شغف ممارسة البحث العلمي ينبع من القلب

عالية كريم
/site/photo/11249

انها تعد إحدى أكبر علماء الوراثة في عصرنا الحاضر، منذ طفولتها امتلكت موهبة فذة ميزتها عن اقرانها، ووضعتها على سلم النجاح .  قبل حوالي ستين عاماً كانت مايانا زتر طالبة في احدى مدارس ساو باول في البرازيل، وكانت طفلة تسترعي الإهتمام، كانت في طفولتها مولعة بقراءة الكتب التي تتحدث عن العلماء، هذه الطفلة  التي ولعت بقراءة حياة العلماء، اصبحت بعد خمسين عاماً، من ابرز علماء الوراثة في عصرنا، لأنها طوال حياتها تؤمن ان شغف البحث العلمي ينبع من القلب .

انها عالمة الوراثة المعروفة مايانا زتر، التي من خلال بحثها الدؤوب اصبحت خبيرة في كشف الأمراض الوراثية، والتي جندت حياتها لايجاد طرق علاجها . انها تعشق مجال عملها وبهذا فانها تقول " يجب ان نحب ما نقوم به" لان حبها للبحث وشغفها بعملها ساعداها في انشاء مركز جينوما في ساو باولو، وفي هذا المركز مختبر التحليلات وللبحوث ومركزٌ للعلاج فريد من نوعه في البرازيل .

تم تدشين هذا المركز عام 1988م، واصبح ملاذاً للمرضى الذين تقطعت بهم السبل للعلاج،  فمركزها يقدم استشارات مجانية للفقراء والمحتاجين، انها تركز بحوثها على علاج الأمراض المتسببة في ضمور العضلات،  وهذه الامراض تصيب واحد من ثلاثة الاف وخمسمئة طفل في العالم .

عن طريقتها في العلاج، تؤكد على ان تلتقي بعوائل المرضى،  وليس فقط اخذ عينات مختبرية، وبهذا تقول مايانا : عندما تلتقون بالعائلة وتروي لكم حقيقة الواقع الذي تعيشه، فذلك يختلف تماماً عن مجرد اخذ العينات للمختبر، فمن خلال تلك اللقاءات هنالك علاقات تتكون، ومشاعر تبرز، من شانها ان تُكسب البحث اهمية كبيرة . اللقاءات مع المرضى تساهم يوماً بعد يوم  في تنمية القيم الإنسانية .

حققت مايانا حتى الآن وبصحبة فريقها المكون من 13 باحثاً من افضل الباحثين في البرازيل، الرعاية الصحية لأكثر من 16 الف عائلة متضررة من هذه الأمراض الوراثية، ويعتبر هذا رقماً قياسياً على المستوى العالمي .

نجاحها تولد من رحم معانات سكان الأحياء الفقيرة في البرازيل، حيث اكتشفت مايانا هذا المرض المتفشي لدى الأطفال عند عودتها من الولايات المتحدة اثر اكمالها دراستها وعن ذلك تقول :

/site/photo/11251 

لقد صدمت حين وجدت الأطفال الذين يولدون مصابين بهذا المرض متروكين دون رعاية تذكر، هنا قررتُ ان اكرس كل عملي لهؤلاء الأطفال، وهكذا اطلقت جمعية برازيلية تهتم وتخدم هؤلاء المصابين، فوفرّت هذه الجمعية الكراسي المتحركة للمرضى وحتى كلاب المساعدة، وبذا اصبح متوسط العمر لهؤلاء المرضى المصابون يصل الى خمس وثلاثين عاماً، اي ضعف ما كان عليه الرقم  قبل عشرين عام، لكن مايانا لاتريد الوقوف عند هذا الحد، فانها تعمل على اكتشاف دواء يعالج هذه الأمراض، وهو الهدف الرئيسي للبحوث التي تجريها منذ اربعة عقود والتي تبدأ دائماً بأخذ عينة من الحامض النووي، وبفضل هذا الكنز العلمي اصبح مختبرها ذائع الصيت على الصعيد العالمي، فهو يضم مئات الآلاف من العينات منذ سنة 2001، فساعدت وزيرة الآبحاث بكيفية تمكن فريق مايانا من اكتشاف خللاً وراثياً معين خلال بضع ساعات بجهاز يفك الشفرة الجينية والذي يبلغ سعره نصف ملين دولار امريكي، تقول ان التحدي الاكبر في المستقبل ليس بالحصول على البيانات بل يكمن في معرفة تحليلها .

مثلاً نجد ان هنالك اشخاص يفتقدون الى جزأ كبير من الكروموزم وقد يكون هذا سببا في مرضهم، وبفضل البنك الجيني الضخم تمكنت مايانا وطقمها من الريادة في اكتشاف الجينات المسؤولة عن الامراض المتسببة في الضمور العضلي، من ضمنها المتلازمة التي تسبب الفقدان الكلي للبصر، وذلك برصد الاختلالات والطفرات للوقاية من حدوث مشاكل وراثية، ففي نصف الحالات ينقل مرض راشان من الام الى طفلها، وقبل ظهور التكنولوجيات الحديثة، لم تكن تقدم مايانا للعائلات سوى الاحصائيات والإحتمالات لكن مع غزارة البيانات المرتبطة بعدة اجيال اصبح بإمكانها انشاء خارطة معلومات وراثية لعائلات باكملها قادرة على التنبؤ بولادة طفل حاملٍ لمرض وراثي .

تقول هنالك عائلات تبلغنا مثلاً ان لهم اخاً توفي بسبب ضمور عضلي قبل عشرين عاماً وتريد ان تعرف هل هي حاملة للجينات، فلذا يتوجب علينا اخذ الحامض النووي للمتوفي وتحليل الطفرات الجينية المتسببة في المرض ومن ثم يمكننا ان نُعْلِم الشخص باحتمال تعرضه لهذه الطفرة الجينية من عدمها .

هذه القدرة على التنبأ بظهور مرض ما، قبل عدة سنوات قد تمس بالأخلاقيات فمايانا تدرك انها قادرة على تغيير حياة شخص ما اسناداً الى هذه الاسرار العائلية  .

/site/photo/11250  

رغم تجاوز هذه الباحثة السبعين من العمر فانها لا تزال تشق طريقها بثبات في مجال العلم والمعرفة في البرازيل التي احتضنتها منذ السابعة من عمرها قادمة مع ابويها من مسقط راسها تل ابيب، وكانت من وراء تعديل قانون البحث في مجال الوراثة وكان ذلك في الثاني من مارس ( آذار ) في عام 2005 حين اقنعت مايانا نواب مجلس الشيوخ على اجراء تجارب على الخلايا الجذعية التي كانت ممنوعة بفعل ضغط الجماعات الدينية التي كانت متنفذة بالبرازيل، معتمدة في هذا السياق على تأييد عائلات المرضى .

تقول ماياتا : قبل يومين من الجلسة البرلمانية، التقينا بطفلة معاقة تبلغ من العمر ثلاث سنوات، سالتنا لماذا لا نعمل لها ثقباً في ضهرها ونضع لها بطارية كي تستطيع المشي مثل الدمية، هذا الكلام اثار مشاعر الجميع فقلت لها تعالي معي، فاصطحبتها امام مجلس الشيوخ ليسمعوا ما تقول، مما احدث تغييراً جذرياً .

لدى مايانا  اقتناع تام بان علاج الامراض الوراثية يكمن في الخلايا الجذعية، باعتبارها منشأ كل خلايا الجسم البشري، فامكانية اضفاء تغييرات على الحمض النووي بداخلها والتحكم المطلوب في تطورها من شانه ان يمنع حدوث اختلالات وراثية، وان يمكن حتى من اعادة انتاج اعضاء بشرية . 

الطب الوراثي لم يعد حلماً بل انه مستقبل مؤكد، وسيحدث ثورة في علاج الأمراض الوراثية . فان مايانا زاتر تؤمن ان ثورة علمية قد تحدث خلال ثلاثين عاماً على الاكثر، وستضع الحلول للعديد من الأمراض الوراثية .

 

 

 

 

 

 

 




 
الاسم البريد الاكتروني