ألعدوانية في سلوك الفرد العربي

عالية كريم
/site/photo/11134
من الظواهر المألوفة في مجتمعنا العربي، والتي يفخر بها الأغلبية، هي تحدي القوانين، كأن يتعمد احدهم أن يقطع الشارع من غير المكان المخصص، او يرمي الأزبال تحت اللافتة التي تنبه إلى عدم رميها، أو أن يطلق لبوق سيارته العنان في الأماكن التي يمنع فيها التزمير، أو أن يركن سيارته أمام مداخل البنايات اوالكراجات ويسد الطريق على الآخرين، وغيرها الكثير من التجاوزات على القانون ... ثم يتحدث للاخرين عن مخالفاته للقانون وهو يشعر بالزهو والإنتصار ... 
 
في مجال العمل، يتميز تحدي القوانين  بنمط  من المقاومة المستترة لمتطلبات المهام الموكلة للفرد، والتي تظهر بشكل معارضة، أو عناد، أو إتخاذ المواقف السلبية، كرد فعل تجاه ما يتعلق بالعمل، والأفراد . كما تظهر جلياً في أماكن العمل، إذ تظهر المقاومة المستترة بشكل التلكؤ، أو نسيان متزايد، أو تدني متعمد للكفاءة، وبخاصة تجاه أوامر من سلطات أعلى، كما يمكن أن تظهر تجاه أفراد آخرين . ويمكن أن تسوء لتصل الى حد وضع العقبات وإفشال متعمد للمهام .
 
 لماذا الرغبة في التحدي
 
ان تحدي القوانين والأعراف هو سلوك مؤذي، لكنه في الحقيقة ترجمة لشعور بالعدوانية بأساليب غير مباشرة، والسؤال الاساسي الذي يطرح نفسه هو، لماذا يحمل الفرد في مجتمعاتِنا العربية هذا الشعور ؟
 
عرَّف علماء النفس السلوك العدواني بانه نمط شائع من المواقف السلبية، أوالمقاومة السلبية تجاه الأداء المطلوب في الأوضاع الإجتماعية والمهنية، وبكل الأحوال لا يختلف اثنان على أن احترام القوانين يجب أن يكون نابعاً من قناعات داخلية لكل فرد في المجتمع، بحيث لا يجوز أن تكون في المجتمع قوانين حضارية ومتقدمة مثلاً، لكنها مخترقة وغير مطبقة من الآخرين، والقناعة ترتبط بالضرورة بالتأكيد على أهمية التوعية  في احترام القانون والالتزام به .


 وتظهر عوارض العدوانية المستترة بشكل كبير في العمل، فالفرد الذي يعاني من أعراضها، يشكل خطراً على كفاءة العمل قد تصل إلى حالات هدّامة . وإذا كان المسؤول هو الذي يعاني من سلوكيات عدوانية مستترة، فسيدفع ذلك باتجاه خنق قدرات الموظفين الخلاقة وبالتالي إعاقة الإنتاجية وانهيار اقتصاد البلد .
 
ألطفولة حجر ألأساس
 
في معظم الأحيان، ينشأ سلوك العدوانية المستترة منذ الطفولة، وبسبب الوضع العائلي الغير واعي لخطورة مهمته، أو في أي وضع لا يسمح للفرد بالتعبير عن الغضب، أو عما يعاني من احباط . فالعائلات التي تكبح أحاسيس أبنائها - والتي هي بالأساس مقموعة الاحاسيس - تدفع الأبناء الى كبت غضبهم وتعلمهم - من دون إدراك - على استخدام أساليب ملتوية للتعبير عن شعورهم . ان الفرد في المجتمع العربي، على العموم، وبسبب السلطات الغير سوية، يعاني من القمع والكبت والإحباط، مما يسمح بهيمنة بيئة صالحة لغرز سمات العدوانية في نفوس ألأبناء . 
 
في ظل السلطات الجائرة والمتخلفة، والمهيمنة على مقادير وضع المناهج والخطط التربوية في مجتمعنا العربي، هنالك حتمية لخلق بيئة لا تحسن تنشئة جيل سوي خالي من العقد النفسية، وبالتالي وبالضرورة تنتج عائلة - وهي النواة الاولى للمجتمع - يقودها أبوان يحملان في سلوكهما ميلاً شديداً نحو العدوانية وخرق القوانين، ويمتلكان كل أسباب غرز سلوك العدوانية لدى أبنائهم،  فالطفل لا يحمل الرغبة في الهجوم بعنف على غيره إلا إذا علمه أحدهم هذا السلوك، وشجعه عليه . وقد يحضى الطفل الذي يتصف سلوكه بالشراسة مع الاخرين، بالقبول لدى الوالدين لأنه باعتقادهم، يحسن الدفاع عن نفسه، أو قد يُنهر من والديه لأنه لم يستطع استرداد لعبته التي أخذها منه صديقه بالقوة، فهنالك دائماً من يلقن الطفل بشكل مباشر او غير مباشر، دروساً في كيفية الدفاع عن النفس، وحمايتها، وكيف يفرض سطوته على الآخرين .
 
قد يلجأ الطفل في عمر مبكر الى استعمال الحيلة  كأسلوب لتحقيق أغراضه، وكثيرا ما ينال التشجيع ولو بالضحك . وكذلك  بامكانه ان يلاحظ ردود أفعال والديه من حوله عندما يشاهدون بشغف مشاهد عنف في فيلم تليفزيوني، وانه يستوعب تماماً ارتياح الوالدين عندما يشاهدان  شخصا يطلق النار على مجرم في فيلم،  فمن المؤكد أن تلك الممارسات  تكسب الطفل الميل للعدوانية . 
 
يجب على العائلة ملاحظة أن أي افراط في عقاب العدوان، قد يؤدي إلى زيادة الدافع إلى العدوان، كما أن الافراط في التسامح مع عدوان الطفل قد يكون نوعا من الأثابة التي تؤدي إلى زيادة تكرار العدوان .
 
 
في ظل سياسة القهر والاحباط 

نتيجة للاوضاع السياسية الغير طبيعية في بلداننا العربية، يتزايد الشعوربالقهر والإحباط . مما ينتج بيئة تتّسم بالعدوانية والعنف، ونظراً لأنّ العدوانية سلوك قابل للتّناقُل بين الأجيال اذا لم يُخلق مناخاً خاصا من التوعية المضادة، فأنّه سيراكم سلوكيات الميل نحو العدوانية، فيَنتُج عنه مجتمع يعتبر ممارسات تجاوز القانون والممارسات العنيفة أمراً طبيعياً واعتيادياً . وبذا يساهم في بناء مجتمع مبني على التمييز بين الأدوار وانعدام المساواة بين الجنسين؛ ويسبب إعاقة في عملية التقدم الاجتماعي وازدياد الصراعات والحروب والثأر .
 
 
 لكن السؤال الأساسي الذي لا يمكن تجاهله وتجاوزه، هو كيف نحترم القانون ولماذا ؟  إن الدولة أو المجتمع الذي يفتقد لاحترام القانون، سرعان ما يتحول إلى حالة من الفوضى، تقود بالضرورة إلى سيادة شريعة الغاب، وغياب كل ما يمكن له أن ينظّم المجتمع وأفراده وعلاقاته ومؤسساته .
 
إن ادق تعبير عن احترام القانون، هو ضرورة الإلتزام به، وعدم مخالفة مواده وبنوده ونصوصه، وخطوة احترام القانون تقودنا بالضرورة الى عدم اختراق القانون، ولا بد من تعميم ثقافة احترام القانون، التي لا بد من تعلمها وفهمها وممارستها وتطبيقها، في البيت والمدرسة والجامعة، وكافة المؤسسات الرسمية والمدنية والخاصة .

وتتطلب عملية  توعية، تتضمن تنفيذ برامج متنوعة من مختلف الجهات والمؤسسات ووسائل الإعلام، بهدف احترام القانون وتطبيقه بين الجميع، وتكثيف الخطط التي تعنى بتعزيز مكانة الوعي عند الناشئة .

ومن الضروري مد جسور الثقة والتواصل مع المجتمع الخارجي، من خلال تأسيس إدارات ذات طابع اجتماعي، تسعى الى تنمية إحساس الأفراد بالمسؤولية المجتمعية، وتوعيتهم بدورهم الهام في دعم مؤسسات الدولة وقوانينها، لأنه من دون امتلاك وفهم ثقافة القانون لا يمكن احترام القانون، وبالتالي تتحول الفوضى إلى العنوان الأكبر في المجتمع .
 
 يتضح ان عدم التخطيط القومي الواضح، وغياب الهدف القومي، الذي يمتص طاقات الشباب، وغياب ممارسة الديموقراطية الحقيقية، وازدياد القهر في المجتمع، وانهيار القِيم الأخلاقية السائدة، واهتزاز القدوة، على المستوى الاجتماعي، والبطالة، والإحباط الذي يعيشه الشباب إزاء حلمه بمستقبله المنشود، هذا إلى جانب انهيار مستوى التعليم، والفراغ الفكري الذي يعيشه الشباب، ونقص الاهتمام بالرياضة البدنية، كسبيل إلى إفراغ طاقاتهم، إضافة إلى ما ينشر من أفكار عدوانية من خلال وسائل الاعلام ، تنمي العنف الممزوج بشحنة انفعال دينية أو عرقية .
 
سلطة محترمة تساوي قانون محترم

إن احترام القانون يحتاج الى حكومات واعية لدورها، تحضى بالاحترام والثقة من قبل شعوبها، وتعمل بصدق للأخذ بيد مواطنيها نحو وعيٍ يُنتج سلوكيات تَعْتَبر احترام القانون من الدعائم الأساسية التي يقوم عليها المجتمع، وعلى كل فرد أن يعي ذلك، ويساهم في توعية الآخرين، بضرورة احترام القانون، من خلال الالتزام به، لأن ذلك من صميم مسؤوليات وواجبات الفرد تجاه المجتمع الذي يعيش فيه، والعمل على ان يعي المواطن بان  احترام القانون يجب ان يكون نابعاً من الذات، وليس لأنّ القانون مُلزِم، ويفرض عقوبة على من يخالف أحكامه .


إن التغييرات السلبية التي نعيشها  هذه الأيام، تؤكِد على أنّ الواقع  العربي سيغدو أكثر سوءًا إن لم تتم معالجة الإشكاليات الجديّة والظروف القاسية التي يعيشها، وبما ان واقع السلطة لا يشعُر بأي مسؤولية فردية كانت أو جماعية، فهذا يعني أنّ مسألة الاهتمام والتغيير لم تعُد تعني الكثير من أبناء مجتمعنا للأسف' .

ان الروح العدائية لدى المواطن العربي  بازدياد، وتتفشى بشكلٍ كبير في المجتمع، وبما ان ليس بالافق اي حلول، فلا يبدو أن هنالك من أمل في التغيير على المدى القريب، إذ لا توجد روادع أو خُطط في مواجهة هذه الظاهرة على كافة الأصعدة .

ولا يمكن باي حال من الاحوال انكار أنّ الوضع السياسي  يؤدي إلى التوتر المستمر، وفي ظل التمييز بين الجنسين، وتفشي الطائفية، وتشجيع الصراعات العقائدية، والشعور بتبعية السلطة وولائها للخارج، والاحساس بنهب ثروات البلد، وعندما يشعُر الفرد بأنه مميز ضده ولا يأخذ الحقوق المشروعة له، عندما يشعُر بالظلم والحيف، كل ذلك يجعله يستخف بالحياة، ويشعر أنها لا تساوي الكثير، وأنه لم يبقَ ما يجب الحفاظ عليه، وهذا ما يساهم في نمو السلوك العدواني والاستخفاف بالقوانين . كما أنّ البعد السياسي يؤثر على البعد الاجتماعي وعلى المستوى الاقتصادي والتركيبة العائليّة والأسريّة والأزمات المادية التي تؤدي لاستفحال العدوان  في المجتمع، وكل هذا نلاحظه في  المجتمع العربي، فالجميع يعيش ضغوطات نفسية مستمرة، من غياب الأمن والإستقرار، والبطالة المتزايدة والحرمان من الحقوق المدنية  ...
 


 
 





 
الاسم البريد الاكتروني