"منظر طبيعي" مسرحية قصيرة في فصل واحد * الجزء 2

تأليف: هارولد بنتر/ترجمة وتعليق : علي كامل
/site/photo/11290
تتمة موضوع : منظر طبيعي" مسرحية قصيرة في فصل واحد
 
(التعليق)

دراما الذاكرة الشعرية 
 
إن أوضح تعريف بكاتب ملغز مثل هارولد بنتر نعثر عليه في كلمات ديفيد هير، حيث كتب مرة يقول : 
"لقد فعل بنتر ماقاله أودن ما على الشاعر أن يفعله. لقد نظّف قنوات اللغة الإنكَليزية من 
شوائبها فأصبحت مفرداتها تجري برشاقة وسلاسة." . 
 
كتب بنتر أربع مسرحيات ـ تراجيكوميدية ـ تجريبية خلال عام واحد (١٩٦٩)، اعتمدت الذاكرة بؤرة لتجمّع ضوء الفكرة، والصمت لغة، إيقاع ودلالة. أما الزمن فهو دائري ذو سمات زئبقية، حيث الحاضر يفتح بابه مشرعاً ليدخل الماضي برشاقة ويحل بدلاً منه وبالعكس. ثيمات يتبادل الحقيقي فيها الزائف والواقعي الوهمي مواقعهم بالتناوب بما يشبه لعبة المرايا أو المخادعة. ويحل الشعر المنثور ضيفاً لدناً في تعاريج الحديث اليومي العادي، فيما الموسيقى نسغ ينظم مسارات تلك الأحاديث . 
 
إنها ثيمات ذات سمة بيكيتية ـ بروستية، تتحدث بسخرية مبّطنة عن جوهر العلاقة الذكورية ـ الأنثوية . علاقة الرجل والمرأة، الزوج والزوجة، العشيق والعشيقة. أفكار مشوشة مختصرة لعواطف متوترة جوهرها الجنس والحب الشهواني، الغيرة، الخيانة، الضجر، الرتابة، العزلة والكآبة، في تخوم سنوات اليأس، لعلاقات وزيجات أصبحت ذكراها نائية جداً. و هذه المسرحيات هي على التوالي:
 (أمسية)، (منظر طبيعي)، (صمت)، و (أيام زمان)
 

                                              *** 
   
مسرحية "منظر طبيعي" ١٩٦٨، دراما شعرية من فصل واحد تتضمن شخصيتان فقط هما الزوجان بيث وداف اللذان يعيشان ويعملان في منزل ريفي عائد لمستخدمهما السيد سايكس المتوفى على الأرجح. فقد كان داف يعمل سائقا ً عنده، أما بيث فقد كانت مدبّرة منزله .
 
تبدأ المسرحية وتنتهي والزوجان يجلسان في مطبخ كبير أجرد وموحش، تفصل بين مقعديهما طاولة طعام طويلة جداً هي بمثابة مجاز لعزلتهما وانفصالهما الأبدي وهما يواصلان ذكرياتهما بصوت عالٍ في محادثة شبه شبحية. بيث تستعيد ذكرى أحلامها المضيئة عند شاطىء البحر وحكاية الرجل الذي كان يستلقي معها عند تلال الرمل، وداف  يتذكر خيانته لها وجولاته المتكررة مع كلبه في المتنزه وحكاية الرجل العابر الذي التقاه في الحانة إلخ...
 
بيث وداف لايتحدثان معنا أو إلينا ولا إلى بعضهما البعض إنما كلٌّ يتحدّث إلى نفسه. ما يجري أمام أنظارنا هو وجود شخصيتين منفصلتين عن بعضهما البعض فيزيائياً وعاطفياً، فضلاً عن انفصالهما عن البيئة التي يتواجدان فيها. هذه الصورة،، تبدو لنا مجازاً، أشبه بلوحة زيتية لمنظر طبيعي ساكن وخالٍ من الحركة تماماً .
 
على الرغم من وضوح هاتين الشخصيتين في مقدمة الصورة إلا أن تفاصيل مونولوجاتهما مبهمة مضببة وملغزة . أما خلفية الصورة فهي نائية ملتبسة ليس بوسع المرء النفاذ إليها بيسر لفك مغاليق تلك المظاهر المّضللِة للأحداث والشخصيات المُتخيـلِة . مونولوجاتهما شحيحة وموجزة، صافية ونائية ينيرها خيط شعاع شاحب أو رمادي في غسق العمر والوهن . إنها شظايا كلمات قيلت في يوم ما ونسيت حينها وهاهي تستيقظ ثانية من سباتها العميق لتفتح جراحات قديمة منسية بسياقات لغوية أقل منطقية وأكثر غموضاً . 
 
عبر مونولوجاتهما المتعارضة والملغزة تلك يوحي لنا بنتر إلى حد ما، أن من الصعب التعويل على مصداقية الذكريات والأحلام تلك، فبيث مثلاً تقول وهي تتذكر:(استدارت المرأتان وظلتا تتطلعان نحوي) إلا إنها سرعان ماتستدرك الحديث فجأة بقولها: (كلا، كلا . أنا التي استدرت، فقد كانتا واقفتان وأنا أمشي) . أو مثال آخر هو التباس هوية الرجل الذي تتذكر بشغف أنها التقته عند شاطىء البحر، فعبر شظايا كلماتها توحي لنا أن ذلك الرجل يمكن أن يكون داف نفسه، أو ربما السيد سايكس، أو من الممكن جداً أن ذاكرتها أصبحت تمزج ما بين الإثنين .   

الملاحظة التي يوردها بنتر في مستهل هذه الدراما تشير إلى أن داف كان يوجه حديثه إلى بيث بشكل عادي وواقعي غير أنها كانت تزوغ وتتطلع صوب جهة أخرى، صوب فضاء الحلم . أما الشيء الأكثر غرابة في الأمر فهو أن لا أحد فيهما يسمع صوت الآخر ! .
 
موقفهما من عدم الأصغاء للآخر لايوحي على أنهما منفصلين وينفر أحدهما من الآخر فحسب، إنما يؤكد أيضاً أن ذلك هو نوعاً من الانفصال والنفور اليومي المتكرر والمعتاد . فليس شيئاً مستغرباً بالنسبة لداف مثلاً حين يسألها ولاتجيب عن أسئلته . أو نراه أحياناً يسعى إلى تجسير تلك الصلة المتقوضة بينهما عبر ثرثراته المضجرة بحكاية تمشيّه مع كلبه أو لقاءاته في الحانة أو رحلته إلى سكوتلندا مع السيد سايكس . لكن ذلك لايمنعه من أن يذكرّها فجأة وبشكل عدواني كيف أنه إغتصبها أو خانها مع امرأة أخرى . غير أن محاولاته تلك تبوء كلها بالفشل، فهو لم يستطع أن يحقق هدفه الغامض أو المعلن معها . حين يقترح عليها القيام بنزهة إلى البحيرة مثلاً تصمت دون جواب . أما عندما يتذكر، وبإحساس من الندم، اعترافه المبكر بخيانته لها، نراها تغيّر موضوع الحديث . وحين يسألها إن كانت تحب أن يتحدث معها أم لا، لاتجيب. لكنه ورغم عدم صدور أية استجابة منها يسارع بخفة في القول :
 
"أظن أنك تحبين ذلك"! . محاولة منه في الحفاظ على وهم العلاقة بينهما . وهكذا وفي كل مرة يحاول التشبث بها تزوغ منه . داف لايستطيع مغادرة بيث أو هجرها لأن ثمة بقايا حب قديم. ثمة التزام ما بينهما إزاء ذلك الرباط المقدس . لذا يبقى هذا اللحن متواصلاً أبداً، هي تجلس في جانب تحلم بالرجل الذي تحب، وهو يجلس في الجانب الآخر يهذي ويثرثر بدون توقف .

يلمح لنا بنتر عبر خفايا الكلمات ولحظات الصمت الناطق بأن بيث كانت تسمع داف، فحين يقول لها مثلاً : "لايوجد ثمة أحد في المتنزه" تجيبه هي بـ "ليس ثمة أحد على الشاطىء". وحين يتذكر هو الحانة تتذكر هي بار الفندق . 
 
قطيعتهما تكاد تكون مطلقة ولكن بألفة ورفقة غريبة. بل الأكثر من ذلك، تبدو لنا مونولوجاتهما كما لو أنها صدىً نائياً لأحدهما الآخر.  
التعارض بينهما ربما سببه إصرار كلّ منهما على التمسك بموقفه. فداف هو بحاجة ماسة إلى إجابة محددة ترفض بيث أن تمنحها إياه، وهذا ما يؤجج غضبه ويدفع بنزاع أقطاب هذه الدراما في نفس الوقت نحو التصاعد نحو الذروة .
 
فحين  يتذكرها مثلاً أنها كانت نادراً ما تضحك حين كانت شابة وأنها كانت كئيبة، تتذكر هي لقاءها بذلك الرجل عند الشاطىء حين كانت تضحك وتضحك وتضحك. وفي مكان آخر حين يتحدث هو عن نفسه تتذكر هي رجلاً رقيقاً كانت تستلقي إلى جانبه من دون أن تذكر اسمه . 
في ذكرياتها ثمة رقة وهشاشة، فيما ذكرياته تتسم بفظاظة حادة وعدوانية. تداعياتها صوب اللحظات العذبة والجميلة تتقاطع وتتزامن في ذات الوقت بحديثه الفج والمفعم بمفردات بذيئة كبراز الكلب وذروق البط أو الخيانة والاغتصاب..إلخ.. الذي يسهم بطريقة أو بأخرى في توسيع الهوة بينهما إن لم نقل يحيل مناخ الدراما إلى ذلك النوع من الكوميديات الصاخبة .  
 
حين يعلن لها داف أن المهم حقاً هو أنهما سوية الآن، يقولها برقة وهدوء في البدء إلا إنه فجأة يغير الموضوع واللهجة معاً ليكشف عن وحشية مرعبة وقساوة حادة لاسيما حين يذكرّها  بمضاجعته لها في ردهة المنزل وأمام الكلب وعلى وقع رنين الجرس المتأرجح. أما هي فبدلاً من الاستسلام لغضبه ووحشيته نراها تواصل تداعياتها بصفاء وهي تتذكر تلك اللحظات المضيئة . 
 
نحن هنا في مواجهة نموذجان متعارضان ومتناحران. زوجان كانا في يوم ما متحابين ثم انفصلا فجأة وأصبح كل منهما ضمناً ينبذ الآخر. ربما كان الدافع الحاسم وراء انهيار زيجتهما تلك هو خيانته المبكرة  لها ما دفعها ومنذ تلك اللحظة إلى العزلة والتكتم بشكل تام . أما الشيء الذي يجعل الأمر أكثر سوءاً فهو كما يبدو فهو حين يطلعها على خيانته تلك بعد يوم من ذهابه معها الى الفراش، وهذا ما جعل
الصورة أكثر فزعاً في مخيلتها. وهكذا يكون قد قبلهّا قبلة الوداع، قبلة يهودا، فانقطعت عن الحديث معه منذ ذلك الوقت . 
 
وربما كان للسيد سايكس دور توفيقي في وقت ما، لخلق نوع من التوازن بين هذين الزوجين، فقد كان لبيث حينها عملها الخاص بها حيث كانت تقوم بترتيب شؤون المنزل للسيد سايكس، أما الآن فليس لديها شيئاً تقوم به سوى التشبث بذكرياتها. لذا من الممكن جداً أنها تعتقد بأن الحواجز بينها وبين زوجها أصبحت مطلقة منذ غياب ذلك السيد. حسناً، والآن، مرة أخرى، من هذا الرجل الذي تتحدث عنه بيث في تداعياتها ؟ أهو عشيقها حقاً؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهل معنى أن ذلك هو بمثابة استجابة منطقية منها إزاء خيانة زوجها لها ؟ 
من الممكن بالطبع أن يكون ذلك الرجل هو داف نفسه كما أشرنا من قبل، وإذا صح هذا الأفتراض عندئذ تصبح عملية اختلاق عشيق الحلم، هو مجرد نوع من الإغاضة أو محاولة لرد الأهانة التي لحقت بها إزاء خيانته تلك . 
 
لايمكن بالطبع القبول بوجهة النظر التي تقول مثلاً أن العشيق الذي تستدعيه ذاكرتها، سواء أكان زوجها داف في شبابه، أو ربما السيد سايكس نفسه، هو شيء ملفق صادر من وحي مخيلتها المنهكة. كلا، كلا لايمكن ذلك، والدليل أنها كانت تتذكر زوجها بعض الأحيان، لاسيما بعد اعترافه بخيانته لها بمدة قصيرة أو طويلة .
 
إن كلا التذكارين، ذكرى العشيق وذكرى الزوج، يعني بالنسبة لها الشيء الكثير. فإحداهما سعيدة والأخرى مؤلمة، ويبدو أنهما يختلطان معاً في مخيلتها .
 
الواضح جداً إن الصلة بين بيث وداف مقطوعة تماماً بالكامل وغير قابلة للتغيير على الإطلاق، إلا إن الجملة الأخيرة التي تنطقها بيث في ختام المسرحية قائلة: "أوه، أنتَ حبي الحقيقي"، تهز أركان الصورة التي رسمناها في مخيلتنا، لأنها جملة غامضة وملتبسة وخاضعة لكثير من التأويل. لكن مع ذلك يبقَ لوقع هذه الجملة الملغزة في ختام هذه الدراما وقع الومضة في العتمة . 
 
"منظر طبيعي" أخيراً هي مسرحية شبيهة بحلم أو بموجة تتشكل وتتلاشى في ذات اللحظة . إنها دراما منفتحة على قراءات وتأويلات شتى، حبلى بالكثير من المعاني والدلالات . 
                                                        ***

هامش:

(*)    CONTEMPORARY CLASSICS: FABER& FABER LIMITED 1991:
   Harold Pinter: Plays 3: LANDSCAPE  

(**) كراون: قطعة نقدية فضية بريطانية قديمة كانت تساوي حينها خمسة شلنات.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ




 
الاسم البريد الاكتروني