أرض القهرمان / كاظم الأحمدي في شمعته العاشرة

مقداد مسعود/ البصرة
/site/photo/11001
الورقة  المشاركة في الأمسية التي أقامها ملتقى جيكور الثقافي في قاعة الشهيد
(هندال)  26/ 6/ 2018 بمناسبة مرور عشر سنوات على رحيل القاص والروائي  كاظم الأحمدي..
 
(*)
 
في 30/ 6/ 2008 أوقد شمعته الأولى  في الشاطىء الثاني : المربي الفاضل مدرّس الللغة العربية في ثانوية الجاحظ للبنين القاص والروائي كاظم الأحمدي .. رأيتُ ذكراه هذه المرة بعينيّ قارىء عودّه أستاذه أن يقرأ كل قصصه ورواياته بخطه الأنيق الدقيق المكتوب بأزرق القلم الجاف أو الحبر.. بالنسبة للمجموعة القصصية ( أرض القهرمان ) وقبلها روايته( قصر الأزلزماني ) فهي مبادرة وفيّة من ولده البار الدكتور صلاح كاظم الأحمدي الذي تكفل طباعتهما من حر ماله الشخصي ..
 
(*)
 
ثمة أفعال يوظفها القاص والروائي كاظم الأحمدي، في سردياته، لم يستعملها أحد قبله وأصبحت ضمن توقيعه السردي ومنها : يدحس، يدحو، يزبق ، زَبَق . يتلاصف .
 
(*)
 
لو كانت رواية ( أمس كان غدا ) قد وصلت نسخة ٌ منها للناقد العربي الكبير جورج طرابيشي لأحتفى بها نقديا في كتابه النقدي ( شرق غرب أنوثة ذكورة ) ليس لأن الأحمدي اشتغل علاقة الآخر والهوية، بل لأن الأحمدي كسَرَ النسق العربي روائيا، فالبطل لم يذهب الى فرنسا كما ذهب بطل سهيل أدريس في روايته ( الحي اللاتيني )  ومحسن في ( عصفور من الشرق ) لتوفيق الحكيم أو مصطفى سعيد الى لندن في رواية الطيب صالح ( موسم الهجرة الى الشمال)  ..
 
بطل ( أمس كان غدا ) اسمه عقيل وقد حاولت المرأة البريطانية  مسسز فيلمن أثناء الإحتلال البريطاني للعراق أن تصوغه صياغة كولونياليا، من خلال فرشاتها التشكيلية وكذلك من خلال تسميته أوتلو/ عطيل... وقد تسلطت أضوية نقدية عديدة على هذه الرواية الهامة ومن الذين تناولوا رواية ( أمس كان غدا ) شيخ النقاد العراقيين الدكتورعلي جواد الطاهر واشاد بها كثيرا واختلف معها في جانب من وجهة نظره النقدية وكانت مقالة الطاهر عميقة واحتلت مايقارب عددين من صفحة ثقافة في جريدة الثورة أبان صدور الرواية..
 
(*)
 
قصص ( أرض القهرمان ) هي ست قصص تتفاوت في الطول وتتنوع في الموضوعات :
 
*الرمل في الحذاء
*كماء البحر
*أرض القهرمان
*ذبابة التمثال
*جديلة نون
*يوسف وكواكبه 
 
معظم هذه القصص منشورة في مجلة الأقلام من 199 الى 2003 ترى قراءتي الخاصة أن ( الرمل في الحذاء ) أقرب الى رواية قصيرة منها الى القصة القصيرة، الاشتغال فيها يطوف حول لحظة إعدام مجموعة من الرجال أثناء الحرب العراقية الإيرانية، ونحن الذين كنا جنودا آنذاك حين نقرأ هذا النص نتذكرنا سجناءً عسسكريين ويقتادوننا لمشاهدة أعدام جنود عراقيين من فرقة إعدام عراقية، تهمتهم ( فرارية ) يرفضون الموت عسكرياً نيابة عن الأمة العربية..
 
(*)
 
بإستثناء ( جديلة نون ) فأن قصص المجموعة تشتغل على السلطة
ثلاث قصص تشتغل على رأس هرم السلطة :
 
*ذبابة التمثال
*أرض القهرمان  تنهل من كنوز الملك سليمان
*يوسف وكواكبه : تدور حول سلطة العزيز وعشق زليخة ويوسف .
 
سنقوم بإرجاء الكلام عن ( ذبابة التمثال ) ونتوقف عند القهرمان وكواكب يوسف نلاحظ في القصتين هناك ميتا قص :
 
*( كانت والدتي تقول . كان يامكان .. كان صاحب أرضنا جائرا. يأخذ الفتيات والفتيان .. فتمسك بأذني يجمدني صوتها . أسمع كلماتها تأتي من أماكن بعيدة – من وراء السماء – جعلتني أمتص لبن الأرض المتربة، بحيث لما أتصل جسدي بها، ألححت ُعليها أن تروي قصتها الى نهايتها . أرض القهرمان والكبير فيها في كل حين لم يسمع بمثل حكايتها .ولقد هممت أن أمزق أوراقي/ 49)..في قصة (يوسف وكواكبه) يخبرنا السارد الأول .. ( ولما سمع راوينا من أفوهنا، تلك الضوضاء، طفق فمه يرعد.. أن الراوي أخذ لسانه يفلت يقترب من التجديف الصريح.. /96 ) وكذلك في قول السارد ( بالرغم من أن الحوارات، كانت نادرة كأن أوعيتنا خالية منها : لكننا كنا ننتظر راوينا، كي يملأ الفراغ الذي صار يتسرب الى أصل حكاية الفتى.. /99 ) .. ( 103 ) .
 
(*) في ( يوسف وكواكبه ) ضوء الحب لايأتي صرفا ودافئا كما هو في قصة ( جديلة نون ) التي هي بحق  من أجمل ما كتب كاظم الأحمدي، ويمكن اعتبارهذه القصة القصيرة ضمن إجناسية المايكرو سيرة، فهي تغترف من سيرة الكاتب كاظم الأحمدي ويتنوع السرد كالتالي :
 
*مرة يكون البث من السارد الى القارىء، والسارد هنا هو سارد ثان فالسارد الأول هو زوجته وذلك بشهادته هو ( تبادر الى ذهني، المكان نفسه الذي وصفته لي زوجتي . كانت قد أسهبت في رسم صورته، أسمعتني مدة نصف ساعة وصفا حياً لكل المنطقة . فأختلطت ألوان البيوت . البيوت كلها متشابهة الألوان/ 73 ) .
 
ثم ينتقل السرد الى جهة أخرى ضمن محيط العائلة وذلك ما يخبرنا به السارد الرئيس أعني الأب ( كنت قاصدا زيارة ابنتنا التي تزوجت بعد انتهاء السنوات الثمان فسكنت وزوجها في بيت العائلة ) وبعد هذا المهاد السردي ننتقل الى ساردة ثانية من خلال سرد الأب ( قالت أنه كبير وواسع جدا، نحتل غرفتين في طابقه العلوي . ) ثم ينتقل الى السارد الأب نقلة زمنية ليست بالقصيرة ( وبعد ثلاث سنوات ) ثم يضيف نقلا عن لسانها ( قالت أن ولدي لايستطيع أن يلعب فيه ) ثم يعقب السارد الأب ( كانت تخفي خوفها من السلم المظلم، فقررا الانتقال الى بيت آخر، لكنها لم تستطع أن تخفي رغبتها في أن يكون لها بيت مستقل ) ثم تحدث نقلة مركبة فالساردة الثانية ستوجه كلامها للساردة الأولى، ومن الساردة الأولى ينتقل الكلام الى السارد الاول ومنه للقارىء.. ( قالت لأمها سأكون امرأة وزوجة وأما ) ثم يعقب السارد الأول ) أهذه الفكرة تقنع في ظرف كهذا – أن العائلة أشجار يستظل تحتها سرب من الطيور: مجنونة ابنتك ؟ ) يعود السارد لينقل لنا كلام الساردة الأولى، الذي توجهه الى السارد الأول ( ثم قالت أن لولدها فيه غرفة واسعة ) ثم يعقب السارد الاول موجها كلامه للساردة الأولى ( تحاولين أن تدخلي المسرة الى قلبي ) ثم يعاود هذه الحركة المكوكية السردية، حيث توجه الساردة كلامها للسارد ( بامكانك أن تلعب معه ) فيضيف السارد ( أنا الحصان وهو الفارس ) ويستمر هذا التحاور بين الجدة والجد، ثم تعقّب الساردة الثانية على كلام الساردة الأولى وتوجه الكلام للسارد الأول ..
 
(*)
 
وهو في طريقه لزيارة أبنته تحدث المصادفة الأجمل، وهنا سنكون في بيت الأبنة والأب سيقوم بسرد المصادفة  الى أبنته وهو في الطريق إلى بيت أبنته سيرى طفلا يذكره به ( رأيتُ طفلا يتقافز كأنما الملك، أرنبا يجري ووراء ظهره حقيبة صغيرة فارغة مفتوحة . أضحكتني حركة جسده الحرة /74 ) وتحت غواية سرد الأب تكون الأبنة وبشهادة الأب السارد الماهر فقد ( كانت تعرف أن أباها مازال يدخر من الأحلام القديمة مالم تسطع كتبه على كثرتها، أن توفر له حلماً واحدا حقيقيا /76 ).. ثم ينتقل السارد الأب الى سرد مؤثرية المواجهة عليه أعني تلك اللحظة التي حققا حلما فشلت كتابة الكاتب على غزارتها على تحقيقه ( أحس خدرا في قدمي سأتجاوز السبعين إذن كان ثمة صوت يتدلى من بين شفتي المرتعشتين.. رأيتها كالمضطرة الى سماع صوتي، أيتها المرأة أختي، أود أسألك ) ثم يصف أرتباكاته النفسية صوتيا ( جرى الصوت كخرير مياه ولما كررته، انقلبت سيناته الى ثاآت ليس بأمكاني أن أصف لحظة كهذه ) ثم يركز السارد حول إيماءاتها الجسدية ( تلفت كامل جسدها محدقا بي، توقعت عيناي أن تريا في وجهها، مما يحمل وجهي من آثار الزمن – وجد الجد بأعوامه المكدسة ) ثم ينتقل الى الرؤية ( ومن ثم رأتني . ولما رأتني توقفت عيناها أن تكون عيني امرأة ) في قول السارد (... توقفت عيناها أن تكون عيني امرأة ) مابين القوسين يكتنز وجعا عظيما مبأرا بعيني السارد الذي خبر الدنيا وصاغ خبرته سرديات شتي في القص والتروية .. ثم يستأنف في سرد مؤثرية الحدث ( كانت فيهما ومضات ذكرى تأتلق ثم تنطفىء، ثم تأتلق ) ثم يركز السارد على هذه اللقطة المعنية بالبصر وعلاقته بالسن ( وما أن رفعت كفاً الى عينيها سمعت صوتها، يصرخ بي : أأنت كاف ؟ إلى أين أنت ذاهب ياكاف ؟أعرفت أنني هنا في هذه الناحية، سكني هنا . فجئت تسأل عني – أنا نون ياكاف ؟ - ) هنا يقطع السارد البث ويوجه كلامه لأبنته ( ذكرى تأتلق ثم تنطفىء ثم تأتلق، تلعثم لساني، يبست شفتاي . ظهرت عجلة الزمن تزحف وتشحط . هل عرفتني ربما لأنني... كلا، هل فكرت يا أبنتي، كيف عرفتني نون ! لم يتوقف هذا اللعين- اشارت يدي الى صدري – فضحكت أبنتي- لم يتوقف عن الخفقان – عرفتها . كانت دقاته تتوالد، فتسرع، كأنما تخرج من بئر ملأى بالمياه . ) ثم يميط لثامه السارد ( لكنني لم أقل لها عرفتك يانون . هل كنت لئيما ؟ كلا كلا . كنت خائفا منه . خائفا أن يكون ضعيفا .أن يعود الى صباه، ) ثم سيقوم السارد بتكرار وجيز سرد مسرود عليه من قبل زوجته.. فإذا بها وهي تلاحظ ارتباكات سردته تلجمه عن السرد قائلة ( أي كلام هذا . ماالذي يجعلك مضطرباً هكذا ؟ ليس بمقدور أحد ما، أن يتهمك بمتابعة امرأة عجوز مثلي- أعرفتني يا كاف ثم ضحكت سنها، ألتمعت بالأحرى شفتاها لمعانا رأيت مازالت في صورة نون القديمة، فأضطررت أن أترك وجهي يأخذ ألوانه في ذاكرتها، ضحكت أنا ولكنني أخفيت أسناني.. لقد دخلت الشيخوخة أجسامنا مبكرة عشر سنوات أو أكثر.. ) ثم ينتقل السارد الى مؤثرية إنشاد المنادى ( ثم كررت صوتها.. كررت الحرف الأول – ياكاف – بجرأة فحركت رأسها. هزته مرتين /78 )
 
(*)
 
قصة ( ذبابة التمثال ) هي جرأة السرد القصوى لدى كاظم الأحمدى وعذرا – إذا قلت هي التهور السردي في زمن البطش – فقد تلبسني الخوف، حين حدثني ذات ليلة عنها وأنا أوصله مشيا من أم البروم الى دارته الكائنة في منطقة البصرة، وأزداد خوفي عليه حين أطلعت على مخطوطة ( وجه الملك ) .
 
تتناول قصة ( ذبابة التمثال ) حكاية ذبابة يسردها لنا حارس التمثال :
 
( وقفت ذبابة فوق أنفي فكرت في أن أطردها، لم أتعب نفسي كثيرا حينما فكرت في يدي ) هكذا تبدأ القصة، والسؤال هنا لماذا تكرار فعل التفكير؟ وهل طرد الذبابة يحتاج تفكيرا ؟ بلا تفكير نقوم بذلك أعني تلقائيا للتخلص من حشرة مذمومة !! والسؤال الثاني : لماذا فكر بيده للقيام بالمحاولة ؟! وهل يحتاج رفع اليد ونش الذبابة الى عملية تفكير ؟! أن مابين القوسين يحتوي شحنة مشفرّة شفيفة تغوي فعل القراءة لمواصلة البحث عما وراء هذه الخلية السردية الموقوتة في القصة... أن الحرس في هذا المكان مجرد / مستلب من أي فعل تلقائي، لأنها التلقائية عرضة لتأويلات السلطة، للسلطة مفلاتها التأويلية التي تخضع كل حركة لقصدية آثمة .. أثناء ملاحقتنا للسطور سنعرف أن يد الحرس قد أثقلها برد الشارع، وأن الحرس كان يحتمي بقاعدة التمثال وفوق رأسه أضوية لحماية التمثال، وسنلاحظ أن سردية الحرس انتقلت لها جمودية التمثال بسبب قسوة المكان ( فكرت في يدي، ولكنني حينما حولت رفعها وجدتها ثقيلة جدا، كان ثمة تيار بارد يصيب من جسمي الجزء المواجه لظلال أعمدة النور ) .. في هذه القصة للظل فاعليته النسقية :
 
*الحرس بسبب الضوء الملسط على التمثال أصبح بلا ظل ( فوق رأسي يدفق شلال ضوء ينحو ظلي /63 )
*الطريقة الوحيدة لإسقاط التمثال هي السيطرة على ظله وسيخبرهم أحد العقلاء ( وهو يقترح أن يرسموا التمثال على الأرض أن ظل التمثال كالتمثال ) ثم ينتقل الشخص من القول الى الفعل ( أخرج من جيبه سكيناً، وراح يخط حدود الظل الأرضي ) ومن جراء تدوير سرد التمثال شاهد المتجمعون المختلفون فيما بينهم ( أن التمثال يكاد يهبط بكماله من عليائه الى الأرض . لقد تم تخطيط الظل بإتقان نال إعجاب الجماعات الثلاث.. /64 ) 
*بعد مطاردة الشرطين لرجل جاء من أقصى الشمال، وسيمر الرجل مرورا سريعا ( فترك أثرين لا أثرا واحدا ../66 ) لكن حين يمر الشرطيان ستظلم الدنيا بعيونهما أما ظل التمثال فسيختفي ( شيئا شيئا../65 ) ..
 
(*)
 
ينتقل السرد الى تفعيل عنونة القص، تصبح أشكالية التمثال هي الذبابة، فبعد أن تمت ترسيمة ظل التمثال ( الكثير منهم أحتاروا في رسم الذبابة إذ أنها لم تمكنهم من نفسها، كانت قد جعلتهم دائخين وهم يحاولون الإمساك بلحظة هدوئها، لقد ظهرت أمام أعينهم بقعة سواد قديم فوق أنف التمثال، تتحرك بين منخريه /64 ) وحين يرى حيرتهم الرجل الذي جاء راكضا أقصى الشمال، يكلمهم ( لو تركتموني أرسم أثراً على أنف التمثال سوف تنزل إليه الذبابة ) والسلطة المتمثلة بالشرطيين اللذين كانا يطاردان الرجل القادم من أقصى الشمال : هذه السلطة أكتشفت ( التمثال ذاته كان نائما – والذبابة مازالت تلح بإصرار كأنما لاتريد أن تترك مكانها، كأنها أعتادت الوقوف على أنفه../65 ) وطموح الذبابة لايتوقف فهي تريد ( أن تصيرجزءا منه كمثل البرد أو كمثل الغبار أو كمثل المطر، لم لا ؟ فقد رأوه يحتمل الكثير.. ).. وبعد تعالي الأصوات المتجمهرة حول التمثال أنهم يعيشون ( داخل نكتة كبيرة ) يعلو صوتٌ مؤكدا ( أرى أننا قد صرنا النكتة ذاتها ) وكل نكتة تستوجب ضحكا وهنا تتعالى الاصوات أيضا : 
 ( - لماذا نسيت أن تضحك ؟
- هل ثمة ما يضحك ؟
- مافائدة أن تضحك الآن وأنت لم تضحك من قبل ؟ )
 
ثم يتعالى الضحك كالكرات من عمق الأفواه ثم تتسع دائرة الضحك وتكون المفاجأة ( أن الذبابة قد تركت الأنف عندئذ ظهر لعيونهم أن في الأنف ثقبا أسود ثم ظهر لعيونهم أن التمثال مازال نائما.. ) وهنا يصيح الرجل الهارب من الشرطيين ( أرى ذبابا متدفقا الى كل الجهات يخرج من جوف التمثال . صدقوا ماتراه عيناي/ 66 ) ومع استمرار التلاسن والضجيج والاتهامات سيعلو ثانية صوت الرجل الهارب من الشرطيين ( أشعلوا النار في التمثال وسترون حين تأتي النهاية، أنه تمثال مملوء بالذباب وسيخرج الذباب أفواجا أفواجا.. ) وحين يحاول حارس التمثال ان يشعل نارا، يخاطبه أحد الشرطين : ( مالذي تفعله بهذه النار؟ يرد عليه الحارس : أريد أن أبعد الذبابة عن أنف التمثال – لاشيء سوى ذلك.. ) لحظتها يكتشف الحارس ان التمثال خائف منه !! بعدها يخبرنا حارس التمثال/ سارد الحكاية (عند هذا الحد أنتهت الحكاية/ 68 ).. ثم مايلي ذلك يكون خارج حكاية التمثال/ وداخل القص وبمثابة حاشية نصية يخبرنا فيها الحارس أن السلطات استغنت عن حراسته فهو غير أمين ومصاب بأخيولة مريضة تتوهم ذبابة كبيرة على أنف التمثال، ولأنه لايكتم أسرار الدولة !! وحين يصغون له أولاده ويضحكون يطالبه بمشاركتهم الضحك وهنا يشعر الحارس ( أحسست كأن رنين ضحكي كان قديما ولكن في عمقه لم يكن باليا ) وهذا هو الأهم  وبشهادة حارس التمثال ( أن الأبناء يجيدون تكرار الحكاية مثلي تماما لكي لاتنتهي..أعني لكي لاتموت .. كالتمثال أو كظل التمثال / 67 ) قصة ذبابة التمثال تستحق قراءات متنوعة لعمقها ولمستويات السرد فيها ولتشابك خيوطه بدقة هندسية ..

(*)
 
بداية أسلوبية جديدة في السرد أجترحها الروائي الأحمدي من خلال الاعمال الأدبية التالية :
*قصر الأزلزماني
*أرض القهرمان
*مخطوطة وجه الملك
*مخطوطة حلم عين
لا أعني فقط شعرنة سردياته فهي محسوسة بأشعاعاتها، بل أعني الوحدة السردية الصغرى التي سلكت جهوية جديدة، قد تكون صادمة للقارىء الثابت في موقعه الساكن، لكن القارىء المتحرك من خلال فعل قراءته سيتلذذ بهذا المجهود السردي الجديد ويرافقه حتى النهاية ولا يمل صحبته بل سيعود للنص نفسه ليكتشف مجاهيل ساحرة وخلابة جديدة .. وبشهادته الشخصية ( اللغة ذاتها لعبة اللسان. متى أتقنتها فأنك تستطيع أن تلعب بها/ ص75 – مخطوطة وجه الملك )
*وجيز هذه الورقة في صحيفة طريق الشعب / 2- 7- 2018






 
الاسم البريد الاكتروني