فيليب حتّّّّّّي مؤرخ فتح باب الحداثة بعد سبات / توما شماني

توما شماني / تورونتو /عضو اتحاد المؤرخين العرب

من لبنان انطلقت اول ثورة نور في منطقة لفها الظلام اثر طغيان عصر العثمنة على سوريا والعراق ومصر لاربعة قرون، لم يفتح العثامنة فيها مدرسة واحدة فشاعت الامية والجهل، ورغم ذلك ففي بداية القرن العشرين كانت في بيروت جامعة امريكية وجامعة كاثوليكية في زمن لم تر سوريا والعراق وغيرهما كلية او معهدا او حتى ثانوية. الشاعر العروبي كان يصيح (استيقظوا واستنيروا ايها العرب). كان لبنان الموقظ للعرب اذ ساهم اللبنابيون في الانفتاح حتى في مصر التي خبت بعد عهود سيطر عليها المماليك والجواري والخصيان.

 ولد (فيليب حتّي) في جبل لبنان وتلقى علومه الابتدائية في مدرسة القرية، ثم التحق بمدرسة سوق الغرب الأمريكية الثانوية، وبعد أن تخرج منها التحق بالجامعة الأمريكية ببيروت، وحصل منها على شهادة البكالوريوس في العلوم في عام (1908م)، والواقع ان الجامعة الاميركية في بيروت ومثلها التي في الاسكندرية كانتا على اعلى درجة من حداثة ذلك الزمن، كان يقيم عليها اساتذة كبار من المنفتحين على آلحركة آلعلمية آلعآلمية آنذاك، في وقت كان فيه الوطن العربي يعاني من آثار النعاس الذي خلفة العثامنة.

رحل فيليب حتي الى الولايات المتحدة عآم(1913م) وحصل منها على الدكتوراه من جامعة كولومبيا، وتقديرا لنبوغه عين في الجامعة في قسم الدراسات الشرقية لأربع سنوات ثم عاد الى لبنان سنة (1921م)، وعمل في الجامعة الأمريكية ببيروت أستاذا للتاريخ العربي، فتخرج على يده اعلام في الأدب والفكر والتاريخ كجبرائيل جبور وقسطنطين زريق وأنيس فريحة وفؤاد صروف، وغيرهم ممن تولوا قيادة الحركة الفكرية في بلاد العرب.

جامعة برنستون من الجامعات الأمريكية العريقة قررت تأسيس قسم لدراسات الشرق الأدنى فاستدعت فيليب حتي الذي رجع الى لبنان، فأقام لهم مركز للدراسات العربية الذي يعنى بكل نواحي الحياة في الشرق تاريخا وآدابا واقتصادا وعلوما، فأنشأ مكتبة عربية في جامعة برنستون تعنى بجمع المخطوطات والوثائق العربية ونشرها وتوضيحها للعالم الغربي. حيث ضمت المكتبة 5500 مخطوطة عربية وكانت مكتبة من أغنى المكتبات الأمريكية يقصدها الأساتذة والباحثين من كل الاصقاع. استمر وجود فيليب حتي في الجامعة حتى تقاعده سنة (1952م) بعد خدمة استمرت 28 عاما، ثم عمل بعدها أستاذا غير متفرغ، وأصبح يشارك في العديد من النشاطات العلمية والأكاديمية، وتفرغ للبحث العلمي، والكتابة في تاريخ العرب وحضارتهم.

/site/photo/87فيليب حتي كتب بالانكليزية (تاريخ العرب) و (صانعو التاريخ العربي) وكتابه (تاريخ العرب)أشهر مؤلفاته، حيث احاط واجاد في تقديم كل ما يتصل بالحياة السياسية والعسكرية والاجتماعية والثقافية بعمق وموضوعية. وقد استقى مادة كتابه من نحو ألف مصدر من مصادر التاريخ في لغات مختلفة ذكرها كلها في الهوامش، حيث لقي الكتاب تقديرا واسعا من المتخصصين في الولايات المتحدة الأمريكية والعالم الغربي، لكن الكثير من العرب اعتبروه قد إساء استخدام بعض المصطلحات، من ذلك استعماله ألفاظ الغزو والاستيلاء، والاكتساح عند تناول الفتوحات الإسلامية، في حين يستعمل كلمة فتح مع ما له من دلالات حضارية في الحروب الصليبية، مثل قوله (لما فتح الفرنجة بيت المقدس، وتم للصليبيين فتح بيروت وصيدا). ظهر هذا الكتاب باللغة الإنجليزية سنة (1937م)، ثم تعددت طبعاته بعد ذلك، وترجمه إلى العربية جبرائيل جبور وإدوارد جرجي. وقد صدر الكتاب في طبعة موجزة عن مطبعة جامعة برنستون.

/site/photo/88لفت فيليب حتي الانظار الى تاريخ لبنان، اذ نشر كتاب (لبنان في التاريخ) لبنان المنسي من التاريخ على رغم دوره في احياء الحياة الفكرية في البلاد العربية في بدايات القرن العشرين عندما كان الشعب مخدرا بالعثمنة السوداء فنشطت مدارس لبنان واوقدت الشعلة في البلاد العربية. كتاب (لبنان في التاريخ) جاء في خمسة فصول، الفصل الأول في فترة قبل التاريخ القديم وطابع لبنان الخاص جغرافية وتاريخيا وحضارة، وفي الفصل الثاني العصور السامية القديمة، وادوار الكنعانيين أول شعب بارز استوطن لبنان، كما درس الدين والنواحي الحضارية للبنان في هذه الفترة. وتناول في الفصل الثالث لبنان في العصرين الإغريقي والروماني، حين وقع لبنان تحت سيطرة الإسكندر الأكبر وخلفائه، ثم الحكم الروماني للبنان والتغير الذي لحق بلبنان وكيفية دخول المسيحية. أما الفصل الرابع فقد كان في السيطرة العربية في عصر بني امية ودخول الإسلام إلى لبنان، كما عالج بعدئذ حياة لبنان تحت حكم الدولة العباسية ثم خلال الصليبيين، وما نتج عن ذلك من علاقات اجتماعية وثقافية واقتصادية بين اللبنانيين والغرب. وخصص الفصل الخامس لتاريخ لبنان في ظل العثمانيين ونشأة إمارة المعنيين والشهابيين، وتناول علاقات لبنان الخارجية والداخلية في فترة القرن الثامن عشر الميلادي.

(لبنان في التاريخ) كان أول محاولة يقوم بها مؤرخ موثوق في جمع تاريخ لبنان عبر خمسة آلاف سنة في دراسة متسلسلة عميقة ومركزة. رغم ذلك فقد قوبل الكتاب بنقد شديد من بعض الباحثين واعتبروه كتابا يكرس للقومية اللبنانية، ومحاولة لابعاد لبنان عن تاريخه الإسلامي. كتب (لبنان في التاريخ) بالانكليزية حيث يلقى اهتماما عالميا اكبر، ترجمه إلى العربية أنيس فريحة ونشر في بيروت عام (1959م). ولفيليب حتي مساهمات في مؤلفات عديدة، من أهمها (تاريخ سوريا ولبنان وفلسطين) ترجمه إلى العربية جورج حداد وعبد الكريم رافق، ونشر في بيروت عام ( 1958م)، وساهم ايضا في (سورية والسوريون من نافذة التاريخ).

الدكتور فيليب حتي يرى أن اسم سورية يوناني في شكله وسيريون في العبرية اسم يطلق على جبال لبنان الشرقية وقد استخدم اسم الجزء فيما بعد ليشمل الكل. ويضيف إلى أنه كانت هناك منطقة شمال العراق تسمى (سوري) لكن يستبعد أن يكون هذا الإسم ذا صلة بالآشوريين. بقيت سورية هكذا حتى بعد الحرب العالمية الأولى ويفيد بأن اسم سيروس (سوري) بالنسبة للرومان يعني كل شخص يتكلم السريانية وينبه المؤرخ بأن تسمية سورية لم تكن واردة في النص العبري الأصلي للعهد القديم ولكنها استعملت في الترجمة السبعينية للدلالة على آرام والآراميين. ويقول المؤرخ الدكتور فيليب حتي في إضاءة جديدة وهي ان أصول اسم سورية وجدت في قاموس عربي سنسكريتي تم العثور عليه، وإذا بلفظة سورية موجودة فيه باللغة السنسكريتية ومعناها الشمس ومن هنا اتضح اشتقاق اللفظة سورية أي أنها من اللغة السنسكريتية وتكتب بالألف الطويلة ومعناها الشمس.

ساهم فيليب حتي في التحقيق في كتب تراثية عديدة، اذ نشر كتاب (مختصر الفرق بين الفرق) لابن منصور البغدادي، باختصار عبد الرزاق الرسعني، وقام بتحقيق كتاب (نظم العقيان في أعيان الأعيان) لجلال الدين السيوطي وهو يتضمن تراجم مشاهير علماء القرن التاسع الهجري في مصر وسوريا والعالم الإسلامي، ونشر عام (1927م). فيليب حتي درس كتاب (الاعتبار) لأسامة بن منقذ، ونشره في سنة (1930م) في نشرة علمية راعى فيها أصول التحقيق العلمي، مقدما لعمله بدراسة عن المؤلف تتضمن حياته ومؤلفاته، وعرض لنسخ المخطوطات التي اعتمد عليها. ترك فيليب حتي عددا ضخما من المؤلفات العربية والإنكليزية، ترجم معظمها عدد من تلاميذه وأصدقائه، ومن هذه الكتب (الإسلام في نظر الغرب)، ترجمه إلى العربية إسحاق موسى الحسيني وآخرون، ونشر في بيروت سنة (1953م)، و(لإسلام منهج حياة) ترجمه إلى العربية عمر فروخ. لفيليب حتي دراسات وأبحاث دقيقة في العديد من الموسوعات العالمية، بالإضافة إلى عشرات المقالات بالعربية والإنكليزية المنشورة في الدوريات العربية والأجنبية.

فيليب حتي لم يسلم من سيوف المتزمتين والاصوليين والمتصعلكين على التاريخ ففي منتدى قبيلة بني رشيد على صفحات الانترنيت تحت عنوان لصوص التاريخ قالوا عن جرجي زيدان و فيليب حتي وهما من اللذين كتبوا في التاريخ العربي بموضوعية (وانهم اللصوص الذين همزوا ولمزوا عن وجود ومصطلحات ومواقف وسلوكيات اباحية في الاسلام حيث وبذكاء ودهاء اعتمدوا كتاب "الف ليلة وليلة" وكأنه من الكتب الاسلامية وهو الذي يضم بين دفتيه اساطير خيالية وصوراً من الحياة الاجتماعية الهابطة التي لا علاقة لها بالاسلام والمسلمين مع ان كتاب الف ليلة وليلة يعتمد الاساطير الفارسية والوثنية). وشكل خاص عن فيليب حتي قالوا بعنجهيتهم المعروفة (انهم لصوص التارخ لا يذكرون هارون الرشيد الا وهو جليس ابو نواس شاعر الخمرة والغزل ومعهم الجواري حتى يتصور لنا ولأجيالنا ان خليفة المسلمين هو ماجن يمضي ايامه ولياليه في اللهو والعبث الذي لا طائل تحته، وبخبث ومكر فانهم لا يذكرون هارون الرشيد الخليفة الذي يتحدى السحابة فيقول لها "امطري او لا تمطري فحيثما تمطري فان خراجك آت اليّ" ولا هارون الرشيد الذي كان يحج عاما ويغزو عاما ولا هارون الرشيد الذي فرض هيبته حتى على شارلمان ملك فرنسا). ثم يذكرون (انهم لصوص التاريخ الذين شوهوا صورة العثمانيين الاتراك المسلمين وما قدموه في خدمة الاسلام حتى اوصلوه الى أواسط اوروبا وحاصروا عاصمة النمسا وانهم الذين حَمَوا بيضة الاسلام ما يزيد على اربعمائة عام). تصوروا هؤلاء الناس الذين يغارون على سمعة هارون الرشيد ويصورونه نصف إله هابط من الاعالي وهو برئ من احتساء الخمر دون ادراك بما فعله الجواري والقيان والخصيان في التاريخ، هؤلاء يغارون على الدولة العثمانية وكانها مزهرية من زجاج يحتظننونها كالمجانين وينسون افعالها السيئة عمدا والتي تركت خلال اربعة قرون الامة العربية في فقر مادي وثقافي.

عندما تخرج فيليب حتي من الجامعة الأمريكية ببيروت، حائزا على البكالوريوس في العلوم في عام (1908م)، كانت البلاد العربية من اقصاها الى ادناها مخدرة بالاستعمار العثماني، حيث كان الباب العالي فيه يضع وظائف الولايات على الاقطار العربية تحت المزاد فالذي يدفع اكثر يكون واليا، وعليه ان يجمع كل ما في تلك البلاد من الذهب والخزائن بالسرقات ليرسلها الى الباب العالي لتصرف على الجواري والخصيان والغلمان في قصور البوسفور. ويبقي الناس في البلاد العربية فقراء جهلاء لهذا لم تقم في البلاد العربية مدرسة او مستشفى وفي بغداد كان مستشفى المجيدية (بنكلة) اي سقيفة ليس فيها دواء وطبيب درس طب ابن سينا الذي كان قد عفى عليه الزمن. بقي الامر على هذه الحال حتى مات الرجل المريض الدولة العثمانية في عام 1918 اثر الحرب العالمية الاولى. في ذلك الوقت كانت سوريا صحراء في العلوم والمعرفة والى جوارها كانت لبنان ترتع بالكليات كالجامعة الأمريكية والجامعة اليسوعية وغيرها من المدآرس الثانوية. كان الدكتور فيليب حتي مع رفاقه اللبنانيين ومنهم الذين هاجروا الى مصر كانوا الشعلة الاولى التي ايقضت الفكر العربي الذي كان قد تعثمن وفي مصر يوردون محمد عبدو وجمال الدين الافغاني على انهم الطليعيين ولكنهم ينسون عمدا البستانيين واليازجيين وغيرهم ممن هبطوا من جبل لبنان. لبنان ذلك الوجه المشرق قد تشرذم الآن كما تشرذم العراق، قتلتهما الطائفية التي ايقضها اصحاب العروبة من المحيط الى الخليج ثم الآن اصحاب العمائم واللحى والدولارات المنفوطة من كل حدب وصوب. 

 

 

 



 

آراء القراء

assel rabadhi

how i can get these books please.
#2010-11-23 09:53



 
الاسم البريد الاكتروني