كتاب ألحضارة الإسلامية في الأندلس ومظاهر ألتسامح (1)

د. ثريا لهي
/site/photo/10894
 
عُرف المجتمع الأندلسي بالتعدد على مستويات الأجناس المتساكنة فيه، من العرب، والبربر، والروم، والمولدين، والصقالبة، وعلى مستوى الأديان والعقائد، كالإسلام، واليهودية، والمسيحية، وعلى مستوى اللغة، كاللاتنية، والعربية، والعبرية، الفصحى منها والعامية .
عاشت هذه العناصر منذ الفتح في سلام وطمأنينة، وعملت الخلافة الإسلامية منذ الفتح عل احترام هذه التعددية "فأما اليهود فقد وثق المسلمون فيهم عند الفتح وضموهم في كل بلد مفتوح مع حامية إسلامية . وقد تركوا لهم حرية العقيدة وحرية التنظيم الداخلي للجماعة اليهودية، وأما أهل الذمة من النصارى فقد ذكرنا كيف أن العرب الشاميين نزلوا على أموالهم، وكان لهم قضاتهم كما كان لهم مطران مركزه طليطلة، وحفظ العرب لهم أديرتهم وأكثر كنائسهم" (1) .
 
ويظهر أن هذا الأمر قد خلف نوعا من الثقة بين العرب الوافدين وغيرهم، من سكان شبه الجزيرة الإيبيرية، وفي ظل التسامح الديني، استطاع بعض العرب من أجل تكوين أسرهم، اتخاذ زوجات إسبانيات من السكان الأصليين، وفي ظل هذه الأسر الجديدة، تلاشت الفروق بين الأصول القبلية العربية وغيرها، وأصبح الانتماء للأندلس، هو الغالب على سكانها . ونتج عن هذا التزاوج ظهور عنصر المولدين، الذين قاموا بدور كبير وبارز في تطور المجتمع الأندلسي، عن طريق "دورهم في الاقتصاد العام للبلاد، حيث كانوا يمثلون العنصر الأكثر نشاطا، والأحسن توافقا مع المستعربين، والبربر، على ظروف شبه الجزيرة، وبمساعدتهم على التطور، أي معاونة الكثير منهم على الغنى، والدخول شيئا فشيئا في المجتمع الأندلسي، حيث كان العنصر الفاتح يكون أرستقراطية خاصة"(2) .
استطاع هؤلاء المولدون بفضل حسن سلوكهم أن ينالوا ثقة الحكام فاعتمد الأمويون (3) على عدد من عناصرهم في قمع بعض الثورات والقضاء على أسباب الانقسامات السياسية لبعض العناصر الطارئة من عرب وبربر، وأظهر هؤلاء المولدون حسن تمسكهم بالإسلام وإخلاصهم له .
 
كانت الحرية الدينية التي سادت في المجتمع الأندلسي عاملا فعّالاً في توجيه الناس للمعرفة، والأخذ بأسباب التعلم بلغات مختلفة، عربية أو عبرية أو لاتينية، فكان العرب يدرسون هذه اللغات إلى جانب اللغة العربية، كما كان غيرهم من المسيحيين واليهود، يقبلون على دراسة اللغة العربية بجانب لغتهم الأم . وفي تراجم الأعلام نجد كثيراً من القضاة العرب، ممن كانوا يتصدرون مجالس الحكم، يتقنون الحديث باللاتينية، كما يتقنونه بالعربية، بل إننا نجد بعض علماء العصر، ممن كان يتفوق في أكثر من نوع من أنواع المعرفة، وبلغات مختلفة، نذكر منهم على سبيل المثال أبا بكر الرقوطي المرسي، الذي كان "طرفا في المعرفة بالفنون  القديمة، المنطق والهندسة والعدد والموسيقى والطب، فيلسوفا طبيبا ماهرا آية الله في معرفة الألسن، يقرئ الأمم بألسنتهم فنونهم التي يرغبون في تعلمها، شديد البأو مترفعا متعاليا عرف طاغية الروم حقه، لما تغلب على مرسية، فبنى له مدرسة، يُقرئ فيها المسلمين والنصارى واليهود"(4)
والذي يهمنا في هذا البحث، هو تسليط الضوء على اهتام أهل الذمة بعلوم اللغة العربية والتميز فيها أدبا وشعرا، وبلوغ أعلى المقامات، وتولي المناصب العليا في الدولة، كالوزارة والكتابة وغيرها . وأصبح استخدام الكتاب منهم، والأطباء أمرا عاديا عند الأمويين . وبلغ هذا التسامح أوجه عند الخليفة عبد الرحمان الناصر، الذي جمع في بلاطه وفي وقت واحد بين الطبيب العالم أبي الوليد محمد بن حسين، المعروف بابن الكتاني، والأسقف النصراني، ربيع بن زيد، والطبيب اليهودي، حسداي بن شبروط .(5) كما عرفت هذه الدولة سفراء لها إلى قشتالة وأوروبا، من أبرزهم حسداي السابق الذكر، الذي كان سفيرا للخليفة الأموي الناصر لدين الله .
 
ومن شعراء اليهود الذين قالوا شعرا بالعربية : إلياس بن صدود اليهودي الرندي من شعراء المئة السادسة، ونسيم الإسرائيلي الإشبيلي، شاعر ووشاح، وإسماعيل اليهودي، وابنته قسمونة، التي اعتنى بتأديبها وتعليمها حتى أصبحت شاعرة . ومن النصارى اشتهر ابن المرعزى الإشبيلي من شعراء المعتمد ومداحه (6) .
 
لم يكن أهل الذمة يدرسون اللغة العربية وآدابها، ليجدوا لهم سوقا نافذة في رحاب السلطة العربية في الأندلس فقط، بل كانوا يحصلون بها على مناصب السفارة عند ملوك الفرنجة، كإبراهيم بن الفخار اليهودي الذي" ساد في طليطلة وصار رسولا عن ملكها النصراني أذفونش، إلى أئمة بني عبد المومن، بحضرة مراكش، وكان والدي يصفه بالتفنن في الشعر ومعرفة العلوم القديمة والمنطق"(7) . 
قد نلمس عند بعضهم روح التحدي في إقبالهم على قول الشعر والنبوغ فيه، حتى ذهب بعضهم إلى أبعد من ذلك، كمحاولة ابن النغريلة، وزير ابن حبوس نظم آيات القرآن في أشعاروموشحات يغنى بها كقوله"(8) :
          نقشت فـي الخد سطرا                من كتاب الله مـــوزون 
          لن تنالوا البــــر حتــى                 تنفقــــوا ممــا تحبــــون 
 
 
عرف المجتمع الأندلسي، أنواعا من العلاقات الإنسانية والإجتماعية بين العرب وغيرهم من الأجناس الأخرى، وبين المسلمين وغيرهم من أهل الديانات الأخرى، وانعكست هذه العلاقات على الحياة اليومية للناس، فتشاركوا في الإحتفالات، بالأعياد والمواسم وأصبح أهل الأندلس من المسلمين يحتفلون مع إخوانهم المسيحيين بأعيادهم كعيد رأس السنة أو مايسمى "ينير" الذي كان يحتفل به احتفالا كبيرا، سواء في المنازل أو في الشوارع" حيث تقام النصبات في الحارات وهي عبارة عن موائد كبيرة يضع عليها الباعة أصناف الحلوى والفواكه، وروي في احتفال أهل الأندلس أن النصبة ببعض بلاد الأندلس يبلغ ثمنها سبعين دينارا أو يزيد على السبعين"(9) . وعرف الأندلسيون في الاحتفال بهذا اليوم حلوى خاصة اسمها المدائن(10)، والظاهر أنهم كانوا يتفننون في صنعها والانفاق عليها كل حسب طاقته ومقدرته المالية، بل كانت بعض النساء يغالين في الاحتفال بهذا العيد طالبات من أزواجهن النفقة الباهضة، قد لايقدروا على دفعها ) . هذا الأديب محمد بن مسعود القرطبي يصف موقفا له مع زوجته :
أ 

أبا القاسم اسمع مـن عـبيدك طرفة          أبثكها فأذن لهــا تلــج الأذنـــــا  
دنت ليلـة النيروز منا ولم تـكن              لترضى لنا فيها من العيش بالأدنى
وقالت خجولي سر إلى السوق واحتفل        ولا تبق فيها من جراديقها منا  
وقف بابن نصرواحـشون ثم قــفة       من أطرف ما يحويه كي تذهب الشجنا
وجز بالفتى الجزارواختره هـــــابلا           بقد ابن فتــوي أبي بكر المضنــى
ولابـد من اترجــة صعــترية           وإياك أن تنسى التوابــل والحنا 

فقلت : وأين النقــد يا ابنة عـزة لقد       جئتها بلـقاء منتنـة  نتـنا  
من حظوظ الظرف في زعمه الأسنى    فقالت أديـب شاعـر متـفـنن حوى 
بلا قطعــة؟ هذي لعمرك هجنة           فسر راشدا عنا فما لك من معنـى 
              لئن لم تجئ بالتين ألبست شيرة           وبالزيت أضحى سجنك البيت والدنا       
            فـلا ينكـسر باللـه جاهي عندها          وخذ في الذي احتاج شعري ذا رهنا(11) 
     ومن الأعياد المسيحية التي كان أهل الأندلس يحرصون على الاحتفال بها عيدالعنصرة، أو المهرجان ويكون يوم الرابع والعشرين من شهر يونية وهو يوم ميلاد يحيى بن زكريا عليهما السلام، وصفه الدكتورمحمد بن شريفة في تحقيقه لكتاب امثال العوام للزجالي، أن الناس كانوا يقيمون شعلة النارويقفزون فوقها وكانوا يتأنقون فيها بلبس الجديد من الثياب وإجراء الخيل . يقول الشاعر حسان بن أبي عبدة في المهرجان وهو ما يطلق عليه العنصرة 
أرى المهرجان قد استشرى                     غداة بـكى الـمزن واسـتعبرى
وتسربلت الأرض أفـوافـهــا                     وجللت السنـــدس الأخضــرا
    وهز الرياح صنابيرها                       فضــوعت المسـك والعنــبـــر
          تهــادى به الناس ألطافــــــه               وســام المــقل بــه المكـــــثرا(12)  
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ الأدب الأندلسي عصر سيادة قرطبة للدكتور إحسان عباس13
(2) الأندلس في نهاية المرابطين وبداية الموحدين للدكتورة عصمت دندش ص250.
(3) المصدر نفسه 
4) الفكر الإسلامي وأثره في فلسفة موسى بن ميمون وتطور التقاليد اليهودية ص 110 المصدر السابق.
5) الذخيرة لابن بسام ق 3 م1 ص457 .
6) المصدر نفسه .
7)نفح الطيب ج3 ص526 
8)المغرب في حلى المغرب ج1 ص 269  
9 ) ) التسامح الديني للدكتور محمد بنشريفة ص35 س16 منشورات أكاديمية المملكة المغربية
10)النفح ج3 ص522 .
11)المصدر نفسه ص530 .
12)المغرب ج1 ص269 .

 
 الدكتورة ثريا لهي
كلية ألآداب والعلوم الإنسانية
 جامعة الرباط



 
الاسم البريد الاكتروني