لماذا لم نعد نضحك!

محمد علي البدوي
/site/photo/11315
لا اعرف سببا لإبتعاد الناس عن بعضهم البعض أو لذلك الإنصراف الشديد عن متابعة أخبار الأهل والأصدقاء والجيران والذي أصبح ظاهرة تحتاج الي متخصصين في كافة التخصصات لدراستها ومعرفة أسبابها التي جعلت  كل واحد منا يعيش في جزيرة منعزلة لا يربطه بالآخرين أية مشاعر أو أحاسيس قائمة علي المودة والحب .

انصرفت قلوبنا عنا فانصرفنا عن أحبابنا واصبحت لذتنا قائمة على أمور مستحدثة فتُهنا ونحن لا نشعر أننا تائهون .

حَكَمنا على الآخرين بطريقة غير سليمة وبررنا لأنفسنا أسباب البعد والعزلة ونسينا اشياء كثيرة جميلة كانت بمثابة الضوء الذي ينير لنا ظلمات أنفسنا .

تجاهلنا الأصدقاء والأهل والاقرباء بل تجاهلنا الأبناء متعللين بقسوة الحياة وكثرة مطالبها فغلبتنا الحياة واسرتنا، وصرنا مجرد تابعين لهوى النفس فتحجرت مشاعرنا وتعثرت خطانا بحثا عن السعادة التي لم يستطيع المال أن يوفرها .

تنافسنا في شراء العقارات والسيارات ولكننا لا نستطيع الإستمتاع بإيهما لأننا نمكث اليوم بأكمله لاهثين وراء مزيد من المال والجاه .

لم نعد نتزاور ولم تعد لقاءات الأهل والأصدقاء تمثل لنا أي معني بل صرنا نراها مضيعة للوقت ونتهرب منها بكل السبل الممكنة خوفا من أن يطلب منا شيء لا نريد أن نقدمه للآخرين .

كنا في الماضي نلتف حول مائدة الطعام لنأكل مع بعضنا البعض فنتناقش ونتحاور ونتبادل النكات ونحكي لبعضنا البعض عن همومنا ومشاكلنا .
 
وكنا أيضا نذهب إلي المساجد لتأدية الفريضة ثم نقف بعد الصلاة لدقائق نتصافح ونسأل عن أحوال بعضنا البعض . كان إذا غاب صديق أو قريب هرولنا إليه الخطى لزيارته والإطمئنان عليه . وكنا نتبادل أطباق الطعام مع الجيران ولا نترك جارنا يوما واحدا بدون السؤال عنه .
كنا نساعد امهاتنا في نظافة المنزل وإعداد الطعام وكنا نخجل من آبائنا اذا ما قمنا بعمل ما تشوبه مجرد شائبة .

كنا نضحك من قلوبنا ونلعب مثل الأطفال كنا نشعر بالحنان مع كل من يحيطون بنا وكان للضحك مكان في حياتنا فأصبحنا لا نضحك حتى وإن شاهدنا فيلما كوميديا وأصبحنا نسال أنفسنا لماذا لم نعد نضحك ؟

فقدنا الثقة في كل من يحيط بنا وفقدنا معها الاحترام لكل جميل وفقدنا الاهتمام الغير مبني على مصلحة ما .

كانت أمهاتنا يتفنن في رسم البسمة علي وجوهنا أما الآن فمعظم الأمهات مشغولات بمتابعة برامج العري والتفاهة وإشترين لنا الألعاب التكنولوجية لتلهينا وتغيب عقولنا .

كان الصديق بمثابة الأخ وتكاد ترتقي مكانته في نفوسنا إلي مكانة الاخ الشقيق فلا نستطيع البعد عنه أو تجاهله . وكنا نحترم المعلم ونوقره ونقف أمامه في إحترام يكاد يتساوي مع إحترامنا لآبائنا .

أذكر نفسي بتلك الأيام الجميلة التي تهفو إليها النفس في لحظات التأمل فأسبح في ذكرياتها متنقلا بين ذكرى وأخرى لعلي أفهم ما حدث لنا وسبب تغيرنا وبعدنا الكبير عن بعضنا البعض .

أصبحنا نماذج مشوهة وإختلطت  الأوراق فيظن كل منا أنه علي صواب ويرفض الخضوع لمشاعره . وإرتضينا أن نعيش حياة باهتة فأصبح كل همنا جمع المال والنهب الممنهج وتعالينا على قلوبنا فاصابنا الوهن النفسي .

تنافرنا وتعاملنا مع أرواحنا وكأنها آلة حديدية صماء ولم ندرك أن أرواحنا في حاجة دائمة إلي الحنان والحب والصداقة وكل المعاني الجميلة التي نفتقدها الآن وبشدة .

تغيرنا إلى الأسوأ وللاسف نعلم يقينا أننا تغيرنا ولكننا عاجزون ولا نستطيع إعادة توجيه بوصلة حياتنا إلي مسارها الصحيح .

إندثرت وضاعت أرواحنا خلف جبال شاهقة وخلف خبايا الجسد الفاني وأصبحت مزيجا من الطمع والأنانية والفردية وحب الذات وتسلقنا جبال الوهم ظانين أن السعادة مصدرها الوحيد القفز علي أكتاف الآخرين أو جني الأموال أو شراء المجوهرات والسيارات .

ضاع الحب وتاه وسط مجتمع أصبح الحديث فيه عن الحب والأخلاق والتواصل مدعاة للسخرية فضاعت المعاني الجميلة وأصبحنا مجرد قوالب متحركة لا تنفعل ولا تخجل ولا تهتم إلا بنفسها .

الحب لا يمنحه أحد لك بل علينا أن نبحث عنه بداخلنا فهو موجود بالفطرة ولكننا تركناه يموت ويختفي وراء جدران العزلة التي نعيش فيها.


قل الخير وإختفت البركة وتحجرت المشاعر كما يقول أجدادنا، وإمتنعنا عن مساندة بعضنا البعض ولو بكلمة طيبة وأصبح كل منا مجرد ذكري بالنسبة للآخر وإستكثرنا علي أنفسنا أن تفرح وأصبحنا لا نشعر بأواجاع الأحباب فتجاهلنا أنفسنا فتجاهلتنا مشاعرنا وأصبحنا لا نشعر بها وبالتالي لا نشعر بكينونتنا . 

كنا نفهم معني السعادة في لقاء صديق أو قريب أو مد يد العون إلى مسكين محتاج فتحولنا إلى سجناء لأطماعنا التي لا تنتهي .

تساقطت أوراق كثيرة من شجرة الحب ولكنها سوف تزدهر مرة اخري اذا ما ارتوت بمشاعر الحب والإخلاص ولن ينتصر في النهاية الا الحب الغير قائم على مصلحة ما .

لم نعد ندرك مطلقا أننا في محنة نفسية ولا نريد أن نصدق أن أنفسنا ضعفت ووهنت وظننا أننا على الطريق الصحيح رغم أن كل الدلائل تشير إلي مرض نفوسنا .

تراجعت القيم واحتلت المركز الأخير في سجل إهتماماتنا وتقدمت أخلاقيات إستهلاكية مستحدثة واحتلت المراكز الأولى لذلك لا غرو أن نشاهد أنصاف المثقفين وهم يقودون الشباب بل أصبح معظمهم القدوة والمثل الذي يسيطر علي عقول الشباب .

ما أجمل أن نحب أصدقائنا وجيراننا وإخوتنا وأن نتسامح مع أنفسنا وأن نسعي دوما للقاء الأحبة وأن نعطيهم بعضا من وقتنا حتي يسود الوئام في المجتمع وتنتشر المحبة بين الجميع .
 
دواء الأرواح والنفوس غالي ولكنه ضروري وحتمي ولن تصحوا أرواحنا الغارقة في ملذات الحياة إلا بالحب لكل من نعرفهم .

غذّوا نفوسكم وأرواحكم بالحب والأشياء الجميلة فجمع المال لن يغذي النفوس بل سيجعلها أكثر شراسة وشراهة وسيقتل ما تبقي بداخلها من حب .
 
بادروا بالإتصال بأصدقائكم وأقاربكم ومدوا جسور الود معهم وإنتهزوا يوم العطلة لزيارتهم ولا تستمعوا إلى الأصوات التي تناديكم ألا تفعلوا وحاولوا إسترجاع ما سلبته منكم حياتنا القاسية .




 
الاسم البريد الاكتروني