الاختلاف كممارسة أدبية قراءة في "هذه ليست حقيبة"

رفيف الشيخلي
/site/photo/11859
حين تضطرك الظروف للهجرة وترك بلدك الذي كبرت وترعرعت فيه، تشعر كما لو أنك شجرة أُقتلعت من جذورها . خصوصا في لحظات اتخاذ القرار وفي بداية وصولك لبلد الإقامة ومحاولتك الاندماج فيه . مهما كانت هذه الظروف قاسية وقاهرة كالحروب والتهديد بالموت، أو أقل قسوة كالجوانب الاقتصادية والاجتماعية والدينية .
 
فكيف يمكن المزاوجة بين الخلفية الثقافية للبد الأم ومثيلتها في بلد الإقامة ؟ وهل يمكن اعتبار الإدراك بأنك تتوجه إلى بلد مختلف في اللغة والتقاليد والقوانين، وحتى التفاصيل الصغيرة عاملا مساعدا على الاندماج ؟ أم قد يكون هو العقبة التي تحول دون ذلك وتدفع إلى تأجيج الشعور بالوحدة والاختلاف .
 
في كتاب "هذه ليست حقيبة"، الذي حرّره وأعدّه الشاعر والكاتب المغربي المقيم في بروكسيل طه عدنان، والصادر عن منشورات "ملتقى الطرق" بالدار البيضاء، نجد سرودا عربية لكتّاب عرب من جنسيات مختلفة كالمغرب، مصر، السودان، العراق، سوريا، وفلسطين، يقيمون في نفس البلد ( بلجيكا ) . يعبّرون عن حالة اختلاط الهويات والثقافات . وعن مشاعرهم وأحاسيسهم تجاه بلد الإقامة، وحنينهم أو أسفهم على "فقدان" بلدهم الأصلي... فكيف كانت تعبيراتهم ؟ وكيف يرون بلد الإقامة ؟ والأهم، هل يجدون بداخلهم القوة على التأقلم ؟

عن الكتاب والعنوان
/site/photo/11861  
يعبّر طه عدنان في تقديمه للكتاب عن اختيار العنوان، بما معناه أنّ المهاجر لا يحمل حقيبته معه، بل أيضا يحمل هويته ولغته وتاريخه وأحلامه وخيباته وأيضا ترقبه للمستقبل . يقول :
 
"ليس هناك أقسى من أن يتحوّل الوطن أمام عينيك إلى حطامٍ، ثمّ إلى حقيبةٍ، فذكرى موجعةٍ تفيض بها سرودُ بعض المشاركين في هذا الكتاب ." لكنّه يؤكّد من جهة أخرى على إمكانية الموازنة بين البلدين، والتعبير عن الصراعات والأحداث باللغة الأم : "ربما لا يزعج الأديبَ العربي أن يحمل مدينته معه، وأن ينقل وطنه داخل حقيبة . ألم يقل ستاندال بأنّ العرب أمّةٌ لا ديار لها ؟ . لن نُخيّب ظنّه حتى بعد زهاء قرنين على رحيله . لذا نعيش في بلجيكا حاملين وطنًا من أحلام وبيتًا من كلمات . في النهاية، علينا أن نسكن إلى شيء . إلى اللغة مثلًا . فاللغة، كما قال هايدغر يومًا، مسكن الكائن ."
 
ومع أن طه عدنان، يعبّر عن تقبّل بلجيكا لعدة ثقافات، فهي تجمع بين الفرنسية والهولندية ولغات أخرى من بينها العربية . "مثلما ينتحل هو شخصيا، أكثر من هوية في اليوم الواحد" . لكن، وكما كل الناس ( تقريبا ) يفعلون ذلك سواء بإدراك أو بدونه، ألسنا نحن، حتى من لم يسافر خارج بلده، تختلط بداخله عدة ثقافات ؟ وليس بسبب ما نعيشه اليوم من "عولمة" وشبكات تواصل و"عناكب" أنترنيتية فقط . لكننا، كلنا، نتشرّب ونتعلم من تداخل عدة ثقافات في حياتنا اليومية، سواء كان ذلك بسبب التاريخ، أو الجغرافيا... أو عَبْر القراءة . 
 
فكيف عبّر هؤلاء الكتّاب العرب الذين شاءت الظروف أن تكون بلجيكا دولة إقامتهم واستقرارهم ؟ وما مدى شعورهم بالاندماج ؟ أو العكس بالوحدة والإقصاء ؟ 
نجد أن هذه السرود تتباين وتختلف بشكل ملحوظ في تعبيرها عن العلاقة مع بلد الإقامة، وعن الذكريات أو الأحاسيس بخصوص البلد الأصلي... فمنها ما يشعرك بنوع من القبول والاندماج، وأخرى تحسسك بأنّ الكاتب يعاني من الوحدة والإقصاء . فيما تبدو بعض السرود شبه محايدة أو موضوعية .

دلالات الاغتراب
 
دعونا قبل كل شيء نطرح سؤالا حول دلالة الاغتراب . ما معنى أن تكون مغتربا ؟ مهما كانت الظروف التي قادتك إلى بلد الإقامة، وسبل الوصول إليه، أو طرق عيشك، أو حالات إقامتك، كالدراسة مثلا، أو اللجوء بأنواعه، أو العمل، أو الزواج... ألا يعني الاغتراب في جوهره أنّك مختلف ؟ لست مثل البقية الغالبة في بلد الإقامة . هم ينظرون إليك بهذا الشكل . وأنت، قبل وصولك حتى، تنظر إلى نفسك وتدرك اختلافك . ومهما بلغت درجة اندماجك في البلد ومع أهله، فأنت مختلف . يتجلى ذلك في الكثير من الأمور والتفاصيل حتى ما ليس لك دخل به . كاسمك مثلا، اسمك غريب، وربما صعب النطق على أصحاب البلد،  شكلك أيضا ؟ بشرتك السمراء، شعرك الأسود، ملامح وجهك... ستفضحك . هذا دون الحديث عن اختلاف نمط التفكير، والتصرف، وردة الفعل، والتعبير عن الانفعالات والمشاعر .
 
ألا تكون طريقة التعبير والتصالح أو الخصام مع هذا الاختلاف هي المحدّد لمدى اندماج الشخص ؟ أو هي ما تدفع ببعض الأشخاص إلى سلوكيات متفاوتة ؟ وأليس الاختلاف في الكثير من الحالات يتطلب اللجوء إلى الشبه ؟ إلى من يقاسموننا أمورا تشبهنا... اللغة مثلا، كما عبّر طه عدنان في تقديمه للكتاب . 
 
وقد تكون أيضا في العيش في أحياء يكثر فيها الأشباه في الدين أو العرق، أحياء المغاربة مثلا .لكن السؤال المطروح، لماذا يعتبر الكثير من الناس الاختلاف أمرا سيئا ؟ لماذا لا يرون فيه الجانب الإيجابي ؟ ألا يكون اختلافك مصدر تفرّدك وتميّزك ؟ لماذا نصرّ على أن نكون جزءا من الأغلبية ؟ ونفس هذا الأمر ينطبق على حالة الانتماء إلى ثقافتين . لماذا غالبا ما نجد المغترب يراها على أنها حالة تشظي، وضياع، وحزن ؟ أليست معرفة ثقافتين، مصدر غنى كبير للشخص ؟ تساعد على تطوير الشخصية والنفس، بمحاولة المزج بينهما وتعويض نواقص كل ثقافة بإيجابيات الأخرى... أو على الأقل في تطوير القدرة على احترام الاختلاف وتقبّله . 
 
نجد أن الطابع الغالب لهذه السرود هو التعبير عن الاختلاف، بكل حالاته السلبية التي قد تؤدّي إلى الشعور بالعزلة والقسوة، أو الإيجابية نوعا ما، والتي نجد فيها رغبة في الاندماج والاعتراف بالآخر ومساندته، أو الموضوعية التي تحاول رصد بعض مظاهر الاختلاف بين الثقافتين .

الشعور بالإقصاء
 
من مظاهر الشعور بالاختلاف وقسوته، هو الإحساس بالإقصاء، ومن أكثر النصوص إحساسا بالقهر، والسوداوية وحتى نوعا من السادية الممارسة على الـ"الغريب / المختلف" هي حكاية "الجثمان الحيّ" للكاتب العراقي حازم كمال الدين، الذي يقصّ حكاية امرأة يتمّ تخدير جسدها بشكل يصعب عليها الحركة، لكنها تظلّ واعية بما يمارَس عليها ويجري حولها، وتكون أيضا شاهدة، حيث يتم اغتصابها من طرف بعض الرجال الشاذّين الذين يفضّلون ممارسة الجنس مع الأموات . 
 
يمكن تأويل المرأة على أنها كناية عن ثقافة الكاتب ( الثقافة العربية ) التي يشعر أنها "تُغتصب" أو بمعنى آخر، أنها تُقتحم من طرف ثقافة بلد الإقامة، دون أن يتمكّن المغترب من التعبير عن مشاعره وأفكاره وأحاسيسه تجاه ما يشعر به من هيمنة الثقافة الأخرى عليه، وبأنه يفقد القدرة على التعبير عن نفسه بشكل تلقائي يعبر عن جذوره وأفكاره الأصلية، حيث يصير المغترب مجرد مستقبل لما يُقَدَّم له من ثقافة بلد الإقامة دون التمكن من "الأخذ والرد" أو الرفض والقبول تجاه ثقافة تستحوذ على قدراته التعبيرية والتداولية، فيجد نفسه "يتقلص" بالتدريج أمام "اغتصاب" الثقافة المهيمنة، ويفقد كل القدرة على الإتيان ولو بشكل عفوي عمّا يُمَكِّنُه من إثبات وجوده وإرادته .
 
ومع أن الكتابات الأدبية تنفر عادة من الأحكام الأخلاقية، حيث نجدها تسمح بالكثير من التداخل بين الواقع والخيال، وتعتبر المبالغات فيها مهمة كأهمية البهارات في الطعام، إلا أنه من غريب الصدف، أن نجد حكاية كحكاية "حازم كمال الدين" هذه تعبّر عن رؤية بلغة وشكل مضادّين تماما ! فالحكاية كتبت باللغة العربية ( اللغة الأم ) في مؤلّف يحمل عنوانا فرعيا : "سرود عربية في سماء بلجيكية"... والهدف من الكتاب هو تقديم رؤى ومشاعر كتّاب عرب .  نجد الكاتب يصر على تقديم ثقافته على أنها مقموعة وأنه غير قادر على التعبير عن نفسه كما يريد !

الذهاب إلى الخيال
 
وماذا عن الخيال ؟ أليس الخيال نوعا من التماهي أو الهروب، أو حالة دفاعية ضدّ ما لا نرغب به، أو مع ما نودّه ونريده ؟ قد يكون الخيال مخالفا للواقع، أو أحيانا شبيها بالواقع إلى درجة التماهي ... ومن القصص التي نجدها في الكتاب ويمكن اعتبارها خيالية : 
 
حكاية "ليلة في فندق آميغو" للكاتب العراقي زهير الجبوري... والتي يمكن اعتبارها خيالية من الدرجة الأولى، يتناول فيها الكاتب تمثال "مانيكن بيس"، أو الطفل الذي يبول، والذي تقول الأسطورة أنه قام بإطفاء القنبلة ببوله، ونجد في الحكاية هنا، أنّ الكاتب يصادق هذا الطفل ويساعده في إطفاء القنابل ...
 
نفهم من تقديم الكاتب طه عدنان أنّ معظم نصوص الكتاب تمّ جمعها بعد الأحداث الإرهابية التي شهدتها بروكسيل والتي عرفتها محطة مترو مالبيك يوم 22 مارس 2016، فنجد في الحكاية أن البطل يرافق ( التمثال الطفل ) ويملأ مثانته بألوان من الجعة تناسب ألوان العلم الوطني البلجيكي، وكأنه بذلك يعلن نوعا من الانتماء إلى البلد، لكننا في المقابل نشعر ببعض الخلط بين بلجيكا وبين ما عاشه الكاتب في بلده العراق، إذ نقرأ له :
 
"فجأة عاد الخوف يحث جسدي على الاهتزاز، هيمنت عليَّ فكرة أني في رحلة لم اخترها، وأنه من المعقول جدا بل من الواجب أن أبحث عن الخلاص، لقد هربت من الموت والحصار والحروب الغبية في الشرق، أنا هنا لاجئ هارب من الفناء، وفي الواقع، لا أريد أن أموت بهذه الطريقة البائسة، حتى قبري سيكون بائسا، لن يضع عليه أحد الزهور، أو يشعل الشموع، وهذا طبيعي لأني غريب، أوووه ما هذه السخافة . أفكر بالقبر ولا أفكر بخطة للهرب، الحقيقة أني لا أريد أن أموت أصلا ولأيّ سبب، حتى لو كان هذا السبب هو الدفاع عن الوطن، الوطن سخافة أخرى عندما يتعلق الأمر بتقويض الأحلام أو فناء الجسد، أو جعل إنسانية الكائن مثل خرقة للمسح، " فهل يمكن اعتبار تبنّي الكاتب لأسطورة التمثال نوعا من التمني لو أن حروب الشرق يمكنها أن تحل وتنتهي بتلك الطريقة، أو بلغة أوضح، أن الموت والدمار لا يستحقان إلا فضلات المثانة ؟ كما يمكن فهم الحكاية أنها نوع من الاندماج التام في ما يشعر به ويعاني منه سكان بلد الإقامة، وكأنه يقول :
 
"أنا جئت هربا من الموت، لكن ذلك ما يدفعني إلى الإحساس بكم والدفاع معكم، لأني واحد منكم... أنا الغريب، المختلف، سأطفئ الموت !" 
 
أمّا الحكاية الثانية، فهي حكاية "آشوري من لييج" لأسعد الهلالي، ولولا تقنية المخطوط المستخدمة فيها لأمكن اعتبارها واقعية بامتياز. القصة تروي حكاية لاجئ عراقي اشترى دفترا من أحد الأسواق الرخيصة في بلجيكا فقط بسبب اسم كاتب الدفتر، وهو اسم جده "محمد واصف صمصام باشي"! لتأخذنا الحكاية بعد ذلك إلى قصة هروب الراوي من الموصل بسبب تهديدات القتل من "داعش" والحديث عن جدّه والتعرف إليه .
 
في الأسطر الأولى من الحكاية يفاجئك اسم البطل "سليم عواد ثابت محمد واصف صمصام باشي بولص متى" اسم يحمل في موروثاته الديانتين الإسلامية والمسيحية، وكأنه يريد أن يكشف لك بعض أحداث التاريخ البعيد / القريب عبر دفتر يعود إلى سنة 1909 ميلادية، حيث يروي لنا البطل قصة جده الذي لا يعرف هل كان يقاتل إلى جانب العثمانيين أم شنقه العثمانيون... لكن دفتر ( المذكرات ) يستعيد وقائع عاشها الجدّ الذي درس الشريعة والفقه وعمل سنوات عديدة إماما ودرس اللغة الفرنسية، وبراعته في هذه اللغة جعلته يكون مبعوث الجمعية المحمدية إلى بلجيكا لغرض شراء الأسلحة التي ستمكنهم من قتال الاتحاديين وتمنحهم القوة لمواجهة أعداء الله والمسلمين قبل مائة سنة، والراوي يتساءل بالكثير من الأسى "جدّي يعتنق السلفية التي طردتني من مدينتي إلى هذا المنفى وحاول معتنقوها من الداعشيين والوهابيين قتلي بل قتل الكثير من العراقيين ."
 
لكن الحكاية / الذكريات تأخذ مسارا مختلفا بعد وصول الجد إلى لييج وتعرفه على "بريجيت" وعلى المجتمع البلجيكي، إذ سيفتح عينيه على حياة مختلفة عما عرفه في بلده من "حرام" و"عيب" و"رأي واحد"، كما سيجد هناك مجتمعا ينفتح على الاختلاف والفنون والجمال والثقة في النفس والآخر والمساواة، وبتعرفه على "بريجيت" التي تتعامل معه بشكل عفوي جدا وبسيط وتعبر عن آرائها ومشاعرها بشكل تلقائي وواضح، غيرت الكثير من قناعاته المنغلقة، خصوصا حين طرحت عليه السؤال: "ماذا لو كان جدك بولص قد أعلن إسلامه وفوق رقبته نصل سيف ؟ " وهذا ما تكشفه نهاية الحكاية التي نكتشف فيها أن الجد دفع حياته ثمنا لتغيير أفكاره ولحبه، والكاتب يؤكّد بأسى شديد أن لا شيء في بلده يساعد على الهروب من الموت، لا التاريخ ولا الأفكار، ولا الآراء ولا المشاعر... لا شيء أبدا، إلا أن تكون ضمن فئة القتلة وتمارس القتل بدورك لكل من هو مختلف عنك، وأن الحياة في بلده عبارة عن "قيامة" بسبب عدم السماح ولو بنزر ضئيل من الاختلاف، مهما كان شكله . 

التشرد أو الاختلاف كمعاناة
 
التشرد، ليس فقط أن تكون بلا مأوى أو وطن، لكن، هو الشعور بالضياع، الإحساس بأن لا وجود لأرض أو إنسان يهتمّ بك وبمصيرك، هكذا، كأنك غير موجود، أو أنك فقط رقم من الأرقام، حيث يصير التعامل جافا مهما حاولنا تغطيته بالإنسانية .
 
والتشرد، هو مكابدة للاختلاف، في الشكل والمضمون، وعلى كل النواحي، اختلاف مقرون بالدونية، فالمتشرد، شخص تخاطب نظراتُه عيون الناس وتقول لهم : أنا تمظهر مبادئ وإنسانية كاذبة ! أنا ضحية توحش العالم وأنانيته، لذلك نجد المتشرد غالبا ما يعاني من سوء معاملة الناس، كأن ما يكابده من ظروف غير كافية لكسره . 
 
ومن النصوص التي اهتمت بهذا الموضوع، تلك التي تناولت مخيمات اللجوء في بلجيكا، ورصدت بعض أحوال ومشاعر اللاجئين من مختلف البلدان :
 
"صدأ الماس" للسوداني الهادي عجب الدور الذي سرد قصصًا حيّةً لمجموعة من اللاجئين من مختلف بلدان العالم، وخصوصا من أفريقيا. وصف معاناتهم في مخيمات اللجوء حيث يتقرّر مصيرهم من بقاء أو ترحيل، وما يترتب عن ذلك من عدة أمور مادية وإدارية، ويصف الكاتب اللاجئين في بداية حكايته كالآتي : "هم الرّائعون، هم المشرّدون الأوفياء، المبدعون الأذكياء، المجهولون الفقراء، العاطلون الكسالى، السارقون المخادعون، الغرباء الانعزاليون، السلبيون عديمو الفائدة، الملهمون لحلم القادمين، هم الأشياء، هم اللاشيء، هم، وهم، وهم... وُلِدوا مهاجرين، بطون أمهاتهم مراقدهم القديمة في السافانا والصحراء والجبال الزرقاء، مغادرين عروشهم وراء البحار البعيدة، رضعوا لبن الأحلام وشوق الحياة، عبروا البحر المتوسط مثل أسراب النحل تحمل في جوفها عسل الشفاء ولدغات تثير البكاء، هم نصف أموات ونصف أحياء. يحلمون بأي شيء يبقيهم أحياء يسيرون مثل النمل فى طابور طويل، لم تعد لأوطانهم البعيدة في ذاكرتهم حدود تلفها تضاريس الجغرافيا وكتب السلطان القديمة المليئة بالهتاف والجبروت وقصص علي بابا وحماره ولصوص الزمان... "
 
وهناك أيضا نصّ الروائي السوري عبد الله مكسور "نحن أبناء مخيم أيضًا" الذي يعبّر فيه عن مشاعر الوحدة والإبعاد عن البلد الأصلي التي يعاني منها الشخص بعد قبول لجوئه، وعن تلك القطيعة المفترضة مع ماضيه، بالرغم من أن كل ذكرياته ومشاعره مقترنة به، جاء في معرض السرد :
 
"ساعةٌ أو أكثر وتنتهي جلسةُ الاستقبال الأولى التي تُعلِنُ فيها لنفسِك أنَّكَ بتَّ جزءًا من هنا، بينما هناك بلادُكَ صارت بعيدةً جدًا، أنت اليوم هنا وعليكَ أن تجعلَ بينَكَ وبينَ هناك سدًّا يقيكَ من ضعفٍ هنا، وبين هنا وهناك ستذرفُ دمعًا يأتيكَ مُصادفةً أمام طبقٍ من طعام !! ستغدو هنا كل التفاصيل متعلِّقةً بهناك ."
 
ونجد الكاتب يعبّر عن مأساة اللاجئين السوريين وتداعيات الأزمة السورية التي خلّفت الكثير من الضحايا وطالبي اللجوء الذين هربوا من دمار بلدهم محاولين إيجاد أي قشة تقيهم من الموت الذي يحاصرهم هناك في سورية .

تجليات الوحدة
 
تتنوّع عادةً التعبيرات عن الشعور بالوحدة، فقد تتّخذ شكل إسقاطات، أو تماهيات، أو حوارات حقيقية وربما أيضا خيالية... لكن، يمكن اعتبار أنّ كل تلك المحاولات هي في جوهرها نوعٌ من الهرب... أو بمعنى آخر، التفكير والرغبة في المشاركة، أيا كان نوع تلك المشاركة، ومهما يكن نوع الشريك .
 
في كتاب "هذه ليست حقيبة" نجد أن التعبير عن الوحدة هو "السمة" الطاغية في أغلب السرود، لكننا سنأخذ أكثرها "شعورا بالوحدة" .
في قصة "قنّينة في عرض بحر الشمال" للكاتب الكردي السوري هوشنك أوسي نوعٌ مزدوجٌ من التعبير عن الوحدة، ما عاناه في بلده ( سورية ) بسبب أن "القدر" جعله "كرديا، مسلما، فقيرا، يتيما، مجردا من الجنسية والحقوق المدنية، لجرم وحيد لم يرتكبه، وهو أنه من أب وأم كرديين، ومن بلدة صغيرة تشطرها الحدود الكردية السورية إلى شطرين" . ويعبّر الكاتب عمّا عاشه ببلده بقوله : "المدن إن تأدلجت، تخندقت، وإذا تخندقت، خنقت واختنقت، لذا، فهي كالبشر، الحريّةُ أوكسجينُها، إن قلّت الحريّة فيها، ذبلت المدن، وإنْ انعدمت، تموت ."
 
أمّا الإحساس الآخر بالوحدة فيعبّر عنه بما يعيشه في مدينة إقامته "أوستند" وعن صداقته بالبحر الذي يذكّره برحلته المخيفة والحزينة من بلده إلى أوربا وبالنوارس التي يمكن القول إنه يتحاور معها، حيث جاء في أحد تعبيراته : "صرت أعتقد أنه إذا خلا يومي من سماع أصوات النوارس، سيكون شديد الكآبة والضجر، أصوات النوارس تذكّرني بأني ما زلت حيا، بينما البحر، في كل مقابلة معه، يؤكّد لي بأنني الغريب العابر ."
 
لكننا نجد أيضا نوعا غريبا من التعبير عن الوحدة، شبيه إلى حد كبير بقصص الأطفال، والأساطير التي تربينا عليها، والتي تم التعبير عنها بواسطة الرسالة التي سيتم إرسالها داخل قنينة ترمى إلى البحر، رسالة إلى شخص غير معروف للقارئ، وربما هو القارئ نفسه، رسالة يتمنى فيها الكاتب أن يجد من يقرأ له، أيّا كان الشخص، المهم هو وجود القارئ، والإحساس أن هناك من سيتلقّى هذه الحكاية .
 
أما النص الثاني فهو "أحوال الصفصاف الباكي" لعلال بورقية من المغرب، ومع أن بطل الحكاية قدّم نفسه في حوار له على أنه "بلجيكي من أصل مغربي، لكنه لا يعرف نسبة بلجيكيته ونسبة ما ورثه من مغربيته" ويجيب عن سؤال : "هل تشعر أنك من هنا ؟ " (من بلجيكا) بقوله :
 
"أحيانا، وليس كل المرّات، وأحيانا أحس نفسي بلا انتماء إلى بلد ما"، لكن، ألا يمكن فهم العبارة التي استخدمها، هي تحديدا ما يشي بهذا الإحساس بالوحدة، أو برغبة ملحّة في الهرب من الإحساس بالغربة ؟ هل يمكن فهم ذلك على أنه نوع من التشرد على مستوى الإحساس أو الفكر ربما ؟ وربما هذا ما يفسر أننا نجد البطل، يعبّر عن غربته بأمور خارج إطار "غربة الوطن" . فنجده تارة يتساءل وهو يعبر :
 
"غرس رواد المكان نظراتهم في هيئته، هل لأني غريب عن المدينة وبلا مظلة تقيني، سأل نفسه، فيما عيناه تتفحصانهم، كما أنه يقول إن من حقه أن يبلل نفسه إلى هذا الحد، " هذا بالإضافة إلى كم التعبيرات من مسؤولي الفنادق والحانات التي تناولت موضوع الغربة، وبأن المدينة التي زارها تهتم بالغريب، أو أنها تصلح جدا للوحيدين والغرباء، حتى جو المدينة، يصلح للغرباء .
 
ومن ناحية أخرى، نجد البطل يعبّر عن الحزن الشديد الذي انتابه بعد فقدانه لقطّته وللكناري، وخوفه على أسماك الزينة... وكأنه يعبّر عن احتياجه الشديد لـ"نفس" يملأ عليه المكان... ورغبته بوجود كائن حي يشاركه، وفي آخر الحكاية نجده حائرا بين البقاء والمغادرة، إلا أنه يختار البقاء بسبب ما فعلته المدينة به، فهل كان اختياره هذا بسبب الرغبة في التماهي مع إحساس الغربة الذي تتيحه المدينة، أم بسبب المرأة التي تعرّف عليها ؟ أوليست الوحدة عاملا رئيسيا في تسهيل التعلق بالآخر ؟
 
أما السرد الثالث فيتمثل في نص "البوق الأحمر" لخالد كاكي من العراق، والذي نتعرف فيه على رجل يطارده كابوس مرعب يرى فيه نفسه وهو يرتدي قميصا وسروالا برتقالي اللون، في حين يهمّ رجل ضخم يرتدي بدلةً سوداء بحز رأسه بسكين كبيرة... إلا أنّ صفيرا حادا ينقذه من القتل وينتشله من الكابوس، صفير صادر عن رجل خمسيني مجنون ومتشرد، يجد لذة في النفخ في بوق أحمر صغير كما الأطفال وهو يقفز ويجري في الحي ويعبر الشارع دون أي انتباه لما حوله، ولا للشتائم التي تناله من أبناء الحي، أو ممّن يحاول تخويفه أو طرده .
وفي غمرة تفكيره بالمجنون صاحب البوق، والأسباب التي ربما دفعته إلى الصفير بهذا الشكل، الشيء الذي ربما كون صداقة عن بعد فيما بينهما، نجد البطل يتنبّه إلى أن أحد الغربان التي ينثر لها فتات الخبز أعرج، لكنه يحظى باحترام كبير من طرف بقية جماعته من الغربان، إذ يتساءل البطل :
 
"ليت أن لكل إنسان أعرج أو معاق جناحان يطير بهما حيثما يريد ساعة لا تحمله قدماه (...) لعلّ أحدَنا - وقد غادر أرضه وأرض أجداده في ظرف ما - شبيهٌ بذلك الغراب الأعرج الذي يثير شفقة بقية جنسه من الطير، ولطالما شعر صلاح عبر تأملاته اليوميّة بأن مأساة ذلك الطائر، هي مأساتُه الشخصية التي تتمثل أمامه كل يوم في تلك الصورة، أن تكون حرًّا بينما رجلك عرجاء..." 
لكن التماهي في الحكاية ليس مع الغراب الأعرج فقط، بل أيضا مع المجنون صاحب البوق الأحمر، والذي سارع البطل لالتقاط بوقه بعد موته وأخذ في الصفير نيابة عنه، هل كان يحاول طرد شعوره بالصمت والوحدة ؟ وخوفه من أن يغلبه النعاس فيفترسه ذئب بشري يتربص به ؟ ألا يكون الجنون، أو العيش بشكل حر، طفولي، كما يحلو لنا، هو في حد ذاته نوع من إيقاف القتل واللون الأسود من الوجود ؟ أليس البوق الأحمر، ضد تواجد الزي الأسود وسكاكينه الكبيرة، ليس في الكوابيس فقط، بل في الواقع أيضا ؟ أليست حرية التصرف، حتى لو وصلت إلى درجة الجنون، هي أسمى وأحلى من الفكر الأحادي الذي يبيد كل من لا يملأ قلبه بالسواد والقتل ؟ 
ومن ناحية أخرى، ماذا كان يفعل صاحب البوق الأحمر في حقيقة الأمر؟ وهو نفس ما قام به بطل القصة... أليس الصفير في غير مكانه ووقته نوع من الإزعاج الذي يفرض نفسه ؟ وألا يكون هذا في جوهره رغبة في لفت الانتباه، في الهرب من الوحدة، في الصراخ (صفيرا): أنا هنا، انتبهوا لي، أنا كائن حيّ يحتاج أن تلتفتوا له، فلتشتموا، لا بأس، لكن على الأقل تكلموا معي، أشعروني أنكم تدركون وجودي بينكم،
الإزعاج المتعمد، نوع من الصراخ ضد الوحدة، محاولة يائسة للفت الانتباه، صحيح أنها تدخل ضمن أعمال الشغب، لكنه شغب يحاول القول إننا أناس معكم، حاولوا فهمنا وتفهم قلة حيلتنا .
وهل يمكن قول نفس الأمر عما يقوم به بعض الشباب أحيانا من أعمال شغب ؟ 
 
في مقابل هذه السرود التي نشعر فيها ببعض الإقصاء، والوحدة والشعور بالغربة، نجد سرد "تفضّل أيها الغريب" للمصري عماد فؤاد، الذي يتحدث فيه عن "تبنّيه" من طرف شيخ هولندي ساعده وعلمه اللغة الهولندية بكل تفهم لاختلافه ومودة له كغريب، "لم أكن صديقه أو أحد رفاقه، كنتُ الوافد الجديد على عائلته الموزّعة على المدن البعيدة، "الأجنبيّ الوحيد الذي دخل بيتي" كما كان يقول وهو يمازحني : "لكنّني أحبّك، فيكَ شيء ما يعجبني، تذكّرني بما كنتُ عليه قديمًا من جنون وعنفوان وغباء محبّب، هاهاهاها، تعال... هات رقعة الشّطرنج، ودعني أُمثّل بجثّتك" ."
لكننا أيضا، نجد الشيخ يتحوّل إلى صمام أمان ضد نظرات التفحص للبطل بسبب غربته، حيث نقرأ :
 
"حين كان جيرانه يستغربون ملامحي وأنا سائر جواره، كان يمسك كف يدي أمامهم ويقول ساخرا : زوج حفيدتي، لا تخافوا منه فهو مسالم، على العكس من ملامحه !" .  فالسرد هنا يوضح مدى أهمية تبنّي ومحبة أهل البلد في المساعدة على التأقلم وتعلم اللغة وطرق التعامل مع المجتمع .

من وحي المقارنة
 
عادة، حين نجد أنفسنا منشطرين إلى انتماءين وثقافتين، نلجأ، ولو بدون قصد وسبق إصرار ومعرفة، إلى المقارنة بين الهنا والهناك، أيّهما أفضل ؟ وفي أي شيء ؟ وكيف نرى نحن هذا الأمر، مثلا ؟ وكيف يروه هم ؟ إلى آخر هذا النوع من الأسئلة التي لا تنتهي ! 
من المحكيات التي نجد فيها مقارنات ملحوظة :
 
"نزيل الغرفة 14" لنبيل أكنوش والتي يقوم فيها بمقارنة موضوعي "الحياة والموت"... حياة تتخذ شكل موت في بلدان لا تحترم الإنسان، وتسلب من الأفراد أبسط القيم، وتنكر عليهم أبسط الحقوق. وموت حي! أو موت رحيم، موت يحترم الإنسان واختياراته، يقدر الفرد كونه كائنا حيا، بعيدا عن أي تصنيفات عرقية، أو ثقافية، أو إيديولوجية، أو تاريخية، أو جغرافية .
يحكي النص قصة امرأة من مصر ورجل من تونس التقيا في مستشفى السرطان في بروكسيل، وأحبا بعضهما، وتشاء الصدف أن يقررا الموت في نفس اليوم، بشكل رومانسي جدا، مليء بالحب، والثقة، والقبول، والاقتناع، واحترام الاختيار، وهذا ما يسعدهما ويدفعهما إلى الاحتفال به، باعتبار الأمر تتويجا لحبهما .  لكن، القصة أيضا، وعبر أحاديث البطلين، تحكي ما آلت إليه ظروف البلدين ( مصر وتونس ) من دمار وخراب، بعد كذبة الربيع العربي الذي استحال إلى قتل وعودة مخزية إلى تخاريف الماضي وإلى موت... أو حياة ميتة .
لكن، ماذا عن المقارنات التي تهتم بتفاصيل الحياة اليومية، بالفرق بين مجتمع وآخر، أو بين ما نتعلمه من ثقافتنا، وما تضطرنا إليه الحياة العملية. بكيفية رؤيتنا لبعض الأمور والأشياء، وكيفية رؤية الآخر لها... أليست هي ما يدفعنا إلى الشعور بالوحدة والقبول، أو الإقصاء والنفور؟ وهي ما يجعلنا نحس بالرضا من عدمه ؟ 
 
في حكاية "مملكة شجر أعياد الميلاد" لطه عدنان، نجد عدة مقارنات في الكثير من الأمور الحياتية وشبه اليومية، فالكاتب يقارن مثلا بين ما تدعو إليه مبادئه من وقوف إلى جانب المظلوم، النيجيري توسان الذي يتعرض لتحرش عنصري، وما تفرضه ظروف الحفاظ على لقمة العيش من جبن وصمت، بين تمثله لجسده الذكوري ( خصوصا الكف ) وكيفية رؤية بنت الريف لنعومتها، بين دلالة العلم الأمريكي في مدينة باستوني الذي ساهمت أمريكا في تحريرها من النازية، ودلالته في مجتمع عربي كالمغرب باعتباره عنوانا للإمبريالية والطّغيان . 
 
في "مملكة شجر أعياد الميلاد" نحن لسنا أمام مقارنات فقط، بل أيضا أمام مساءلة للكليشيهات والأحكام الجاهزة هنا وهناك. خطوة ضرورية من أجل تقبّل الاختلاف. دون الوقوع في خطأ التعالي واستصغار الآخر، أو الشعور بالنقص والتضخيم من هذا الآخر... إذ يكفي أن نستوعب الاختلاف كقيمة جوهرية لتختفي أكثر المشاكل والحروب شراسة. فالإنسان يشبه شجر عيد الميلاد... يمر بعدة مراحل تشذيب لكي يصبح قابلا لاحتلال مكانه داخل المجتمع. وعلينا إحاطته بالرعاية والاهتمام والتفهم، كي لا ينكسر!
كما تتميّز هذه الحكاية بموضوعية كبيرة في سرد التفاصيل... إذ لا مجال فيها لطغيان مشاعر الوحدة والإقصاء، أو الشكر والامتنان... كما أنّها لا تميل إلى لوم الآخر "المعتدي" باعتباره شرّا مطلقا سواء كان عربيا أم أجنبيا في إطار ما يمكن تسميته بخطاب "الضحية" .
 
وفي الختام، يمكن اعتبار "هذه ليست حقيبة" كتابا أدبيا مهما في الثقافة البلجيكية العربية ليس فقط باعتباره حلقة وصل بين عالمين جغرافيين وفضاءين ثقافيين، أو عبر السروده التي تحكي وتعلن مشاكل ومشاعر وأفكار المغترب العربي، والتي يمكن أن تشمل المغترب بصفة عامة، ولكن أساسا لأنه كتاب يمارس الاختلاف أدبيا، معلنا "اندماجه" في بلجيكا عن طريق اختلافه كلغة وثقافة وفكر وتركيبة مشاعر... وهنا مصدر قوته... في الاندماج عبر الاختلاف .
رفيف الشيخلي 




 
الاسم البريد الاكتروني