ازدواج الشخصية وظروف القهر في عالمنا العربي

عالية كريم
/site/photo/11406

ازدواج الشخصية هو انقسام وعي الفرد إلى جزأين، وهذا الإنقسام يجعله يعيش شخصيتين بأوقات مختلفه .  أحداهما تظهر، وتضمر وتستتر الأُخرى، وذلك دون وعي ومعرفة الشخص المصاب، وحكم فقدان الذاكرة لإحدى الشخصيتين وارد، أذ بفقدان الذاكرة لاحدى الشخصيتين  تظهر الشخصية الاخرى .

وازدواج الشخصية، هو اضطراب نفسي حقيقي، يُظهر الفرد بأكثر من شخصية، ويتم الإنتقال من شخصية الى أخرى عند وجود ضغط نفسي اجتماعي شديد، أو مشاكل ترهق الفرد وتستولي على تفكيره وحياتهِ، وتسيطر على أركان جسمه، فيصبح أسير الأوهام والقلق والتوتر والغضب، وللتخلص من ذلك كله ينتقل لا إرادياً الى شخصية أخرى مغايرة، لتفريغ الصدمات النفسية المكبوتة ويتم الإنتقال فجأة وبدون مقدمات، وأحيانا خلال ثوان، كأن يتحول الإنسان الخجول فجأة إلى شخصٍ آخر جريء لا يتورع عن القيام بأي عمل، اويتحول الشخص الهادئ المسالم إلى شخص عصبي حاد المزاج، أو تتحول الفتاه الوادعة اللطيفة الى عنيفة متهورة وشديدة العدوانية ..
 
ونتيجة لتلك الإزدواجية والتعدديه يعيش الأشخاص المصابون في صراع دائم مما يسبب القلق النفسي والتوتر العصبي الذي قد يؤدي إلى حالة تساهم في الإكتئاب والوسواس القهري وهي أكثر الأمراض النفسيه شيوعاً  ..

إن ازدواج الشخصية تفاعل ناتج عن عدم التكيف مع الواقع، ووسيلة للتخلص من التوتر الحاصل عنه، ويحصل إما للهروب من تجربة مؤلمة... أو الهروب من مشاكل استعصى عليه حلها وتأزمت وحالت دون تكيفه مع نفسه، أو قد يعاني من أزمة مالية خانقة أو زواج متعثر، أو ضغوط اجتماعية فشلَ في احتوائها .. كما ان كبت الأحاسيس المبالغ به يعمل على ازدواج الشخصية لانه يُحدث صراع داخلي فتهتز الشخصية لا شعوريا وتصبح شخصية مغايرة، والإنتقال الى شخصية أُخرى هو وسيلة لا إرادية لتفريغ الصدمات النفسية المترسبة في اللاوعي .

ألمواطن العربي الضحية 

 ان الحياة بكل مؤثراتها وزوابعها وتحدياتها وآلآمها ومشاكلها المختلفة تعصف بالإنسان في أحايين كثيرة وتؤثر على سلوكه وتحرفه عن مساره الإنساني القويم، وتعيق تقدمه نحو الحياة الفضلى، وَيعتبرُ الدارسون إن من الطبيعي ان يتعرض المواطن العربي الى انفصام الشخصية، في ظل التجاذبات التي تحصل في بلده والتجاذبات التي تحصل بالدول المجاورة، ولأنه الضحية التي تدفع ثمن الحروب وثمن اضطهاد الجلادين على أرضه، وفي زخم هذه المؤثرات، قد تذوب مقومات الشخصية السوية لديه، ويضعف تماسكه الداخلي، ويصبح عرضة لخطر الامراض النفسية، بالإضافة الى ان عالمنا العربي ونتيجة للاوضاع الغير طبيعية يعيش حالة من الازمات الاقتصادية والاجتماعية والنفسية ...

ومن المؤكد إن انفصام الشخصية لدى المواطن العربي ياتي نتيجة لحكم سلطات تعسفية جائرة تحكم بالحديد والنار، وتعتمد في تثبيت سلطتها على مبدأ الخوف، وبث الرعب في قلوب الناس، وتصبح بذلك استحالة المجاهرة بالرأي، ومن الغير ممكن لاحد ان  ينتقد أو يناقش، ولا أن يفكر بصوت مسموع، فلذا يلجأ إلى الرياء والنفاق والتملق في الظاهر، بشكل مختلف عما يضمره في باطنه، وهكذا تصبح له شخصية ظاهرة علنية هي التي تقول "نعم" بكل الأحوال حتى لو كانت معاكسة لمبادئه، وشخصية خفية مستترة يمكن أن تقول "لا" في أوقات خاصة، وبذا تحوله ظروف الكبت القاهر الى إنسان يعتاد الحياة بشخصيتين بشكل لا إرادي .

إن النفاق الذي يعتاد عليه المواطن العربي في ظل الظروف الغير طبيعية التي يعيشها، يعتبر الخطوة الأولى لإصابته بانفصام الشخصية، وهناك فرق جوهري بين النفاق وازدواج الشخصية، إن المنافق ملتفت لإظهار ما يناسب ظرفه من أفعال وكلام، حيث يضمر شيئاً ويظهر شيء مخالف لما في وجدانه بشكل إرادي، بينما الإنسان المريض بالإزدواجية يكون غير مدرك إلى أنه يقوم بدورين، فهو يجد نفسه سوياً وليس لديه شك في أنّ تصرفاته مخالفة للأصول أو للقيم الإنسانية .

ويحدث ذلك في الغالب لدى الأشخاص الذين يمتلكون حساسية زائدة، او ليس بمقدورهم التأقلم مع الضغوط الحياتية والأُسرية الشديدة، فنراهم فجأة وقد تقمصوا شخصية جديدة بعيدة كل البعد عن السمات والصفات الحقيقية المعروفة عنهم، وهذا التحول يحدث في خلال دقائق ويمكن أن يستمر عدة أيام قبل الرجوع إلى الشخصية الحقيقية .

تناقضات 

 كل الحكومات العربية تُمجد الحرية، وتتغنى بالتحرر، بينما تبتلع السجون من ينادي بالحرية ويدعو للتحرر، وكل الحكومات العربية تتحدث عن الديمقراطية وتُفاخر بها، لكنها في ممارساتها تقمع كل من يعبر عن رأي يخالف احكامها الغير عادلة، وجميعها  تدعو للتحرر من قبضة الدول الإستعمارية، مع أنها لا تعيش إلاّ بها، كل الحكام العرب يعلنون في غضبٍ إنهم لن يتخلون عن القضية الكبرى والمصير المشترك، ثم يعودون  إلى نسيان الوعود والحماس، وكل هذه التناقضات تنعكس على شخصية المواطن العربي وتجعله عرضة لأمراض نفسية مختلفة منها انفصام الشخصية .

أوضاع المراة وانفصام الشخصية 

يجب علينا أن نتفهم قبل كل شىء إن محو الأمية الثقافية للمرأة قد أضحى ضرورة ملحة لمواكبة التقدم العلمى والتكنولوجى، ولكى يتسنى لنا الخروج من دوامة القوالب المستهلكة التي تُسطّر طرق تربوية بالية لم تعد تناسب التطور والأوضاع المتحضرة، ولن يتأتى  ذلك الاّ إذا تمردنا بشكل جرىء على العادات والتقاليد والأفكار الرجعية المسيطرة على عقولِنا، والتي تضع المرأة موضع العاجز عن مسايرة حركة التطور الحاصل في البلدان المتحضرة، حيث ان المرأة هي الركيزة التي تنعكس عليها كل أزمات المجتمع  من احتلال، فقر، وحصار، وبالتالي فان كل ذلك ينعكس على قابليتها في تنشئة أبناء أصحاء وخالين من الأمراض النفسية، فاذا كانت المرأة في المجتمع تعاني من القهر وغياب العدالة في أوجه عديدة في الحياة، فانها حتماً ستكون عرضة لشتى الامراض النفسية التي بالتالي تعكسها بطريقة غير مباشرة على أبنائها . 

في مجتمعنا العربي، اصبح ازدواج الشخصية من الأمراض الشائعة والآخذة بالإزدياد، لأسباب مختلفة سادت منذ القديم وتفاقمت وبلغت مداها في الوقت الحاضر، وذلك نتيجة للأوضاع التي نعيشها، من حروب وانقسامات وعدم استقرار وغياب الأمن والعدالة، مما جعل ذلك ينعكس على الأُسرة وقيمها بشكل مباشر، وعلى الأكثر تكون فيها الضحية الأُولى هي المرأة، وبشكل حتمي يكون انقسام الشخصية ناتجاً عن الأوضاع القاسية التي تعيشها هذه المرأة الأُم . فنجد إنها  تعاني من اشكال عدة من التمييز الذي يؤثر بشكل مباشر على أوضاعها النفسية كالتمييز القانوني، والتمييز المجتمعي، والتمييز الإقتصادي، وكل هذه الأشكال من التمييز بالتأكيد تحبط المرأة وتحبط عملية التنمية وعملية تنشئة أبناء لا يعانون من مشاكل نفسية، وكذلك لا يمكن أن يكون للمرأة دور مواز ومشترك في تنمية المجتمع مع الرجل تنمية سوية .

 امرأة معنَّفة تعني بيئة صالحة للانفصام

بعد دراسة  قام بها مختصون في منظمة اليونسكو التابعة للأُمم المتحدة، وجدوا فيها أن البيئة المستقرة سيكولوجياً، والأسرة التي يعيش أعضاؤها في جو يخلو من الأزمات، والتي لا تتعرض فيها المرأة للعنف الإجتماعي الذي يحول دون تنطيم الأُسرة وتنشئتها بطرق سليمة والذي تأخذ فيه المرأة الموقع الحضاري المتميز، وتتولى تربية أبنائِه بشكل متجانس مع محيطه،لأنها هي أول أساس يرتكز عليه تَكيّف الأبناء من الناحية العاطفية . فالمرأة هي ركيزة المجتمع، ووجود أي مشاكل تعيق تكيفها ويعرضها الى أزمات تهدد صحتها النفسية، قد يهدّد المجتمع بأكمله . فقد أجمع الدارسون والمختصون النفسيون على أن البيئة  هي من أهم العوامل في تشكيل شخصية الفرد، وإكسابه الغرائز والعادات، وان وضع المرأة الغير سوي هو المسؤول الاول عن أي انحطاط أو تأخّر في صحته النفسية، كما أن اضطراب الأُسرة وعدم استقرارها، له تأثير كبير في استقامة السلوك، والتعرض للأزمات النفسية وانفصام الشخصية .

إن استقرار وأمان البيئة وعدم اضطرابها وخلوها من الفتن والإضطرابات، من الأسباب الوثيقة في تماسك شخصية الفرد، وازدهار حياته، ومنَاعَتِه من القلق، وقد ذهب علماء النفس إلى أن البيئة المرتبكة التي تعيش فيها المرأة حياة مليئة بالمتناقضات والتعقيدات والعامرة بالقهر والحرمان كما في مجتمعاتنا العربية، يجعل الفرد العربي يشعر بأنه يعيش في عالم متناقض، مليء بالغش والخداع، والخيانة والحسد، والظلم والجور والغبن، كل ذلك هو من عوامل الإنحطاط والتأخر، الذي يخلق بيئة مناسبة لاختلال الشخصية واصابتها بالإنفصام .

في مجتماعاتنا العربية، عانت المرأة ومازالت تعاني، من تقاليد بالية أُسبِغتْ عليها القدسية من خلال مزجها بتفسيرات وتأويلات دينية تنتقص من المرأة وتحط من قدرها، وهذا أهم ما وضع مجتمعاتنا في طريق التخلف، والذي ساهم في أن تبقى عاجزة عن مسايرة التقدم البشري في شتى مجالات التطور، بالتالي أوجد شرخاً عميقاً بين وضعنا وطريقة تنشئتنا، وبين ما يحيطنا من تطور علمي وتكنولوجي، بين ما تفرضه علينا اعرافنا وتقاليدنا وما تفرضه علينا الوسائل العصرية العلمية التي تغزونا دون استئذان، وبهذا أصبح الفرد العربي نهباً للامراض النفسية، وعرضة لضغوط ثقيلة تؤدي الى ازدواج الشخصية .






 
الاسم البريد الاكتروني