وأد النساء في‮ ‬جمهورية الطوائف العراقية السعيدة‮..‬؟ / داود البصري

داود البصري
وأد النساء في‮ ‬جمهورية الطوائف العراقية السعيدة‮..‬؟

إذا كان للفشل السياسي‮ ‬والأمني‮ ‬من معنى مفجع؛ فإنما‮ ‬يتمثل في‮ ‬خضوع الدولة بأسرها لهيمنة الميليشيات والعصابات الدينية والطائفية التي‮ ‬تقتل على الهوية وتمارس الجريمة في‮ ‬الهواء الطلق وتتعلل بالشعارات الدينية والطائفية لتحاول تطبيقها بمعزل عن القانون،‮ ‬وفي‮ ‬ظل احتقار فظيع للدولة ومؤسساتها ولكل القوانين والأعراف الدينية أو الوضعية‮.‬

ووضعية المرأة العراقية منذ العقود الثلاثة الأخيرة من الزمن العراقي‮ ‬هي‮ ‬واحدة من أبشع الأوضاع في‮ ‬العالم،‮ ‬ففي‮ ‬ظل نظام البعث البائد الذي‮ ‬كان‮ ‬يرفع شعارات التقدم والاشتراكية والعدالة والمساواة تدنت مكانة المرأة العراقية للحضيض،‮ ‬بعد أن تحولت لمستودع للأحزان والآلام والدموع بفعل مرحلة الحروب العبثية والعدوانية ولحملات التهجير والتسفير والظلم الاجتماعي،‮ ‬تجتر أحزانها وتودع أحباءها للمقاصل والمجازر،‮ ‬وتطحن تحت ذل الحاجة والحصار مع كل ما تعنيه معاني‮ ‬كلمة الحصار القاسي‮ ‬من انتهاك للإنسانية وللكرامة البشرية‮.‬

‮ ‬وكان النظام البعثي‮ ‬في‮ ‬سنواته الأخيرة بعد هزائمه قد دخل في‮ ‬مرحلة الدروشة والتدين المزيف،‮ ‬وعاد القهقرى ليسن القوانين الرجعية التي‮ ‬تحط من قيمة المرأة وكرامتها،‮ ‬مثل قوانين الأخذ بالشرف وغسل العار وغيرها من الخزعبلات التي‮ ‬استغلها النظام،‮ ‬ليصفي‮ ‬حساباته مع مخالفيه عبر حملات الرعب في‮ ‬مجازر رؤوس النساء المقطوعة بسيوف‮ (‬جند الفضيلة‮) ‬من عصابات فدائيي‮ ‬صدام التي‮ ‬تحولت فيما بعد لمجاميع العصابات الطائفية والدينية التي‮ ‬تمارس القتل الشامل في‮ ‬العراق اليوم،‮ ‬بعد أن أبدلت السلاح من الكتف الأيسر للأيمن لتستمر قوافل الدم ومهرجانات الجريمة‮.‬

‮ ‬وبعد سقوط البعث كانت الآمال معقودة وطموحة على متغيرات حقيقية قد تغير وجه العراق المظلم بالكامل،‮ ‬إلا أن البديل للأسف كان أشد بؤسا وظلاما من سابقه،‮ ‬وكانت المؤشرات واضحة منذ البداية بعد أن ملأت العصابات الدينية الفراغ‮ ‬الموحش والمريض للدكتاتورية البعثية المقبورة،‮ ‬فهي‮ ‬وحدها التي‮ ‬تملك القوة التي‮ ‬تؤهلها للهيمنة على الأمور،‮ ‬فرياح العقلية الطائفية الخرافية قد هبت على العراق بعواصفها الرهيبة لتجتاح كل أسس البناء الهش الذي‮ ‬كان قائما،‮ ‬يستوي‮ ‬في‮ ‬ذلك الفكر السلفي‮ ‬الرجعي‮ ‬القاعدي‮ ‬الذي‮ ‬يحاول إحياء الرميم،‮ ‬والفكر الطائفي‮ ‬للجماعات الشيعية الذي‮ ‬يمارس بقوة الدعم الإيراني‮ ‬أساليب البلطجة‮.‬

‮ ‬وفي‮ ‬ظل تراجع القوى التقدمية والمتحررة التي‮ ‬لاذ بعضها بالعمائم واللحى من أجل حظوة سلطية أو الحصول على عظمة تلقيها له الجماعات الطائفية المريضة التي‮ ‬تسيدت الموقف مثل حال اليسار العراقي‮ ‬الذي‮ ‬تراجع بشكل مفجع ومؤلم تحت خيمة ديمقراطية مشوهة ومريضة‮ ‬يقودها دكتاتوريون لا علاقة لهم بقيم الديمقراطية الحقة وثقافتها الثرية التي‮ ‬شوهت سمعتها في‮ ‬العراق المعاصر،‮ ‬فحينما‮ ‬يعلن قائد شرطة البصرة اللواء عبد الجليل خلف عن تصاعد أرقام الضحايا من النساء العراقيات اللواتي‮ ‬سقطن تحت سكاكين وحراب ورصاص العصابات الدينية والطائفية؛ فإن الأمر لا‮ ‬يتعلق بأهل البصرة فقط بل‮ ‬يتعلق الأمر بالحكومة العراقية العاجزة عن الفعل والشاطرة بالكلام والمتحصنة بأسوار المنطقة الخضراء واللهلوبة في‮ ‬الاستجداء الخارجي‮ ‬والشفط الداخلي‮.‬

فتحذير قائد شرطة البصرة من تصاعد الجرائم ضد نساء العراق وضد حملات الوأد الجاهلية الجديدة،‮ ‬والذي‮ ‬يؤكد من أنه لا‮ ‬يعرف الجهات التي‮ ‬تقوم بتلك الجرائم،‮ ‬يؤكد ضلوع سلطات الإدارة المحلية وأحزابها المتوحشة بكثير من عمليات القرصنة والقتل الإرهابية‮. ‬فالتحذيرات بالحبر الأحمر التي‮ ‬تهدد بها تلك الجماعات النسوة اللواتي‮ ‬لا‮ ‬يلتزمن بالحجاب الإيراني‮ ‬أو الأفغاني‮ ‬والمنتشرة على حيطان البصرة وغيرها هي‮ ‬تهديدات واضحة بالقتل،‮ ‬وهي‮ ‬فعل جرمي‮ ‬مع سبق الإصرار والترصد تمارسه الأحزاب والتنظيمات الإرهابية والدينية تحت سمع السلطة وأمام عيونها‮.‬

‮ ‬فالسلطة بأجهزتها الأمنية المختلفة من أمن قومي‮!! ‬أو وزارة الأمن الوطني‮ ‬أو المخابرات‮!! ‬أو حتى الموساد‮.. ‬تعلم جيدا من‮ ‬يقف خلف تلك الجرائم الفظيعة؟ وهؤلاء موجودون في‮ ‬البرلمان والوزارة وفي‮ ‬مجالس المحافظات وفي‮ ‬أجهزة الأمن والشرطة‮.. ‬بعد ذلك لا‮ ‬يلام الذئب في‮ ‬عدوانه إن‮ ‬يك الراعي‮ ‬عدو الغنم‮..! ‬وذئاب السلطة الطائفية مشخصون بشكل جيد وموثق،‮ ‬إنهم طالبان العراق الجدد من سنة أو شيعة‮.. ‬وإنهم المجرمون المحترفون الذين تدروشوا ولبسوا أسمال التدين المزيف رياء ونفاقا،‮ ‬ومالم تبادر الحكومة بحماية أرواح الناس والنساء منهم بوجه خاص فإنها تصبح فاقدة لمصداقيتها‮.‬

‮ ‬فالدماء العراقية لا قيمة لها أبدا،‮ ‬فتأملوا العجب العجاب‮..! ‬وأد النساء في‮ ‬العراق لن‮ ‬يتوقف ما دام المشروع الوطني‮ ‬الحداثي‮ ‬الحر‮ ‬غائبا عن الساحة،‮ ‬وما دام الأمريكان‮ ‬يتمسكون بالخرق الطائفية البالية التي‮ ‬يحمونها لتحكم العراق‮..‬




 
الاسم البريد الاكتروني