صدور الترجمة العربية لكتاب تودوروف "الأدب في الخطر" / ابراهيم الحجري

رسالة المغرب / ابراهيم الحجري
صدر/site/photo/326 عن دار توبقال بالمغرب الترجمة العربية الأنيقة لكتاب "الأدب في خطر" للناقد الكبير تزفيطان تودوروف في 57 صفحة من الحجم المتوسط. وقد عودنا المترجم والناقد والباحث الدكتور عبد الكبير الشرقاوي على التوغل في الأسفار التي تهم أسئلتها الثقافة العربية والعالمية في راهنيتهما. في هذا الكتاب يقف تودوروف وقفة المتامل ليس في مشروعه النظري والنقدي فحسب، بل ليعيد النظر في مشروع أسسته البنيوي دون أن تقصد المسارب التي سلكه بها أغلب الباحثين والموجهين التربويين. ففي الوقت الذي كان تودوروف وجينيت وبارت يطورون أساليب واستراتيجيات تناول الأدب، وتحليل النصوص الأدبية، لم يكن قصدهم البتة إقصاء النص وإهمال مضامينه من المعاني والقيم التي يجسدها، بل كانوا يمنحنون الأدب فرصة أكبر ليعبر عن نفسه، ويكشف عن قيمه السامية التي يكون جوهرها هو الإنسان، وذلك من خلال ابتكار مناهج وآليات تساعد الأساتذة والباحثين والمهتمين بالأدب على اكتشاف جماليات النصوص الأدبية، وتقشير معانيها التي لا أهمية لها بدونها.
لقد فطن تودوروف إلى كون العدوى انتقلت من النقاد والباحثين إلى الأساتذة ومحترفي التعليم الثانوي والجامعي الذين أفرطوا في تعليم التلاميذ والطلاب أساليب التحليل ومناهج البحث في الأدب على حساب النصوص ورسائلها ومعانيها. فتكون لدينا جيل عقيم لا يعرف النصوص بل يخبر الآليات فحسب. وهذا عيب كبير أفرزته الدراسات البنيوية عن غير قصد من روادها والذين من بينهم تودوروف نفسه. ونجم عن ذلك جهل عارم في صفوف الطلاب للأدباء والنصوص الكبرى التي أحدثت طفرات عظمى ليس في تاريخ الأدب فحسب، بل في تاريخ الإنسانية جمعاء.
استعرض الباحث في البداية رحلته مع العلم والمعرفة مفسرا أسباب اهتمامه بالأدب وحبه له وانتقاله من أجل ذلك من بلغاريا الى فرنسا بحثا عن آفاق أوسع، يقول: "لو سألت نفسي اليوم لماذا أحب الأدب، فالجواب الذي يتبادر عفويا إلى ذهني هو: لأنه يعينني على أن أحيا. لم أعد أطلب منه، كما في الصبا، تجنيبي الجراح التي تصيبني من لقائي بأشخاص حقيقيين؛ إنه عوض استبعاد التجارب المعاشة، يجعلني أكتشف عوالم على اتصال بتلك التجارب، ويتيح فهما أفضل لها. لا أعتقد أنني وحدي أنظر إليه بهذه النظرة. فالأدب، الأكثر كثافة وإفصاحا من الحياة اليومية، لكن غير المختلف جذريا، يوسع من عالمنا، ويحثنا على تخيل طرائق أخرى لتصوره وتنظيمه" ص 10. والجدير بالأهمية في هذا الاستعراض لحياته مع العلم هو بحثه الدؤوب عن جغرافيات المعنى واجتهاده للعمل على ترسيخ قدسية القيم التي يقترحها الأدب، لما لها من دور في تحفيز الإنسان وتحريكه نحو فهم شامل لقوى الكون، ومن ثمة استغلالها بشكل أقوم.
غير أنه ما فتئ يعود في الفصول المتبقية لينتقد المسار الذي اتخذته الدراسات الأدبية، تلك التي حولت الأدب إلى حقل تجارب لا علاقة لها بعالم الإنسان البتة. لقد أصبح الأدب بالتدريج سفسطة لا معنى لها يجب أن تترك بعيدا عن الاهتمامات اليومية للإنسان، فهمشت القراءة للنصوص العالمية الممتعة التي رسخت قيما سامية وخلقت منعطفات رائعة تستحق التمثل أبدا. يقول: "إن معرفة الأدب ليست غاية لذاتها، وإنما هي إحدى السبل الأكيدة التي تقود إلى اكتمال كل إنسان. والطريق الذي يسلكه اليوم التعليم الأدبي الذي يدير ظهره لهذا الأفق، يجازف بأن يسوقنا نحو طريق مسدود -دون الحديث عن أن من العسير عليه أن يفضي إلى عشق للأدب" ص 16.
لقد أفسد في نظره التيار العدمي الذي يرى في النصوص الأدبية مجرد حقل لممارسة النظرية، الأذواق وحرض على عدم العناية بالأدب. وما جدوى العناية به إذا كان سيفضي إلى اللاشيء؟ يقول: "يعرف هذا التيار العدمي استثناء هاما، يتعلق بالشذرة من العالم المتشكلة من المؤلف نفسه. إن ممارسة أدبية أخرى تصدر بالفعل عن موقف رضى عن الذات ونرجسية، تسوق المؤلف إلى أن يصف بأدق التفاصيل أدنى انفعالاته، وأتفه تجاربه الجنسية، وذكرياته الأشد سطحية: بقدر ما العالم منفر، بقدر ما الذات جذابة! فضلا عن أن تجريح الذات لا يدمر هذه المتعة، إذ المهم هو الكلام عن الذات، أما ما يقال عنها فهو ثانوي، الأدب ما عاد عندئذ سوى مختبر حيث يمكن للمؤلف أن يدرس ذاته متفرغا ويحاول أن يفهم نفسه" ص 22. ويدافع تودوروف عن العلاقة الوطيدة التي تربط الأدب بالعالم الخارجي "سواء من جهة المؤلف، الذي ينبغي له معرفة حقائق العالم كي يقدر على "محاكاتها"، أو من جهة القراء والسامعين الذين، بالتأكيد، يجدون فيها متعة، لكنهم أيضا يستمدون منها دروسا قابلة للتطبيق على سائر حياتهم" ص 23. لقد فطن إلى أن تمثل الأدب واستغلال قيمه هو السبيل إلى الانفتاح على الكون وفهم الأخر ونبذ العنف وحب النوع الإنساني.
إننا نختال الأدب حينما نجعل الأعمال الأدبية مجرد أمثلة توضيحية لرؤية شكلانية، أو عدمية، أو أنانية للأدب. هذا ما يذهب إليه الباحث باستياء، معددا أهداف الأدب وقيمه التي ينفرد بها عن غيره من المجالات، مستصرخا الآذان كي تهب إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل أن نهوي بالقيم إلى أسفل الدرك، يقول: "ولأن موضوع الأدب هو الوضع الإنساني نفسه، فالذي يقرأ الأدب ويفهمه سيصير، لا متخصصا في التحليل الأدبي، بل عارفا بالكائن البشري" ص54. لذلك يلزم إدراج الأعمال الأدبية في الحوار العظيم بين البشر.
إن صرخة تودوروف يجب أن لا تذهب سدى. علينا جميعا أن نعيد، في ضوء هذا التصور، قراءاتنا فيما سبق أن قرأناه. تماما كما كنا نفعل عندما كنا نتهافت على الابتكارات البنيوية في مجال تحليل النص الأدبي. فإذا كان بالأمس همنا هو النص، فاليم نحن أمام انهيار للقيم التي يهواها النص ويتمثلها ويتغيى ترسيخها لدى القراء.
آراء القراء

rachida

je crois que todorrove parle d' une manière symbolik mais tres simple
#2008-01-04 06:31



 
الاسم البريد الاكتروني