عندليب بيشاور

الاربعاء : 11 ـ 3 ـ 2009

عندليب بيشاور

 

"لا أحصي ثناء عليك/ كيف، وكل ثناء يعود إليك؟

جل عن ثنائي جناب قدسك/ أنت كما أثنيت على نفسك"

(نور الدين عبدالرحمن الجامي 1414 - 1492هـ )

 

 

أخيراً، تمكن متشددون من الشاعر البشتوني عبدالرحمن، الذي يعرف في بيشاور باسم: رحمن بابا، وفجروا قبره قبل أيام لا تزيد على أصابع اليد الواحدة.

أهل منطقته سموه: الهزار، أو عندليب بيشاور.

لماذا يا شباب؟

لأنه شاعر يعنى بالموسيقا، وله طريقته في التقرب إلى خالقه، مثل طرق أخرى في المغرب الكبير ومصر والعراق وبلاد فارس والهند والسند، وغيرها.

أول من استقبل الخبر، يوم الخميس الماضي، صحيفة "الأوبزرفر" البريطانية، تحت عنوان "المتشددون يسعون إلى القضاء على الإسلام المعتدل"، ليمتزج الشعر بالسياسة، بالعرفان، بطالبان، بغيره من "التصورات الغربية" الناقصة عن الإسلام والثقافة والفنون.

الحيز ضيق، بل مثير للأسف والأسى وليس الاشمئزاز فقط، غير أن العبارة لم تكن ضيقة أبداً، وهذا ما يدعونا إلى الترحم على الشيخ الشاعر المغال في قبره، والدعاء بالهداية والاتزان والعقلانية لهؤلاء الشباب الغيورين على دينهم، فيقعون مع الأسف في شباك دعاة التشدد والتعصب، والنظر إلى العقائد الأخرى، والأجناس الأخرى، والثقافات الأخرى، بعين واحدة، هي التكفير.

وقد حدث، قبل الذي حدث مع رحمن بابا، وهو في قبره، رغم أنه مات في القرن الثامن عشر الميلادي، مع آخرين غيره، تحت دعاوى مختلفة، وبعضهم كان على مقربة من أهم الحكام المسلمين، ونموذجهم "السهروردي الشهيد"، الذي كان قريباً جداً من صلاح الدين الأيوبي.

الآن، نحن نعرف أن أسباب فجائع السهروردي، والحسين بن منصور، وغيرهما من أرباب الأحوال والعشق الإلهي، هي السياسة والمطالب الدنيوية. وهذا الذي يجري في العراق، حيث يقتل الإنسان على الهوية، والمنطقة، والاسم، قاعدته السياسة ودهاليزها، وعنوانه الظاهر الدين، والإسلام منه براء.

لو تمعنت قليلاً أو كثيراً في هذا الحال، لوجدت أن المستفيد الأول والأخير من هذا العنف المتشدد، هو عدو العرب والمسلمين، وأن الضحية والخسران هو العربي المسلم.

فماذا يفيد الإسلام الحنيف؟ وماذا تجني الشريعة السمحاء من تفجير مرقد هذا الشيخ الشاعر، الذي يعرفه أهل بيشاور جيداً، والذي جمع الحكمة بالشعر، بالموسيقا وبالوجد؟

لا شيء أبداً سوى أن نكون مادة للتندر، ومفردة للأحاديث السخيفة في بعض المنتديات الغربية، التي لا يعرف منتدوها، الأثر الكبير الذي خلفه الأدب العرفاني على كبار أدباء أوروبا، وفي مقدمتهم: جوته.

لا يتعلق الأمر بالدعاة إلى الإسلام الحنيف، فقط، لاستعادة صورتنا المهشمة في عيون "الآخر". بل يقتضي ذلك جعل الفنون والآداب اختياراً أسرياً، واستراتيجية وطنية.

 

 

جمعة اللامي

www.juma-allami.com

juma_allami@yahoo.com




 
الاسم البريد الاكتروني