في قاع القناة زنجي صغير

ترجمة: محمد محمد السنباطي

قص/site/photo/1559 ة: خوسيه لويس جونزاليس

[ خوسيه لويس جونزاليس. ولد في سان دومينجو عام 1926 . درس في بورتوريكو ونيويورك ومكسيكو. ناقد أدبي. مراسل صحفي في أوروبا. عمل أستاذاً محاضراً في جامعة تولوز.من أعماله القصصية: في الظل1943. خمس قصص بالدم 1945. رجل الشارع 1948. الجاليري وقصص أخرى 1971.]

 

* المرة الأولى التي رأى فيها الزنجيُّ الصغير، مكاران، الزنجي الصغير الآخر في قاع القناة كانت في الصباح الباكر في اليوم الثالث أو الرابع بعد التعزيل، وذلك بعد أن حبا على يديه ورجليه نحو الباب الوحيد للمسكن. انحنى ونزل. نظر إلى الباب الوحيد للمسكن. انحنى ونزل إلى صفحة الماء الهادئ هناك في القاع؛ بينما كان والده الذي نهض لتوه من على الأرجوحة الفارغة ، المبسوطة على الأرض، قريباً من المرأة نصف العارية، التي ما تزال تغط في النوم، تصيح به:

- هيا، عد أيها الولد الشقي الذي لا يبقى في مكانه!

ومكاران، الذي لم يكن قد تعلم الكلام بعدُ ، ولكنه كان يطيع الصياح، استأنف حبوه على أربع ولكن للداخل هذه المرة، مكث صامتاً في أحد الأركان يمص أحد أصابعه الصغيرة لأنه كان جائعاً.

نهض الرجل على مرفقيه، ونظر إلى المرأة التي كانت تنام إلى جواره. هزها بفتور من ذراعها. هبت منذعرة وحدجته بعينين وجلتين. أخذ يضحك. وكان هذا ما اعتاد حدوثه كل صباح: تصحو المرأة بوجهها هذا المذعور، الذي يجعله يضحك دون رغبة منه في إغاظتها. المرة الأولى التي رأى فيها هذا الوجه المذعور لم يكن ذلك لدى استيقاظها، ولكن ليلاً عندما أويا إلى مضجعهما سوياً للمرة الأولى. ربما من أجل هذا يضحك كلما رآها تصحو من نومها كل صباح. جلس الرجل على الأرجوحة الفارغة، ثم قال لها:

- حسناً، هلمي بالقهوة.

- لم يعد لدينا بن، أجهزنا عليه أمسِ.

كان على وشك أن يسأل: ولماذا لم تشتري منه بزيادة؟

ولكنه أمسك عندما رأى أن المرأة بدأت تضع وجهها الثاني، الوجه الذي لا يسره أبداً، والذي تضعه فقط عندما يسألها أسئلة من ذلك النوع.

المرة الأولى التي رأى فيها هذا الوجه على كتفي زوجته كانت ليلاً، عندما عاد إلى البيت منتشياً وكان يرغب في مضاجعتها، فألقى بنفسه عليها، ولكنه لم يستطع أن يفعل، نظراً لسكره؛ وربما لذلك لا يحب أن يراها بذلك الوجه.

- إذن هكذا أجهزنا على البن أمس.

- نعم نعم.

نهضت المرأة، وأخذت في ارتداء ثوبها. الرجل الجالس طوال الوقت على الأرجوحة الفارغة حرَفَ طرفه وأوقفه على ثقوب القماش الذي ارتدته، أما مكاران الذي مل من مص أصبعه فقد صمم على الانخراط في البكاء. تطلع إليه الرجل وسأل المرأة:

- ألم يتبق شيئ للطفل؟

- بلى. استطعت الحصول على بعض الأعشاب، سأعدها له في الحال ليرتشفها.

- منذ كم يوم لم يتناول اللبن؟

- اللبن؟، قالت وهي تضع شيئا من الدهشة اللاشعورية في لهجتها، منذ أول أمس.

نهض ولبس سرواله، ثم اقترب من الباب، ونظر إلى الخارج. قال لامرأته:

- المد عالٍ اليوم. يجب استخدام الزورق.

 

ثم أرسل طرفه عالياً تجاه الجسر والطريق. بعض العربات والحافلات وعربات النقل كانت تمر في استعراض لا نهاية له. ابتسم الرجل إذ رأى من معظم السيارات شخصاً يشخص ببصره مندهشاً تجاه الكوخ القائم في ذراع البحر بين شطوط سبخة تنمو عليها، شيئا فشيئا، وعلى كر الأيام، مدينة الصفيح. كان ذلك الشخص يرقب بصورة عامة الكوخ عندما كانت العربة أو الباص أو الكميون، تصل إلى وسط الجسر، ثم يواصل النظر عاوجاً رأسه حتى تنعطف العربة أو الباص أو الكميون على طريق الشاطئ الذي هناك في الأمام.

 

بعد قليل قفز إلى القارب وجدف حتى الشط. من طرف القارب حتي المنزل كان ثمة حبل طويل يسمح لمن هو في المنزل أن يجذب القارب حتى الباب رابطاً المنزل بالشط. أيضاً كان ثمة جسر خشبي غطاه المد العالي. وذات مرة، وعلى الشط مشى الرجل تجاه الطريق. شعر أنه على ما يرام عندما خنقت الضوضاء الصادرة عن الباصات عويل الزنجي الصغير داخل الكوخ.

 

المرة الثانية التي رأى فيها الزنجي الصغير مكاران الزنجي الصغير الآخر في قاع القناة كانت تقريباً وقت الظهيرة، عندما حبا من جديد على أربع نحو الباب، وانحنى إلى الماء. هذه المرة الزنجي الصغير في قاع القناة ابتسم لمكاران إذ ابتسم مكاران أولاً فابتسم الزنجي الآخر كرد على ابتسامته هو، فأشار بيده إشارة خفيفة، ومن قاع القناة أجابه الزنجي الصغير بإشارة من يده. لم يتمالك مكاران نفسه من الضحك، وهيئ إليه أن ضحكة أخرى تأتيه من قاع الماء، وهنا نادته أمه لأن مشروب الأعشاب المغلية قد صار جاهزاً.

 

سيدتان- كانتا من بين اللواتي شاء لهن حظهن العيش على الأرض اليابسة، على الطين الناشف على ضفتي القناة- أخذتا في التعليق:

- لو حكا لي أحد ذلك لاعتقدت أنها مجرد أقاصيص.

- إنه العوز يا سيدتي، حتى أنا لو قيل لي إن عليًَ أن آتي إلى هنا... أنا التي كان لي شيء من الأرض....

- إننا نحن الذين كنا سباقين. لم يكم تقريباً ثمة بشر، وكل منا أخذ الركن الأكثر يبوسة، أتفهمين؟ ولكن أولئك الذين يحضرون الآن كما تلاحظين، عليهم إلقاء أنفسهم في الماء كمن عليه أن... ولكن أخيراً...أولئك الناس... من أين يمكنهم أن يخرجوا.

- بالنسبة لي، لقد حكوا لي أن ناحية اسلافرد قد بُدئ في تمدينها، وأنهم قد أجلوا كثيراً من الزنوج الذين كانوا مستقرين هناك. إذا كان هذا صحيحاً فإن أهالينا سيأتون من هناك.

- آه يا إلهي! وهل رأيت الزنجي الصغير؟ كم هو لطيف! أمس أتت المرأة تبحث عني لتسألني هل عندي لا أدري ماذا لتجعل منه منقوعاً خفيفاً له، وأعطيتها بعضاً من الأعشاب التي تبقت عندي.

- آه، يا للعذراء المقدسة! يا للطفل المسكين!

 

وإذ خيم الظلام، كان الرجل متعباً، منهكاً، يؤلمه ظهره؛ لكنه أثناء المشي كان يجس النقود في جيبه ويجعلها ترن، مخمناً بلمسها أيها ذات الخمسة سنتيمات أو عشرة وأيها بزيتا! وأخيراً في ذلك اليوم حالفه الحظ. الرجل الأبيض اللذي مر من على الرصيف ليأخذ بضاعته الواردة من نيويورك، والعامل الذي ترك له عربته ذات الذراع طوال فترة بعد الظهر إذ كان يتوجب عليه البحث بأقصى سرعة عن الداية ليصحبها لرفيقته التي كانت على وشك أن تضع مولوداً مسكيناً آخر. نعم يا سيدي، إننا نقاوم ما استطعنا، وغداً ستستبين الأمور. دخل محل بقالة واشترى بناً وأرزاً وفاصوليا، وعلبة لبن مجفف صغيرة، وفكر في مكاران وحث الخطى. لقد جاء ماشيا على قدميه من سان خوان ليوفر الخمسة سنتيمات ثمن تذكرة الباص.

المرة الثالثة التي رأى فيها الزنجي الصغير مكاران الزنجي الصغير الآخر في قاع القناة كانت عند حلول العشاء، وقبل وصول والده بقليل. في هذه المرة كان مكاران يبتسم قبل أن ينحني، وحرك يده الصغيرة ففعل الزنجي الآخر أيضاً. شعر مكاران أنه مشحون بحماس مفاجئ، وبحب جارف لذلك الزنجي الصغير الآخر، وهكذا تقدم نحوه ليلقاه.




 
الاسم البريد الاكتروني