البحث في مدن العشق عن سارق النار

عبد الرزاق الربيعي/الرسم بريشة الفنان فيصل لعيبي

عندما تفتحت أزهار وعينا بالحركة الثقافية العارمة في بغداد أواسط السبعينات كان اللقاء بشاعر كبير كعبد الوهاب البياتي حلما صعب المنال، كونه جوال آفاق دائم، فما أن يعود من عاصمة حتى يجد دعوة بانتظاره ليحلق على جناح طائرة متجهة الى عاصمة أخرى , فكان يأتي الى بغداد ولا يأتي .
مر/site/photo/2014 ة قال لي أحد أصدقائي في الدراسة الثانوية أنه أبصره في مكتبة (النهضة) -من مكتبات شارع السعدون العريقة ببغداد - فالتففنا حوله وأخذ يحكي لنا كيف كان البياتي يقلب الكتب باحثا عن جزء مفقود من كتاب "الأغاني" ووصل الحديث قمته عندما قال ذلك الصديق : انني اقتربت من البياتي وحييته فرد بأحسن منها بل أضاف" إنه صافحني مبتسما" وعددنا ذلك اللقاء فتحا أخذ يتباهى به ذلك الصديق - اسمه فايق حسن نعمة ويقيم حاليا في رومانيا - وفي كل مرة كان يضيف شيا من خياله على ذلك اللقاء الذي عددناه اسطوريا، بل أخذ يؤرخ أيامه بذلك اللقاء فعندما كنا نسأله متى اشتريت هذا الكتاب؟ يجيبينا: في اليوم الذي رأيت فيه البياتي في مكتبة النهضة، أو بعد يومين من ذلك...... وأخذنا كلما ذهبنا لشارع السعدون في الباب الشرقي نحرص على مد أعناقنا في بوابة مكتبة النهضة، أو التحديق بالرواد من خلال زجاج المكتبة.. وفي إحدى المرات قال لي (عبد العزيز القديفي) صاحب كشك لبيع الكتب في سوق السراي - مشيرا الى كرسي صغير: "على هذا الكرسي جلس البياتي قبل نصف ساعة"....... فعضضت أصابع الندم متحسرا وعلمت منه أن البياتي كان كثيرا ما يحرص على اقتناء كتبه من "سوق السراي" في جولة ينهيها في "شارع المتنبي" وفي حينها كان يكتب زاوية أسبوعية اسمها "محطات سفر" في مجلة "وعي العمال" فذهبنا الى مبنى المجلة ولكن العاملين فيها بددوا حلمنا عندما أخبرونا إنه يبعث المقالات من خارج المجلة .
ولم استرح من ذلك الا عندما غادر البياتي بغداد ليستقر في اسبانيا عندها أخذنا نتتبع أخباره وقصائده وكتبه، وكان أحد اصدقائي يحرص على زيارة البياتي والتجول معه في شوارع مدريد كلما سافر الى هناك وأخبرني إنه كثيرا ما يحدث البياتي عن لهفتي للقائه
في تلك المرحلة من عمري كنت قد قرأت أعمال البياتي الشعرية بمجلداتها الثلاث الصادرة عن دار العودة ببيروت ست مرات وكنت أحفظ جزءا كبيرا من شعره.
ولم يتحقق هذا الحلم الا في ابريل عام 1985 عندما لبّى دعوة منتدى الادباء الشباب لحضور مهرجان الامة الشعري للشعراء الشباب، هذا هو البياتي اذن... في بغداد بين أحبائه وأصدقائه , ومريديه,في فندق" الرشيد" حيث يقيم، أخذني الشاعر "لؤي حقي" من يدي حيث يجلس البياتي في كافتريا صغيرة يشرب فيها قهوة
وقال: هذا عبد الرزاق الي حدثتك عنه فاخذني بالاحضان , في تلك اللحظة أحسست إننا تعارفنا منذ أول يوم قرأت له, فزال ارتباكي وشعرت بألفة كبيرة...
قلت له : لقد قرأت مجاميعك الكاملة... وأصبحت مسكونا بجوك الشعري
قال لي : لا أمتلك شيئا من كتبي أعطيه لك ولكن سأهدي لك نسخة من (دروب الغجر) لمحمد بن صالح وفيه فصل عني - يضم الكتاب فصولا عن اراغون وناظم حكمت ولوركا وعبد الوهاب البياتي - وطلبت منه أن يرسم توقيعه في الصفحة الاولى من الكتاب... ففعل....
واستمرت لقاءاتنا في الأيام التالية من المهرجان وفي زيارته السنوية لبغداد أثناء انعقاد مهرجان المربد -مرة سلمته بحث تخرجي من كلية الآداب الذي أشرف عليه المرحوم الدكتور جلال الخياط وكان عنوانه"الدلالة الرمزية للمرأة في شعر عبدالوهاب البياتي " فإحتفى به ونشر على حلقات في جريدة " الأنباء " الكويتية عام1988-
كانت تعليقات البياتي الطريفة الساخرة يتناقلها المقربون منه , فقد كانت لاذعة , وهي كثيرة أذكر منها :مرة كان جالسا في غاليري "الفينيق " فجاء ذكر أسماء عدد من الشعراء فأخذ ينتقص منهم , والكل صامت , بعد قليل لاحظ البياتي أن أحد الأخوة العرب كان يجلس على طاولة مجاورة يتابع تعليقاته ويبتسم , فالتفت اليه وقال " أما أنتم فلا يوجد عندكم شاعر حتى نشتمه "
فضج المكان بالضحك!
وكان كثيرا ما يصف الشاعر نزار قباني ب"البرجوازي" ومازلت أذكر موقفا طريفا حصل بحضوري في فندق الرشيد عام1985 أثناء إنعقاد مهرجان الأمة الشعري إذ كنت واقفا مع البياتي وإبنته"أسماء"التي كان عمرها لا يتجاوز12 سنة فمر نزار قباني فتبادل التحية مع البياتي ثم نظر الى أسماء فقال لها مداعبا إياها ومشاكسا البياتي :هل تقرأين شعري؟
فأجابته:نعم
وعاد ليسألها ثانية: وأيهما أجمل شعري أم شعر بابا؟
فأجابت ببراءة:أحب شعرك أكثر فضحك قباني منتشيا , ولم يتركه البياتي يسعد كثيرا بجواب أسماء فانقض عليه ,و عاجله بالقول: طبعا تفضل شعرك على شعري, لأنها مراهقة ,وجمهورك المراهقات !!
فابتسم قباني وغادر المكان دون أن يعلق !!
وظلت علاقتهما متوترة كما هي علاقته مع الشاعرين محمد الفيتوري وعبدالرزاق عبدالواحد الى وفاة قباني حيث ذكرت الشاعرة لميعة عباس عمارة في حواري لي معها بمسقط نشرته جريدة الزمان العدد 306 والصادر في26-4-1999 أي قبل وفاة البياتي بثلاثة شهور "البياتي قتل السياب ونزار قباني " فوضعت الجريدة هذه الجملة عنوانا للحوار الذي نشر عنه تنويها تكرر لثلاثة أيام على الصفحة الأولى مع صورة لميعة وحين سألتها عما تقصده بالقتل أجابت: لقد قتل السياب بسمومه التي كان ينشرها هنا وهناك بعد تركه-السياب- للحزب الشيوعي أما عن نزار قباني فقد تناهى لسمعها انه عندما كان على فراش المرض قرأ في أحد الصحف قول البياتي:إن كاظم الساهر كان وراء شهرة نزار قباني فإنزعج كثيرا !! وبعد أيام توفي
وكان يتشنج من الساهر كثيرا ,لهذا السبب , حتى إنه طلب ذات يوم من نادل أحد المقاهي في الأردن تغيير الشريط الذي وضعه وكان لكاظم الساهر الذي دخل ذات يوم الى الفينيق وحين رأى البياتي أقبل عليه وسلم بحرارة وجلس على مائدته وأهداه احد أشرطته الجديدة وحين ذهب تساءل البياتي معبرا للجالسين عن تنكره له:من هذا الولد؟
فقال له أحدهم مداعبا : أبو علي ليس لهذا الحد, هذا (الولد) أشهر منك !!!
فضحك الجميع
كان كثير الحيوية والنشاط فهو يسهر الى الفجر ثم يذهب الى الفراش ليستيقظ باكرا قبل الجميع... يداوي نفسه بالأعشاب التي يحضرها من حديقة بيته آنذاك - يحب المشي لمسافات طويلة , كنا نقطع شارع ابي نواس مشيا وكان يشاركنا جلساتنا في المقهى العربي بشارع ابي نواس الشاعر عدنان الصائغ حيث كان حريصا على التردد على هذا المقهى الذي يشرف على نهر دجلة فيما يسور بعيدان القصب... وحتى كراسيه صنعت من أعذاق سعف النخيل... نجلس في كرنفال رائع من التوحد مع الطبيعة , فيطل علينا قمر بغداد المشرق وكأنه يستمع الى كلمات الشاعر التي تختصر العصور... ذات مرة ونحن في طريقنا الى المقهى أبصر البياتي عشبة منفردة بعيدة عن مصب الماء فقال: لم لا نسقيها؟ وكأنه أصغى لأنينها وسط صخب المدينة وأبواق السيارات وصراخ الباعة وأحس بوجعها الظاميء.. هذا هو قلب الشاعر يضع حزن قارة كاملة جنبا مع أنين عشبة عطشى!

وبالرغم من كل فتوحاته في عواصم العالم وإنجازاته الإبداعية ونياشينه الشعرية.. والقاعات التي حملت اسمه... والرسائل الجامعية التي كتبت عنه كان يملؤه إحساس بالخسارة , ففي ذات مساء غنى المطرب "حسن بريسم" في جلسة ضمت عددا من الأصدقاء من الأدباء قصيدة للبياتي أعقبها بمجموعة من الأغاني من بينها أغنية مطلعها (كثرت خساراتي) فاحتقن الدم في وجه البياتي وتشنجت عضلاته وارتعشت عيناه حتى إغرورقتا بالدموع , في تلك اللحظة أحسست عمق مأساة هذا الشاعر الكبير... وشعرت أن لا خلاص للشاعر من الخيبة - قال لي الاستاذ مدني صالح ذات مرة "إن الشاعر الكبير مندحر كبير" وهذا الموقف يوضح مدى اندحار الشاعر ازاء الالم الكوني الذي يضج به قلبه، وفي اليوم التالي عندما شرحت للبياتي إحساسي هذا وافقني على الفور وكانت هذه الشرارة نواة لقصيدتي "نبوءة الدب الاكبر" التي أهديتها له وأنشدتها بحضوره في حفل صغير أقمناه في سكن د.أحمد الدوسري وكان معنا الشعراء: جوا الحطاب، عدنان الصائغ،فضل خلف جبر،والدكتور علي عباس علوان والكاتب غازي العبادي وعلي الشمري وخضر الولي والمطرب جواد محسن الذي غنى للبياتي قصائد عديدة ايضا وبعد هذا الموقف همس البياتي في أذن (عدنان الصائغ) فاستأذنا لقضاء أمر ما، وبعد ساعة عاد فسألت الصائغ: عن وجهتهما؟ أجابني: لقد خرجنا نتجول في الشوارع وعندما ملأ رئتيه بهواء الليل الندي طلب مني العودة لمواصلة الأمسية.... وهذا شكل من أشكال تمرده على الأجواء المغلقة ،وحبه لتغيير الأمكنة ,خلال إقامته في الأردن خلال التسعينيات كان ينتقل في أكثر من مكان في الليلة الواحدة !!
لذا فهو لا يستقر بمقام, دائم الترحال بين المدن والعواصم وكأن دماء البدوي الذي إنحدر البياتي من سلالته تجعله في توق دائم للرحيل, وحتى عندما يضع أطنابه في الأرض لا يستقر، يرحل على الأوراق مرة قال لي ولعدنان الصائغ: لا ينبغي للشاعر أن يقر له قرار حتى ينشر عشرة دواوين في الأقل وبعدها يلتقط أنفاسه قليلا ثم يواصل رحلته في قارات الشعر.
وفي اليوم الذي اتصل بي الصائغ قائلا: أن البياتي ينوي الانتقال الى بيت جديد ذهبنا على الفور الى محل سكنه - وكان يقيم مع ولده سعد قرب ملعب العشب الدولي في بغداد فحملنا حاجياته وكان أغلبها موضوعة في صناديق عليها اسم البياتي وشريط طائرة ما، وكأنه على استعداد لرحيل مستمر وبالفعل تحقق هذا فبعد أقل من شهر من إقامته في الشقة التي إستأجرها - وكانت تقع قرب الجامعة التكنولوجية في بغداد - هيأ حقائبه للرحيل من جديد بعد وفاة ابنته نادية في امريكا اثناء حرب الخليج في 1991 - عندما علمنا بخبر رحيلها المفاجيء زرناه أنا والصديق الشاعر عدنان الصائغ ببيته لتعزيته بوفاة إبنته نادية في فوجدناه يجلس بمفرده ورغم حزنه الشديد على إبنته يقرأ في الجزء الخامس والعشرين من كتاب "الأغاني "- وكانت رحلته الاخيرة فلم يعد بعدها الى بغداد اذ استقر بعدها في (عمان) وصرنا نلتقي به في (كاليري الفينيق) كل مساء حتى أصبح معلما من معالم هذا (الكالري) حيث يبدأ جلساته في الساعة السابعة مساء مفردا له طاولته يشاركه عليها: محمد البطراوي، وخيري منصور، وعلي الشلاه، جميل عواد وعدنان الصائغ، صلاح حسن، فؤاد ابو حجلة ونازك ضمره وحازم مبيضين، وأدباء أردنيون وعراقيون وفلسطينيون وأحيانا صحفيون عرب وتمتد لقاءاته بهم حتى ساعة متأخرة - عمان تنام باكرا - حيث يخلو (الكالري) من رواده فيشير البياتي للإنتقال الى مكان آخر... انه رحيل صغير داخل المكان نفسه, وكم كان مؤلما أن أزور هذا المكان بعد رحيله في أغسطس من عام 1999م لأجد طاولته مكتوبا عليها "محجوز" وإسمه وأمام كرسيه الذي إعتاد أن يجلس عليه وضعت صاحبة الكاليري المرحومة سعاد دباح فنجان قهوته قبل أن يغلق "الكاليري " أبوابه للأبد ولتظل كلمات "أبي علي" ترن في ذاكرة القصيدة العربية الحديثة كونه واحدا من أبرز روادها .


razaq61@yahoo.com




 
الاسم البريد الاكتروني