مونودراما "الماكياج المسرحي"/مزج هارموني بين الڤودﭬيل والكابوكي

لندن: علي كامل
/site/photo/11120
الممثلة دي لاتور ذات الملامح اليابانية هي موهبة استثنائية في المسرح البريطاني، فعملها الدائم مع مخرجين بارزين أمثال بيتر برووك، وتريفور نون، وتيري هاندس، ومورن رودغريف وسواهم، ضاعف من طاقتها وموهبتها النوعيين في الأداء . 

مونودراما «الماكياج المسرحي» التي كتبها المؤلف الياباني هيساشي إينوي عام ١٩٨٢ تخّطّت حدود محليتها لتحّط في الآخر على خشبات مسارح فرنسا وبلجيكا وأسبانيا وأمريكا وكندا، والآن على خشبة مسرح «ليريك» اللندني بمعالجة إخراجية للمخرج الياباني كويتشي كيمورا .

لم يكتف هيساشي إينوي بالمسرح منبراً لطرح أفكاره فحسب، - كتب ما يقرب الثلاثين نصاً مسرحياً - إنما ولج عالم الرواية
والقصص القصيرة أيضاً . جوهر موضوعاته يتجلى في إبراز النزاعات الحادة بين الماضي والحاضر، الريفي والمديني، التراث والمعاصرة. أما أسلوبه فتمتد جذوره إلى تقاليد مسرح كابوكي، حيث العرض المزدوج والمسرحية داخل المسرحية، بل حتى اختياره لممثل واحد يلعب أدوار عديدة هو الآخر نابع من تلك التقاليد . أما لغته فتمتاز بجرسها الشعبي المحلي مزدانة بصفاء غنائي شرقي النكهة .

المونودراما هذه هي عبارة عن مونولوغ بفصلين تجسده شخصية واحدة يعالج ثيمة الأمومة، الفكرة التي يقدسها اليابانيون والتي أصبحت من أكثر الموضوعات شيوعاً في الدراما اليابانية . أما أسلوبها فهو مزيج من النمط التقليدي لمسرح كابوكي والأشكال الشعبية لمسرح الڤودﭬيل ( المسرح الاستعراضي ) المنتشر في ضواحي طوكيو الفقيرة .

النص هو بمثابة مرثاة شاعرية تهكمية تحكي عن حياة الممثلة اليابانية يوكا ساتسوكي، وهي شخصية حقيقية يعرفها المؤلف عن قرب، وهي من بقايا ممثلي الفرق الشعبية الفقيرة ذات الطابع العائلي، والمتخصصة في عروض الأشكال الشعبية لكابوكي ذوي الياقات الزرق المسماة تيسهاگيكي أو شتماتشي، تلك الفرق التي كان أعضاؤها يمثلون ويعيشون هم وأفراد عائلاتهم في ذات المسرح، كما أنهم يتماهون ونمط حياة الغجر حيث هم في ترحال دائم . هذه الفرق قد تضاءل عددها بالطبع ربما بسبب انتشار جهاز التلفزيون وأشرطة الفديو وإقبال الكثير من مشاهديها على الفرق التجارية في العاصمة .

***    

أحداث المسرحية تجري في غرفة ماكياج صغيرة في مسرح مهجور . تجلس يوكو «الممثلة فرانسيس دي لاتور» أمام مرآة وهمية  تستعد للقيام بتدريب أعضاء فرقتها «الوهميون» لتقديم عرض ختامي لفرقتها قبل حلول موعد إغلاق المسرح وهدمه بعد عشرة أيام .

المونولوغ الذي يجري على لسان الممثلة يوكا أشبه بهذيان، فيه تستعيد ماضي فرقتها، عروضها، ممثليها، جمهورها، والدها مؤسس الفرقة وممثلها الأول الذي توفي قبل عشرين عاماً وهو على خشبة المسرح، وأخيراً طفلها ذو الثلاثة شهور الذي أودعته في ملجأ أيتام بسبب شظف العيش ( لابد من التنويه هنا أن المؤلف نفسه كان قد نشأ في ملجأ للأيتام في سن الرابعة بعد وفاة والده ) .

في هذه الليلة المفعمة بتفجّرات الذاكرة ستعيد يوكو عبر مخليتها المتشظية والمنهكة بعث ذلك الماضي وستستحضر ممثلين وشخصيات لن نراهم على خشبة المسرح إنما سنسمع عنهم ونتعرف بهم عبر مونولوغها الطويل أثناء قيامها بتدريبهم استعداداً لتقديم عرضين مسرحيين، وهو أحد التقاليد المعروفة لعروض تلك الفرقة .

العرض الأول، هو «رحلة وداع إيزابورا» وإيزابورا، الذي ستلعب يوكو دوره، هو إبن متبنى يبحث عن أمه الحقيقية التي تخلت عنه
منذ ولادته قبل عشرين عاماً . أما دور الأم فسيلعبه أحد الممثلين الجُدد في الفرقة والذي تدعوه يوكو بـ «السيد ناكامورا» والذي اشتهر بأداء الأدوار النسائية، وهذا تقليد آخر من تقاليد مسرح كابوكي، حيث يقوم الرجال بأداء أدوار النساء . السيد ناكامورا لن يظهر على خشبة المسرح بالطبع، بل سنتعرف عليه من خلال مناجاة يوكو له أثناء تدريبه وإرشاده لأداء دور الأم .

أما العرض الثاني فهو بعنوان «الحكاية العاطفية لشينزا الحّلاق»، وشينزا هو الدور الذي كان يجسده زوجها لعشرين عاماً مضت
والذي أكسبه شهرته، وقد توفي على خشبة المسرح وهو يؤدي ذلك الدور . تجسيد يوكو لشخصية شينزا الحلاق هذه الليلة ربما هو إحياء لذكرى زوجها الراحل .

في العرض الأول تلعب يوكو دوراً مزدوجاً : الأول دور يوكو الممثلة ويوكو الأم الحقيقية التي تأمل بلقاء ولدها الذي أودعته الملجأ والذي لم يعد له أثر . والثاني دور ابن وهمي اسمه إيزابورا، الطفل الذي نشأ في ملجأ وهو الآن شاب يبحث عن أمه الحقيقية . إنها تخاطب ممثلها الوهمي ناكامورا بالكلمات التالية :

«أيها السيد ناكامورا، إن نجاح عرض هذه المسرحية متوقف علينا نحن الإثنين أنا وأنت . لذا ينبغي علينا أن نقدّم أفضل ما بوسعنا قبل أن يهدّوا المسرح على رؤوسنا» .
 
تُمسك يوكو بيدها مرآة وهمية وتبدأ بوضع المساحيق على وجهها المطاطي ومن بعد ترتدي قفطاناً أزرق مخطط وتثبّت على رأسها شعراً مستعاراً . 
 
ترفع بيدها عصاً مصنوعة من القصب وتقوم بعمل إيماءات وحركات طبقاً لأسلوب مسرح كابوكي حيث الفتيات تقوم بثني أقدامهن والسير على ركبهن دون انقطاع، فيما يقف الرجل دائماً واضعاً قدماً واحدة أمام الأخرى بشكل بطولي وجريء جداً . وبعدها تبدأ يوكو بلعب دور العجوز شينزا وهي ترتل قائلة :
 
«إن حياتي مثل عجينة فول في حرارة الصيف، ستتخثر قبل حلول الليل» . 
تلتفت ثانية نحو ممثلها الوهمي ناكامورا قائلة :
 
«الممثل يا عزيزي ناكامورا هو ذلك الإنسان الذي يبيع الأحلام . عليّ أن أعيد تمثيل هذه المسرحية مئات المرات . وفي كل مرة عليّ أن أذرف الدموع .» .

وفيما تستعد يوكو لأداء الدور يظهر فجأة طيف نجم تلفزيوني شاب يزعم أنه الصبي الذي تخلت عنه وأودعته في الملجأ . تركع الأم أمامه وتعترف :
 
«إذا كانت هناك أياماً نسِيَتْ فيها الغربان نعيقها، فأنا لم أنساك يوماً واحداً مطلقاً» . تصمت لهنيهة تفكر في إضافة هذا الاعتراف لعرضها . تعيد الحوار ثانية . وحين لا يروق لها تعيده مرة أخرى . 

إن الخسارة التي لحقت بيوكو خسارة مزدوجة، فهي بسعيها الفانتازي لاستعادة الماضي تجدل هاتين الخسارتين في آن واحد . خسارة طفلها الذي تخلت عنه، وخسارة مسرحها الذي سيقوض بعد نهاية عرضها الوهمي . 

الخاتمة التي وضعها المؤلف خاتمة توفيقية، ففي النص يعثر إيزابورا في الآخِر بعد بحث طويل على أمه الحقيقية في إحدى المناطق الجبلية في مقهاها الذي تبيع فيه الشاي والصنادل للمارة . هذه الخاتمة استمدها الكاتب هيساشي إينوي من تقاليد مسرح كابوكي حيث يتشكل معمار ثيمات الأمومة من عنصري الانفصال والاتحاد . أما المخرج كويتشي كيمورا فقد استعاض عن هذه الخاتمة بأخرى قاسية ومؤثرة، فقد أنهى عرض هذه المونودراما بتقويض جدران المسرح فوق رأس يوكو ساتسوكي على وقع زعيق وضجيج البلدوزارات العملاقة والمكائن الجنونية وهي تخمد أنفاس الماضي مرموزاً له بصوت يوكو وهو يتلاشى وسط سحب الغبار التي تملىء أرجاء المسرح . 

***

a‪_‬film50‪@‬yahoo‪.‬co‪.‬uk
/site/photo/11124  
/site/photo/11123  
 
/site/photo/11122  

/site/photo/11121



 
الاسم البريد الاكتروني