تلك الصورة التي بمنزل تريم

الاربعاء : 8 ـ 4 ـ 2009

تلك الصورة التي بمنزل تريم

 

"أما أنت، فقد وُلدت من أجل يوم مشرق"

 

(هولدرن)

 

تلك صورة لم تفارقني، منذ جاء محمود درويش إلى الشارقة، في بداية عقد ثمانينات القرن الماضي، بعدما جئنا بناجي العلي إلى مكاتب "الخليج" ومعه علي فرزات.

 

هي حكاية سوف ترددها جدران "قاعة إفريقيا" ذات يوم، يوم يتكلم الموتى، وليس آخرهم قاسم محمد الذي فارقنا الليلة قبل الماضية.

 

هي صورة في منزل تريم عمران تريم، وتكاد تكون الوحيدة في حوزتي: عند منبسط السيراميك المائل الى البياض قليلاً، الذي يقودنا الى الفيلا، ثمة تريم في اقصى اليمين، أنا في أقصى اليسار ثم محمود درويش بعد تريم، ومحمد الماغوط على يساري. وفي الصف الثاني، خلفنا، يقف عيسى الشعيبي والدكتور عمر الخطيب.

 

إني متأكد أن الجميع، باستثناء الشعيبي قد رحلوا، وإن كاتب هذه السطور مشروع حياة ما بعد حياة، مؤجل إلى حين.

 

ومن أجل أن أؤكد لنفسي ذلك، بحثت عن تلك الصورة فلم أجدها. كنت قد وضعتها قدامي وأنا أكتب منذ تسع وعشرين سنة، وفي كل سنة مرت أقول: ماذا سأكتب في شأن هذه الصورة؟

 

بعد دقائق معدودات على سماعي نبأ موت قاسم محمد، هرعت الى الصورة، وصورة أخرى تجمع ما بيني وبين أبي زيدون، فلم أجد الاثنتين.

 

راحتا.

 

في ليلة اجتماعنا بمنزل تريم: بعد قصائد محمود درويش العاصفة، ركب محمود إلى جانبي في سيارتي، وسرت به الى دارة تريم، كان يسألني: لماذا حرضتني على قصائد العرب والنفط؟

 

قلت: سوف تسمع من تريم الكثير.

 

وسمع محمود ما جعله أكثر اطمئناناً إلى حديث الأصدقاء. وكان الماغوط يبدو حزيناً بعض الشيء، ربما لأنه كان يصنع بيداءه الخاصة، أو لأنه كان على وشك اتخاذ قراره بالعودة الى لبنان، وليس إلى سوريا.

 

في تلك الليلة قال محمود لتريم: دعاني اللامي لإلقاء شعري في "مدينة الثورة"، بعد أيام "المربد الأول". كنت وجلاً من تلك المدينة التي سمعت بصددها الكثير.

 

ازددت حماسة - الآن - للعثور على تلك الصورة ثم وجدت ظلها على الجدار المقابل لطاولة الكتابة: الأحياء قبل ان يموتوا كانوا بملابس أنيقة، فنزل تريم من الصورة، وتبعه محمود، ثم الماغوط، وجاء عمر، ولحق بهم عيسى الشعيبي.

 

ماذا تفضلون أيها الرفاق ليس في المطبخ سوى أعشاب عربية وفارسية وصينية؟ إنني ثمل بذاكرتي، ومفتون بهذه العزلة الصاخبة، حيث لا صوت إلا صوت الولد الفلسطيني، والعصفور الأحدب الماغوطي، ونداءات البحر التي كان يترنم بها تريم.

 

تبسم محمود، وأطبق صمت على الماغوط، وتشاغل الخطيب والشعيبي في حديث جانبي، فندت عني ملاحظة: لماذا يغيب اصدقاؤنا، حتى في صورنا الشخصية؟

 

فجأة، نهض تريم واتجه نحو ظلال الصورة، عند الحائط، وبقي محمود، وبقي الماغوط، وبقي عمر، وبقي عيسى، ينظرون إليه كأنهم اموات يراقبون انساناً حياً.

 

وبقيت أنا أحاول جهدي ألا تضيع مني صورة في منزل تريم.

 

جمعة اللامي

www.juma-allami.com

juma_allami@yahoo.com






 
الاسم البريد الاكتروني