الذي رأى الهلال

الاربعاء : 25 ـ 2 ـ 2009

الذي رأى الهلال

 

أنا مَنْ بَدل بالكُتبِ الصحابا

لمْ أجدْ لي وافياً إلاّ الكتابا

(شوقي)

 

في كل عصر، وفي كل أمة، وفي كل مدينة، وفي كل قرية، وفي كل قصبة، يوجد من يقول إنه اصطاد الأسد بعدما أمسك به من ذيله.

هذا أمر ثابت ومسلم به الآن.

غير أن الأكثر غرابة، أو طرافة، وجود من يقول لك إنه ذهب الى الصيد في الصحراء (تصوروا: الصحراء) فوجد الهزبر عند أحد الأجمات التي تتكاثر عندها الببغاوات (تصوروا: أجمة، وببغاوات، في صحراء)، فلم يتمالك نفسه، وبرز إليه صارخاً في ملك الغابة: هاتها.

والحكاية - بعد ذلك - مدعاة للقهقهة، فصاحبنا يقول إنه بعدما سمع الهزبر صيحته، برز إليه مكشراً عن أنيابه، رافعاً ذيله إلى الأعلى مثل صارية، فلم يكن أمام صاحبنا إلا أن يلف عباءته الوبر على ذراعه اليمنى، ويدفعها الى فم الأسد، ثم إلى جوفه، ليسحبها بسرعة إليه، ليتحول ظهر الأسد.. جوفاً.

طبعاً، هناك مَنْ لم - ولا - يصدق هذه الحكاية. وكنت - شخصياً - أحد هؤلاء. فما كان من صاحبنا إلا أن يقول لي: "وهل سمعت بحكايتي مع هلال شهر رجب؟".

- لا.

وأخذ صاحبنا يسرد عليّ حكاية غير قصيرة، ناسباً بعض تفصيلاتها إلى فلان وفلانة، حتى وصل في آخر المقال الى القول: "ثم رأيت هلال شهر رجب".

- نعم؟

- "في نهاية المطاف، لم أجد بداً من إطلاق ملكاتي الخاصة، والاستعانة بقراءاتي غير المتخصصة، فاستعنت بأحد جنيي كتاب "ألف ليلة وليلة"، الذي طار بي قرب السحاب الأسود، حيث أزحته بنفخة واحدة من فمي، وعندها رأى الناس هلال شهر رجب".

- بنفخة واحدة؟

"نعم، نعم، ألمْ تسمع بي.. أنا الذي قال فيّ الشاعر: أنا ابن بيد با وطلاع الثنايا"... و

... وصرخت فيه:

- كفى، كفى.

يحلو للبعض، خصوصاً في المجتمعات الاستهلاكية، أن يكذب ليصدق كذبته، ثم يبني كذبة أخرى على كذبة أولى ليصدقها هو فقط، حتى يصل به الحال الى أن يكون كذبة صغيرة (يتوهم انها كبيرة) تمشي في الأسواق.

هذا البعض أخذ يتكاثر مثل الفطر في بعض الساحات الثقافية العربية، حتى انهم اصبحوا شهوداً على ميلاد "قصيدة التفعيلة" قبل "كوليرا" نازك الملائكة.

وقديماً قال "مونتاني": "على ضعيف الذاكرة ألا يكذب".

 

جمعة اللامي

www.juma-allami.com

juma_allami@yahoo.com




 
الاسم البريد الاكتروني