نافذة على الذاكرة/ فليستيا لانغر، الحاجة فولا

د. فياض عبد الكريم فياض *
/site/photo/10989
هكذا أسمتها أمهات المعتقلين الفلسطينيين لدفاعها الجريء عن أبنائهن السجناء في المعتقلات والسجون الإسرائيلية وبسبب تواضعها الجم في التعامل معهن النابع من ثقافتها الشيوعية الراسخة والموروثة !!

تعرفت الى تلك المناضلة الأممية من خلال العمل الوطني ونشاطي في هذا المجال منذ أن استقرت قدماي على أرض الوطن بعد تخرجي من جامعة بلغراد اليوغسلافية .

كانت أولى المهام التي قمت بها هي فضح المحاولات الإسرائيلية للاستيلاء على أراضي الفلسطينيين، وفي هذا الصدد أقمت علاقة قوية مع رفاقنا الشيوعيين في المثلث .

اتصل بي أحد المحامين المتدربين عند فليستيا وأخبرني أنها ستأتي إلى بلدية طولكرم وهي بحاجة إلى مرافق لها للتعرف على رئيس بلديتها آنذاك ألا وهو المرحوم حلمي حنون .

هكذا مروا بي على العيادة وانطلقنا من ثم إلى البلدية، في أثناء عبورنا الشارع الرئيسي التفتت فليستيا إليَّ وقالت : لماذا شوارعكم غير نظيفة يا رفيق، أعتقد أن قيام الدولة الفلسطينية سيقوّم الوضع ولن تسمحوا بعد ذلك باتساخها ثانية !!

وصلنا البلدية وعرفتها على السيّد حلمي حنون وبعد واجب الضيافة ذكرت له فولا أنها مدعوة للدفاع عن أراضي برطعة فمررنا على الدكتور فياض ليوصلنا إليكم ثم نذهب سوية إلى برطعة ولكن بعد ان تؤمنوا لنا سيارة توصلنا إلى هدفنا .

طلب الرئيس حنون مهندس البلدية آنئذ السيّد " عبد الرحمن حسن " وأوعز إليه أن يتجه معنا إلى برطعة وهكذا كان إذ لم يكن أحدنا يملك سيارة خاصة، وبينما كنا متجهين شمالا إلى برطعة التفتت إليّ فولا، حيث تجلس على المقعد الأمامي وقالت : هل تعرف يا دكتور من هي الدولة الكبرى الإسلامية التي تؤيد حقوق الشعب الفلسطيني ؟؟ قلت لها هل هي الهند ؟ قالت لي : لا ليست الهند، قلت لها : إذن من ؟

قالت : الاتحاد السوفييتي فضحكنا سويا واجمعنا معها على قولها وأننا لم نفهم بالضبط صيغة السؤال ولذا أخطأنا، واعتبرتها حكمة كبيرة منها لحبها للطرافة .

أخذت دائما ومنذ ذلك اليوم اردد تلك المقولة .

في برطعة قمنا بالواجب وأدينا الأمانة وأخذت الأوراق اللازمة وتفاهمت مع أصحاب الأراضي المستهدفة على النهج الواجب إتباعه لإنقاذ أرضهم .

بعد سنوات ازداد نشاطي الوطني وازدادت مؤامرات الاحتلال فكانت محاولة تشكيل روابط قروية في الريف الفلسطيني في الضفة الغربية، وكان لا بد من التصدي لهذه المشاريع وإحباطها ولا أريد أن ادخل في التفاصيل، لكن أريد أن أركز على دور فليستيا في الدفاع عني بعد اعتقالي من قبل سلطات الاحتلال، حيث انبرت فليستيا كالنمرة في قاعة المحكمة وأخذت تجوب القاعة جيئة وذهابا، وتوالت تساؤلاتها عن سبب اعتقالي، قال لها المدعي العام : انه يعارض سياسة الحكومة الإسرائيلية ويعمل على إرباكها، وقفت فولا في وسط القاعة كالنمرة المهتاجة وقالت بصوتٍ عالٍ : أهذه جريمة ؟؟ هذه ليست جريمة، وأنا أيضا أعارض سياسة الحكومة الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني، ثم نظرت إليّ وهي تقول : لقد صدّق الدكتور فياض أن إسرائيل دولة ديمقراطية، لقد أخطأ في ذلك .. أليس كذلك يا دكتور ؟؟ وهل تعدني وتعد سيادة المدعي العام الإسرائيلي انك لن تصدق بعد اليوم أكاذيب حكومة دولة إسرائيل ؟؟

من فضلك يا سيادة الحاكم أرجو أن تأمر بإطلاق سراح الدكتور فياض حالاً .

هكذا صاحت في وجه المحكمة الإسرائيلية، وكانت قد ترددت نفس المطالب من على منبر الكنيست الإسرائيلي على لسان المناضل الشيوعي العظيم والقائد الأممي الفذ ماير فلنر وكذلك من على شاشات وأصوات المذياع في كل من دمشق وموسكو وغيرهما وعلى صفحات الصحف الأردنية .

وقفت معنا في معارضة الضرائب الجائرة التي أخذت تفرضها سلطات الاحتلال الإسرائيلي وبقيت راسخة في ذلك حتى بدأت إسرائيل تدير ظهرها لكل القوانين الإنسانية في التعامل مع المعتقلين الفلسطينيين .

عندئذ تنحت فليستيا جانباً مع استمرار تقديم المشورة والنصيحة لمن يطلبها .

قامت فليستيا بتلخيص تجاربها النضالية هذه من خلال تأليفها كتابين هما : " بأم عيني " والتالي " أولئك هم إخواني " وقد كنت حريصاً على ضمهما لمكتبتي الخاصة في منزلي .

إن انتماء فليستيا الأممي لا حد له، واليكم هذه القصة : كنا نجلس وإياها في مكانٍ ما، وكانت المقاومة في الجنوب اللبناني على أشدها حتى استطاعت المقاومات الأرضية العادية من إسقاط طائرة إسرائيلية ( أف 15 ) ولم تدر " وزارة الدفاع الإسرائيلية " كيف ترد على ادعاء المقاومة بإسقاط الطائرة، فمرة تقول كذا ومرة تقول عكس ذلك إلى أن اعترفت بأنها أصيبت وأنها هبطت في الأراضي " الإسرائيلية "، وقالت فليستيا : انظروا لقد كنت طفلة أثناء الحرب العالمية الثانية وكانت عائلتي تعيش تحت الحكم النازي وكنا نغتبط جدا ويغمرنا سرور عظيم كلما أصيب الجيش الألماني الهتلري بأية هزيمة على يد الجيش الأحمر ولهذا يسرني أن اسمع او ارى هزيمة الجيش الإسرائيلي على يد المقاومة العربية الباسلة .

لك المجد يا فليستيا مع قافلة المناضلين الأمميين الكبار، ولتقر عينك وأعين رفاقك السابقين واللاحقين في الحزب الشيوعي الإسرائيلي خصوصا وان هذا الصوت الحر يأتي من الجانب الآخر للمتراس، نعم من الجانب اليهودي الأممي الذي عانى من ظلم الأعداء وظلم أبناء الجلدة .

كما لا بد من الإشادة بالأدوار التي يقوم بها المحامي الشيوعي فتحي شبيطة من طيرة المثلث سواء لقيامه كصلة وصل مع فليستيا أو يسد مكانها لكثرة مشاغلها .

اتمنى للرفيق العزيز والصديق الحميم فتحي شبيطة الشفاء والسلامة، وأخيرا فهذا غيض من فيض من يجب ذكره بمناسبة رحيلك يا فليستيا وإننا على الدرب لسائرون .

 شاعر وكاتب
من الشيوعيين القدامى / دير الغصون – فلسطين




 
الاسم البريد الاكتروني