيرة لوجبة أو مشروباً غازياً . كان الحارس والوصي عليهم والمتمكن من تجاوز عقبات حركة مرور بومباي الفضيعة لإيصالهم إلى وجهتهم في الوقت المناسب بسلام . 
خلال ذلك الصيف الطويل الحار قاوم شانكر هذه الدمامل بأستخدام مجموعة متنوعة من المراهم تتراوح ما بين المضادات الحيوية و خلطة "اليورفيدا" و التي تتكون من ورق شجرة "الأزداريشتا" المطحون مع زيت شجرة "الكينا". لم تفده هذه الوصفات في شئ. أخذ وبعدها يعتمر قبعات كرة المضرب، من الواضح أنه أصبح أكثر حرجاً بسبب المنظر القبيح لتلك الدمامل . لاحظت كذلك بداية تسارع في سقوط شعره وضمور جسمه . منذ عدة أشهر كان الأطفال يغيظونه ويضايقونه بلا هوادة على حالة كرشه المرتخي . كنت كثيراً ما أحاول تأنيبه لحثه على الجري بشكل يومي، ودائما ما يكشر بإبتسامة ويصّر على إخباري على أنه بالكاد يأكل، "لا أتناول الرز، فقط بعض التشباتي ."
خلال أشهر خاطفة أنكمش جسده إلى النصف من حجمه السابق وأختفى ذلك الكرش.  أكتافه أخذت بالإنحناء وغارت عيناه في محجريهما . 
كنا قلقين وأخبرناه بذلك كثيراً . سألت طبيب العائلة ما الذي يجعله يفقد هذا الوزن الكثير على نحو مفاجئ ؟ هز كتفيه وقال أنه  يمكن أن يكون نتيجة عوامل عدة : مرض السل على سبيل المثال، أو أنه هو نفسه كان يحاول أن يتخلص من هذا الوزن الزائد . أقترح الطبيب أن نطلب منه أن يجري أختبار لتحليل الدم . طلبت منه ذلك ولكن بسبب مشاغل كثيرة نسيت أن أتابع هذا الأمر ولم يكلف هو نفسه العناء بالقيام بما طُلب منه في هذا الشأن . بدأت خادمات المنزل بالهمس فيما بينهم . بدأوا بمضايقته والتهكم على شكل جسمه النحيف وتشبيهه بالممثل النحيف جداً "البطل كايون" وسؤاله ما إذا كان ينوي الإلتحاق "ببوليوود" . كان رد شانكر : " لا شئ من هذا" . وكان يضع اللوم على نصيحة أحد جيرانه حينما أوصاه  بنظام غذائي خال من الزيت كحل لمشاكله . بدا عصبي المزاج وهو يقدم الأعذار كما لو كان يشعر أنني كنت أتابعه من خلالهم . 
بعد عدة أسابيع تذكرت مرة أخرى ما أوصى به الطبيب وأستدعيت شانكر . دخل غرفتي، يبدو في حالة خجل أو أنه مذعور . هز رأسه وقال أنه لم يكن لديه الوقت الكافي للقيام بهذا الأختبار، ولكن المستحضر الجديد السائل لفروة الرأس والذي يستخدمه يساعده على نحو فعال . أخذ يتمتم بكلمات عن ديدان تؤثر على عملية الهضم لديه .
"هذا هراء"، قاطعته بحدة . لا زلت أعتقد أنه مرض السل وأمرته بإن يذهب ويجري إختبار فحص الدم حالاً . ربما أدرك شانكر في تلك المرحلة أنه حقاً مريض على نحو خطر، وربما يعرف حقيقة مرضه . والا لماذا تبدو النظرة المضطربة في عينيه ؟ أتصلت بطبيبي لتحديد موعد . نصحني بإجراء فحص دم شامل ويُفضل أن يقوم به على معدة خاوية . لكن شانكر كان متردداً، يتوسل مراراً وتكراراً بأنه لا ضرورة لذلك . لقد أخبره طبيب قريته أنه يعاني فقط من حساسية جلدية مزمنة تأخذ مداها و من ثم تزول . هززت رأسي بعناد وأخبرته أنه لا خيار لديه الا الذهاب الى الطبيب . 
وعليكم أن تتخيلوا ما سيحدث لاحقاً ! في مساء اليوم التالي وفي وقت متأخر تلقيت أتصالاً من عيادة الطبيب يخبرني بصوت مُحبط أن فحوصات شانكر أثبتت أنه مُصاب بمرض نقص المناعة المكتسبة "الإيدز" .
ردة فعلي الأولى ؟ مستحيل ! شانكر وإيدز ؟ كيف ؟ شانكر ؟ هل أخبره الطبيب بذلك ؟ 
"ليس بعد . أرتأيت أن أخبرك بالأمر أنت أولا .ً" قال لها الطبيب بوقار .
أخذت الأفكار تتداعى في ذهني . عادت بي الذكريات عن الحياة التي عاشها طولاً وعرضاً خلال السنوات القليلة الماضية . أستعدت في ذهني حفل زواجه البسيط قبل سنة . زواج تقليدي مخطط له من قبل الأهل، يكثرعادة بين العائلات الفقيرة . هل كان يعي أنه مريض انذاك ؟ تذكرت حماسه الكبير ورغبته بإمكانية جلب عروسه الجميلة للمنزل . كانت تلك العروس فتاة صغيرة ومتقدة حماساً لحياة جديدة . كانت أجمل وأفضل تعليماً من سائقنا شانكر . كان قد أستأجر مصوراً فوتوغرافياً ليسجل لحظات مراسم الزواج، مما جعله يجمع تلك الصور في البوم مزدحم بصور عروسه . 
"غريبة !" كنت افكر، لا بد أنه كان يهيم بتلك الفتاة . بالكاد تجد صورة خاصة به، ولكنك قد تجد اكثر من مئتين صورة لها في ذلك الألبوم . على غلاف الألبوم توجد صورة مؤثرة صارخة الالون تجمعهم وُضعت داخل إطار بلاستكي مزدان بصورة قلب ومحفور بكلمات "شانكر يحب برينا" . لم يدم زواجهم طويلا، حيث هربت العروس بعد عدة أشهر من الزواج تاركة شانكر شخصاً مُحطماً . هل كانت تعرف شيئاً عن مرضه ؟ هل كانا والداه الهرمان على علم ايضا ؟ أخبرنا شانكر بعد ذلك أنه أتخذ القرار الخطأ بالارتباط بتلك الفتاة وأنه سقط في فخ جمال الشكل، وأنها كانت أكثر تمدنناً بالمقارنة مع عائلته . 
"لقد رفضت أن تعتني بأمي المريضة أو تعد الطعام لأبي العجوز أو حتى تغسل ملابسي . كل ما كانت تحب القيام به هو مشاهدة التلفاز والتسكع في المحلات التجارية للتسوق مع أصدقائها ." هذا ما أخبرنا به شانكر حينما أنتهت علاقتهما مع بعض . هل كانت هذه هي الحقيقة ؟
كنت مشوشة الذهن ومضطربة مما أخبرني به الطبيب، وغاضبة أيضاَ بجنون . لم أعرف كيف ستكون ردة فعلي حينما أقابل شانكر غداً صباحاً . لا أريد أن أبدو بمظهر المتهِم ولا في وارد أن أطلق أحكاماً . نعم، شعرت بالنفور .
 هل هذا هو الرجل ؟ نفس الرجل الذي قضى أطفالي معه وقتاً طويلاً ؟ لم اتخيل قط أن اُضطر أن أتعامل مع هذا الموقف، أو مع هذا الأنسان في يوم من الايام ؟ غالباً، وأنا بالفعل مندهشة، أنني كنت أفخر بنفسي كوني حكم خبير بمعرفة الناس . هذا المرض يحدث لأناس يعيشون حياة المجون وليس لبسطاء يخشون الله أمثال شانكر . لا بد أن هناك خطأ ما .
في تلك الليلة كثرت هواجسي وبت في صراع مع أفكاري . تخيلت جميع الأمور البشعة . لا بد أنه حصل على هذا الفيروس من زيارات أوكار الدعارة بعد ما هجرته زوجته . ربما كان شاذاً جنسياً ولديه علاقات متعددة ؟ هل خدع زوجته بالزواج منه ؟ هل أكتشف أنه كان يفضل الرجال ؟ جزء مني يريد أن يقول له : "أغرب عنا أيها الخنزير القذر . فقط أرحل من هنا إلى غير رجعة" . بينما الجزء الأخر يُسأل رغباتي وغرائزي الأنسانية . أين شخصيتي الليبرالية عندما كنت في أمس الحاجة إليها ؟ موقفي المُعلن عن المصابين بمتلازمة فيروس نقص المناعة المكتسبة ؟ هل كنت منافقة إلى حد بعيد في قول الأشياء الأساسية الصحيحة علنا وأدير ظهري للناس الذين أدعيت أني أساندهم وأدعمهم ؟ كان بإمكاني إما التخلي عن هذا الرجل والذي خدم عائلتي بإخلاص لسنوات طويلة أو القيام بمساعدته  . هل أخبر زوجي بهذا الأمر ؟ هل سيتفهم الموقف أم سيقوم بطرده ؟ ماذا عن الأطفال ؟ هل يتّوجب عليهم معرفة ما حل به ؟ كانت تلك أطول و أقسى ليلة في حياتي .
في صباح اليوم التالي بدأ شانكر يتحاشى النظر في عيني . وقف هناك وأرتسمت على وجهه تعابير ممتلئة بالرهبة والخوف وأستمر مكرراً أنا اسف، أنا سف جداً . أشعر بالخجل . كنت ممسكة بتقاريره الطبية وتساءلت ماذا يمكنني أن أقول له أمام بقية من معه في الخدمة المنزلية . لم أستطع أن أخبرهم بخطورة مرضه . كانوا يعتقدون أنه ضحية سحر أسود وأن عائلة زوجته السابقة رمته برقية سحرية . حينما كانت الخادمات في المطبخ وبعيداً عن مرمى السمع، أنحنيت إلى الأمام وقلت بشكل عاجل وسريع، "شانكر، لا بد أن تعرف حقيقة حالتك الصحية . لا تهرب منها . سنجد حلا لها" .
كتف شانكر يديه حول صدره وسقط على أقدامي . كان يتصبب عرقاً وأخذ يردد مرة تلو الاخرى، " أقسم لك أنني لم أقترف أي خطأ . لا بد أنه دم ملوث الذي سبب ذلك لي . أنت تتذكرين انني ذهبت لإجراء عملية جراحية صغيرة السنة الماضية ؟ كانت عملية بواسير . بدل الذهاب إلى مستشفى حكومي جيد حاولت أن أوفر بعض المال وسمحت لنفسي الدخول لعيادة خاصة في أحدى ضواحي المدينة . الأطباء هناك أوصوا بعملية نقل دم . أنا على يقين أنني أصبت بهذا المرض من هناك . يبدو أن الله يعاقبني . ولكن أستحلفك بالله أن لا تخبري والديّ بهذا الشأن . سيقتلهم حتما هذا الخبر . أنا معيلهم الوحيد . إذا حدث شئ لي أين سيذهب كبيرا السن هذان ؟ من سيعتني بهم ؟ أنا لا أريد أن أعيش، حياتي منتهية" .
أخبرته برفق أنه لا يدين لي بأي تعليل لما حدث . أردت أن يحصل على أفضل علاج ممكن وعليه أن لا يستسلم لهذا المرض بسهولة . خر شانكر أرضاً وأخذا يبكي بحرقة . الخادمات خرجن مسرعات من المطبخ يتساءلن مالذي حدث . سألت أحداهن دونما لباقة، "هل يعاني من شئ خطير ؟ هل سيموت قريبا ؟" كنت في حيرة من أمري وضاعت مني الكلمات . ماذا كان يتوجب علّي قوله لرجل فاقد الأمل وتخلى عن نفسه ؟ ربت على ظهره وقلت له الا ييأس . سوف نجد الطبيب المناسب وليتأكد أنه مُحاط بأيدي قديرة . كما أتفقنا على أن نعزوا مرضه للسل . 
السائقان الآخران أنظما الينا وهزا رأسيمها متعاطفين . شانكر كان شخصية محبوبة ودمث وذو صداقات متعددة حول مجمعنا السكني . لكنني شعرت بقلق ومسؤلية عن حمايته . أستطيع أن أخمّن رد فعل أصدقائه أذا أكتشفوا ما يعاني منه فعلاً . المجتمع قاسٍ بشكل مخيف تجاه نوعية مرضه . محتمل جداَ أن يُطرد من منزله من قبِل جيرانه وأن لا يُسمح له بمـِلء ماء الشرب من صنبور الحي . ومن المحتمل أيضا أن يقوم أفراد من مجتمع العمارة بإصدار مذكرة تمنعه من دخول المبنى . بكل ‏تأكيد سينصرف عنه أغلب أصحاب العربات الذين يبيعون الخضار والفاكهة الرخيصة في ‏المنطقة . ‏لا زلت لا أعرف بالضبط ما أذا كنت قد اتخذت القرار الصائب . ولكن شعرت أن مرض السل بدا وقعه افضل . بهذه الطريقة قد لا يُنبذ أو يُتحاشى وقد لا يشعر أنه محطم تماماً . تمسكت بهذه القصة مع عائلتي ايضاً . سوف يستغرق مني هذا الأمر بعض الوقت لأتأقلم مع حالة شانكر ومعرفة كيفية التعامل معه ومحاولة التغلب على هذه المشكلة .
أقترحت عليه أن يأخذ إجازة طويلة الأمد، مدفوعة الراتب كاملاً . عملت الترتيبات مع مستشفى عام قريب ليهتم بإحتياجاته الطبية . المستشفى كان قريبا من مستشفى "دوبي تالو" أحد مستشفيات بومبي الشهيرة .‏ يوجد في هذا المشفى العام جناح خاص للمرضى المصابين بالإيدز . ذهبت إلى هناك وقابلت مجموعة من الأطباء الشباب المتميزين المتقبلين والمراعين لمثل هذه حالات . بعد تدقيق و فحص الأوراق المتعلقة بحالة شانكر، أخبروني بكل صراحة وواقعية بإن الصورة قاتمة جداً . أجهزة شانكر الجسمية على وشك ان تتوقف عن العمل . لم تكن لديه الإرادة للحياة وأستسلم لصراعه مع المرض .
"هل هذا يعني.... ؟"
أومأوا برؤوسهم ووعدوا أن يبذلوا أقصى جهدهم ليجعلوا من أيامه الأخيرة مريحة قدر الإمكان .
أنقضت الأشهر القليلة القادمة بسرعة لا مفر منها . أنتظر شانكر إنقضاء أجله على سرير المستشفى وأخذ يتضاءل شيئاَ فشيئاَ كل يوم . سريعاً تقلص وأنكمش إلى جزء صغير من حجمه السابق . أصبح لا يُمكن تمييزه أو التعرف عليه وهو متمدد على سريره يحدق إلى السقف بنظرات خالية من أي تعبير، خصوصاً تجاه أطفالي الذين لم يكن بإستطاعتهم التعامل مع رؤية سائقهم الحبيب في هذه الحالة البائسة . في كل مرة يراني يرفع يده بتثاقل ليحيني، وبصوت أجش يسألني ما إذا كنت أرغب بماء جوز الهند . ذلك كان شانكر، سخي وحنون إلى أبعد حد ممكن . تذكرت كل الأوقات التي كان يشتري فيها الحلويات لأطفالي من ماله الخاص، لأنني كنت أرفض التساهل في تدليلهم . كان يأخذهم معه الى بيته البسيط خلال مواسم الأعياد ويكرمهم بالمشروبات الغازية وبجميع أنواع الشوكولاته بعد أن يأخذ منهم المواثيق ويتوسل اليهم أن لا يخبروني . لأنني كنت ضد تناولهم هذه النوعية من المشروبات . الأطفال أحبوه وتولعوا به وأنا أعلم إنه كان يحبهم من أعماق قلبه . لقد حضروا حفل زواجه وأعُجبوا بزوجته الجميلة- تلك الفتاة الطائشة التي هجرته . كنت أتساءل بشأنها، ألم يكن من واجبي أن أخبرها عن حالة زوجها السابق ؟ مع ذلك لم تكن هناك وسيلة لإقتفاء أثرها . سألت والدا شانكر عنها لكنهما أدارا ظهورهما للفتاة التي تخلت عن أبنهما المحبوب . لم أتمكن من العثور عليها .
في إحدى المساءات المتأخرة وبينما كنت أحوم بالقرب من سريره محاولةً أن أتجاهل الأنين الخافت وصراخ المرضى المرير المجاورين لسريره، ظهرت فجأة ومن حيث لا أعلم، بطريقة ما، أخت شانكر . سارت بإتجاهي حاملةً حزمة من الأوراق، تريد من شانكر أن يوقعها . "كان يرفض أن يقوم بذلك"، خاطبتني بصوت تعلوه نبرة غضب ونفاذ صبر وطلبت مني التدخل في هذا الشأن . ألقيت نظرة على الوثائق وشعرت بحزن شديد . أكتشفت الأخت أن شانكر على وشك الموت وأرادت أن تستولي على الغرفتين اللتين كان شانكر يسكنهما وكل ما يمكن أن يتركه خلفه من ودائع مصرفية وراتب تقاعدي أو أدخارات . رأيت زوجها وهو يحاول أن يتوارى عن الأنظار متراجعاً إلى الخلف وقمت بأستدعائه وسؤاله موبخةً : 
"الا تخجلا من أنفسيكما ؟". قررت بعدها حبس أنفاسي، "لم يمت شانكر بعد ." لافتةً إنتباههم . نظرا لبعضهما البعض وبعدها همست بصوت خافت، "لكن قريباً سوف يموت . هل تظنين أننا لا ندرك ما يعاني منه ؟ قد لا نكون متعلمين ولكن نعي ما هو مرض الإيدز، كما نعرف إنه موجود في جناح مرضى الأيدز . أخبرونا الأطباء بأنه سيموت عاجلاً . ما الخطأ في سؤاله أن يوقع هذه الأوراق ؟ مع كل هذا أنا أخته الوحيدة . إذا لم يوقع الان سوف نضيّع سنوات من الجهد والوقت الطويل في أروقة المحاكم للمطالبة بهذه الأشياء . أمي و أبي سيكونان في عداد الموتى حين ذلك وستنتزع زوجته السابقة كل شيء . تلك العاهرة التي هجرته . حسنا، و لماذا تُلام ؟ أي أمرأة أخرى كانت ستتركه أيضاً . أنه سيّء الخُلق ومتهتك . رجل مريض، أعتاد أرتياد بيوت الدعارة بإنتظام . بالطبع لم يكن بأستطاعته أخباركم بذلك، هل أخبركم ؟ هذه هي الحقيقة، ولهذا السبب الإله له طرقه الخاصة في التعامل مع مثل هؤلاء الناس الأشرار . نحن نريد ما هو يخصنا، هذا كل مافي الأمر ."
أخبرتهما أن يغادرا حالاً وتترك أخاها لوحده . أخذا بالعدو بعيداً ولكن رأيتهما يتسكعون في الممر ينتظران مغادرتي .
شانكر والذي كان بعيداً عن مرمى سمعنا ولكن مدرك حضورهما، أستدعاني ملوحاً بحركة واهنة بيده الخالية من أي توصيلات طبية، بينما الأخرى كانت متصلة بجهاز تنقيط موصل بإبرة تُولج في الوريد . أخبرتني الممرضة كم كان من الصعوبة إيجاد وريد في ذراعه النحيفة جداً، والتي تم ثقبها من قبل وفي جميع انحائها بعدد لا يُحصى من وخزات الأُبُر . حينما أنحنيت قريباً منه لأستوضح ماذا أراد أن يقوله لي، تمكن وبصوت أجش ان يقول، "سوف لن أوقع تلك الأوراق . قولي لهم أن يذهبوا بعيداً ويتركونني لوحدي" . لوقت وجيز علا صوته بأهتياج وومضت عيناه بغضب . حاولت أن أطمأنه وأخبرته أن لا يقلق، سوف أعرف كيف أتعامل معهم، وأن يحاول أن يأخذ قسطاً من الراحة . أبتسم بشحوب وأجاب، "أنا اعرف أن وقتي قد أزف وفترة ضماني انتهت !" . توفي شانكر بسلام بعدها بعدة ساعات . 
مرت عدة سنوات ومع ذلك كلما أسمع جرس الباب يدق بطريقة معينة أظن فيها أنه شانكر عند الباب . موته الغير متوقع والحزين، والطريقة الي توفي بها هزتني بعمق . على الرغم من أنهم كانوا يمثلون جزءًا حميمياً وأساسياً في حياتنا، كم هو قليل حقاً ما نعرفه عن أنُاس يعملون لدينا ! عندما تحل المأساة، حينها نعتبر وجودهم وخدماتهم تماماً من المسلمات ونأخذهم حين ذلك على محمل الجد . أخذ موت شانكر مدة طويلة من الوقت بالنسبة لي لأكتشفه كأنسان . مع أوجاع قلبه وأسراره وجسد كان يفسح المجال ويعطي الطريق للأخرين . من يعرف كيف أُصيب بهذا المرض ؟ أذا كان حقاً ما قالته أخته هي الحقيقة، أو إذا كان هو الذي على حق ؟ شعرت بحرج شديد لمحاولة أستقصائي تفاصيل حياة سائقنا الجنسية وكنت سعيدة بعدم قيامي بذلك . لم يكن هذا مكاني، والان أكثر من أي وقت مضى لم يعد لي صلة بهذا الأمر . عوضاً عن ذلك، أفكر كيف يمكن أن تكون الأمور مختلفة . هل لو كنت مطلعة بشكل أفضل أو مدركة وواعية بهذا الأمر، هل كان بإمكاني أن أميز وأعرف الأشارات المبكرة وبشكل أسرع ؟ هل كان أكتشاف المرض في الوقت المناسب يطيل أمد حياته ؟
أخيراً في السنة الماضية فقط أخبرت أبنائي بالحقيقة حول موت شانكر . حسناً... بنسخة معدلة من الحقيقة . أليكم أعتراف، أخبرتهم أن شانكر أصيب بمرض الإيدز بسبب أبرة ملوثة خلال عملية نقل دم . أنا أعلم أنهم سيُصابون بصدمة معرفة أن سائقهم الموثوق كان يتردد على بيوت الدعارة . أعتبروها أخر كذباتي لأجل شانكر، ولكنني أردت أن يتذكرونه بشكل مختلف . لا زلت أنا وأبنائي نستعيد بعض ذكريات غرابة أطواره الصغيرة ومراوغاته اللطيفة . فقط في اليوم التالي وخلال مرورنا بجانب مبنى "نادي الرصيف" وهي مؤسسة خيرية تعني بتعليم أطفال الشوارع والذين عمل فيها أبنائي كمتطوعين، تذكرنا كيف كان شانكر يشير الى هذا النادي بأسم "نادي مفرش المائدة" . نضحك بسذاجة على هذه الذكريات ونتمنى أن يكون شانكر سعيداً وحراً حيثما يكون . 
*قصة مبنية على احداث حقيقية حدثت لسائق الكاتبة الخاص .  



السيرة الذاتية للمترجم و الكاتبة:‏
عصام محمد الجاسم
‏ مترجم سعودي متخرج من جامعة الملك فيصل بالاحساء، المملكة العربية السعودية. يهوى الترجمة من و الى اللغة الانجليزية. ‏نُشرت له ترجمات في بعض المجلات و المواقع الثقافية العربية و بعض الدوريات ﺍﻷﺩﺒﻴﺔ الأمريكية.‏
شوبها دي
‏ روائية و ناشطة هندية. كاتبة مستقلة لعدد من الصحف و المجلات الرئيسية في الهند. شاركت في العديد من المهرجانات الأدبية ‏داخل و خارج بلدها. تلقى تعليقاتها و انتقاداتها للشأن الأجتماعي صدى واسع في المجتمع الهندي.‏



















        

.




 
الاسم البريد الاكتروني