صور الاستدمار الفرنسي

معمر حبار/ الجزائر
/site/photo/11126
منذ 5 سنوات فيما أتذكر وأنا أتابع هذا الموضوع الذي أكتب عنه لأوّل مرّة في حياتي، بعدما تأكدت من بعض عناصر الموضوع التي غابت عنّي طيلة هذه المدّة، وأعترف أنّ جلسة جمعتني البارحة بمجاهد من المنطقة كانت حافزا للكتابة عن الموضوع، بما قدّمه من معلومات جديدة مثيرة .

خلال زيارتي لبعض ولايات الوطن، رأيت رأي العين صور بالأبيض والأسود، تعود لفترة الاستدمار الفرنسي للجزائر وفي ولايتي، تمّ تعليق صور عديدة تعود لفترة الاستدمار الفرنسي، كعلامة من علامات الزينة والفرح، كتزيين بعض المقاهي والمحلات والمؤسسات والقناطر بهذه الصور .

لو بقيت المسألة في صور قديمة لاعتبرت من الاهتمامات التي يهتم بها صاحبها في انتظار أن يغيّرها إلى اهتمام آخر يناسب العمر وحالة المجتمع، لكن تكمن الخطورة في كون الاهتمام بالصور القديمة في عهد الاستدمار الفرنسي تدل على تمجيد الاستدمار الفرنسي والفترة التي شهدتها الجزائر تحت حكمه وظلمه ووحشيته، كأن يقول أصحابها : كنّا أفضل في عهد الاستدمار الفرنسي، وشوارعنا كانت أحسن، والمؤسسات الإدارية كانت أرحم، وغير ذلك مما يدل على تمجيد الاستدمار الفرنسي . طبعا هذا لا ينفي أنّ الجزائري ينتقد الوضع الجزائري بعد استرجاع السيادة الوطنية، فإنّ ذلك من تمام حرية النقد، والمساهمة في الرفع من مستوى المجتمع، وتصحيح أخطائه بيد أبنائه .

في المقابل، يجد المتتبّع أنّ الذين يفتخرون بإعادة نشر الصور المتعلّقة بالاستدمار الفرنسي ويضعونها في القناطر، والمقاهي، والمكاتب، والبيوت، والمتاحف، لا تجدهم يضعون الصور المتعلّقة بالسجون كسجن "الأصنام" سابقا والشلف حاليا، كما جاء في كتاب :

 
BENACHENOU Mohamed Seghir « Liberté J’ écris Ton Sang , Rescapé de l’enfer de la guerre de libération », el Maarifa, Algérie, 2015, contient 182 Pages

 حيث تعذيب الجزائريين على أيدي الجلادين الفرنسيين، وانتهاك الحرمات على أيدي القبعات الحمر، وقتل الأبرياء على أيدي السّفاحين القتلة من الاستدماريين الفرنسيين، كما جاء في كتاب :

Henri ALLEG « LA QUESTION », Edition ANEP, Rouïba2009, Alger, Algérie, dont 82 Pages.

ضف لها الساحات العمومية التي كانت مسرحا للإعدامات إبّان الاستدمار الفرنسي، كساحة "GARCIA" كما كانت تسمى في العهد الاستدماري الموجودة حاليا في وسط مدينة الشلف، وقد حدّثني بذلك البارحة مجاهد من المنطقة، وأكيد كلّ ولاية من ولايات الجزائر تضم ساحة عمومية للإعدامات . ضف لها المزارع التي استولى عليها المستدمرون وحوّلوها إلى مراكز تعذيب الجزائريين، والتفنّن في ممارسة صناعة التعذيب التي أتقنها الاستدمار الفرنسي اتقانا تفوّق فيه على الجميع وإلى اليوم، كما جاء في كتاب :

 Jean-Luc EINAUD « LA FERME AMEZIANE , Enquête sur un centre de torture pendant la guerre d’Algérie », Média-Plus, Constantine, Algérie, 2010 dont 127 Pages ،

لا أمنع الذين يجمعون الصور في عهد الاستدمار الفرنسي ويضعونها في مكاتبهم ومؤسساتهم وأماكن عملهم، لكن أطلب منهم في نفس الوقت نشر الصور السّيئة الدالة على جرائم وخبث ودمار الاستدمار الفرنسي من : إعدامات في وضح النهار عبر السّاحات العمومية، وسفك دماء الأبرياء عبر المزارع، والتفنّن في انتهاك أعراض الجزائريين والجزائريات عبر السجون، وصناعة التعذيب الذي مارسه الاستدمار الفرنسي على الأبرياء والطاهرات من خلال مزارع الجزائريين التي استولى عليها بالحديد والنار، فتكتمل الصورة حينها، ويعرف الاستدمار على حقيقته .

بقيت الإشارة، أنّ الاستدمار الفرنسي يتعمّد إظهار "حضارته" عبر المساكن، وتشييد الطرقات، والمؤسسات التي بناها الجزائريون بدمائهم وعرقهم وحياتهم، ومن أجل رغيف خبز ي يقدّم لهم كـ "منحة" وليس واجب، وفي نفس الوقت يتعمّدون إخفاء صناعة التعذيب التي أبدع فيها الاستدمار الفرنسي، ولذلك لا يجد المرء الصور الخاصّة بالقتل، والانتهاك، والتعذيب، والحرق، والنسف، والتدمير، معلّقة في المقاهي، والدكاكين، والمؤسسات، والقناطر .

وأغتنم هذه الفرصة لأطالب ولأوّل مرّة في حياتي، بتحويل ساحات الإعدام، ومزارع التعذيب، والسجون التي شهدت انتهاكات الأعراض والقتل والعبث بأجساد الجزائريين في عهد الاستدمار الفرنسي كـ "سجن الأصنام سابقا والشلف حاليا" إلى متاحف، يتذكّرها السّابق لينقلها للاّحقّ حتّى لا ينسى وحشية المستدمر، واغتصاب الفرنسي لأرضه وعرضه .




 
الاسم البريد الاكتروني