مع يسوع الناصري وبدر شاكر السيّاب/نصٌّ نثري

كريم الأسدي ـ برلين
/site/photo/11699
في مثل هذه الليلة من كل عام أجالس شخصين رمزين يحضران معاً ولا يغيبان عن بالي أبداً، يبدو لي انهما متشابهان في امور كثيرة مهمة وتهمُّني، انهما متشبهان في الألم الذي عاشه كل منهما في حياته : ألم مرير وشاق وطويل وناجم عن قصد وسبق اصرار من الذين تسببوا فيه، متشابهان في الانتماء  لآلام ابن الأرض البسيط بل المعدم والمسحوق، والانتصار له في كفاحه ضد الطغاة والجبابرة وتجّار الأرواح البشرية وباعة الضمائر، متشابهان في فصيلة الدم الذي يحمل سر الثورة على الظلم، متشابهان في النزوع الرائد نحو الحرية والتمرد على قيود السيد الجشع مروِّض البشر ليضمهم الى القطيع المطيع، متشابهان في ان هذا اليوم يعنيهما معاً يوم الرابع والعشرين من كانون الأول، أحدهما جاء الى الأرض فيه والثاني غادر أهل الأرض فيه .. الأول هو المسيح والثاني هو السيّاب، والاثنان من فصيلة نادرة جداً من الشعراء والثوار والحالمين والنبلاء والشرفاء والمضحين المتفانين والرافضين للقبح والظلم والعاشقين للجمال والعدل، أولهما يسوع الناصري من فلسطين وثانيهما بدر شاكر السيّاب البصري من العراق، وكلاهما ابن العالم والأرض والانسانية والشرق بامتياز .
 
في البصرة طالباً في كلية العلوم ـ قسم الفيزياء في جامعتها كنت أرى يومياً تقريباً تمثال السيّاب وأنا أعبر في عبّارة الجامعة أو في الزورق البخاري من قضاء شط العرب الى العشّار أو أعود من العشار الى قضاء شط العرب حيث مركز الجامعة وأقسامنا الداخلية وموقع الكليات الثلاث العلوم والهندسة والزراعة . نذهب الى العشّار لأنه مركز المدينة الجميلة، لنقابل الزملاء والأصدقاء في مقاهي الكورنيش ومقهى البدر أروعها وأكثرها الفة وحميمية بصالته المطلة مباشرة على النهر بل والممتدة فوق مياهه حيث طيور الماء تسبح وتطير جنب رواد المقهى .. كنت أمرُّ دائماً على تمثال السيّاب فأحس انه يحدثني ويصغي الى صمتي، بيد ان أجمل وأعمق وأروع الطقوس، الطقس الذي يرقى الى الصلاة على أرواح الموتى الأعزاء النبلاء الكرام هو ذلك الطقس من الصمت الجليل الطويل الجميل الذي أعيشه وأنا أتمشى على ذلك الشارع النهري الجميل قرب تمثال السيّاب رفقة محبٍ للسيّاب، وعاشقٍ لشعر السيّاب، وبضعةٍ من دم السيّاب، وصوتٍ يشبه صوت السيّاب وخاصةً في القاء الشعر، وخطٍ يشبه كتابة السيّاب . صمتٌ جليلٌ مهيبٌ معبِّرٌ يلازم خطواتنا أنا وغيلان ونحن نتجه من بداية كورنيش العشّار الى نهايته و جسر الخورة عائدين ثانية الى العشّار أو جالسين بعد ذلك في مقهى البدر ويلازمنا هذا الصمت ونحن في نطاق الحضرة السيّابية لدقائق . حين نشبت الحرب بين  العراق و ايران كنت أخشى جداً على البصرة كلها والبشر الأحياء فيها، الّا انني كنت اخشى أيضاً وجداً على وجه السياب وقوام السيّاب ومنصة السيّاب، وحين وقعت قذائف الحرب في جامعتنا وبين أقسامنا الداخلية وصدر أمر بوجوب مغادرتنا مررت مودعاً تمثال السيّاب وأنا اتجه الى محطة السيّارات التي تنقلنا الى القرنة شمال البصرة ثم الى مدينتنا الصغيرة جنوب الناصرية، وعلمت فيما بعد ان غيلان قد ذهب الى الجامعة باحثاً وسائلاً عني بعد سماعه بأخبار القصف  وليستضيفني عندهم في البيت، الا انني كنت قد غادرت مثل كل طلبة الأقسام الداخلية في مجمع التنّومة أو شط العرب، لنعود بعد اشعار سيصلنا من الجامعة  .

حينما زرت العراق قبل عامين ونصف وذهبت الى البصرة لزيارة أقرباء لي ورؤية المدينة التي درست وأقمت فيها لسنوات سألني اقربائي وهم يهيئون السيارة للانطلاق بنا في جولة في البصرة : الى أين أولاً ؟!  فقلت الى شط العرب وتمثال السيّاب .


*******

كريم الأسدي ، برلين ، ليلة  23  ـ 24  من كانون الأول 2018 




 
الاسم البريد الاكتروني