المطبخ المغربي.. تنوع واصالة

 إن المطبخ المغربي هو من احد المطابخ الغنية والمتنوعة حول العالم، فهو مزيج من المطبخ البربري، الشرق أوسطي، المتوسطي والإفريقي. عبر القرون، توحد مطبخ المناطق المغربية فاس، مكناس، مراكش، الراباط وتطوان الملكية أطباقها لنحصل اليوم على المطبخ المغربي الشهير.

ورغم ان الاطباق الرئيسية على مائدة الطعام المغربية غنية، بما فيها من لحوم ودجاج واسماك، تظل المائدة ناقصة، ان لم ترافقها السلطة، أي "الشلادة" او "لاسلاد" كما يسميها المغاربة، فالسلطة هي التي تفتح شهية الاكل، وقبل ذلك تعطي شكلا ملونا للمائدة تعشقه العين قبل البطن

 

· الم/site/photo/2417 طبـخ المغـربي امـتزاج بالحـيــاة من المولد إلى العرس في موروث أصيل
· المغــاربــة يضـعون فـــي المطـبــــخ حسَّهم وارتباطهم بالأرض وطبيعة ساكنيها
· القرويون يستقبلون الضيف بالشاي المنعنع ومقبلات العسل والسمن مع طحين اللوز
· الطاجين باللحم أو الدجاج البلدي وجبة الصيف الأساسية في الريف


ما أن وضعت فتيحة مولودها الأول حتى قامت أمها بإعداد السلُو، وهي وجبة النفساء المكونة من الدقيق واللوز وبعض المقوّيات المغربية التقليدية، وذلك حتى تسترد فتيحة حيويتها ونشاطها اللذين انهكتهما فترة الحمل والولادة، وحتى تقوى على إرضاع وليدها لحولين كاملين. وعندما حل بفتيحة اليوم السابع الذي سيمنح فيه لطفلها اسمه قامت أمها بفرحة غامرة صباحاً وأعدت لها فطائر الملاوي والبغرير .. ومع فرحة الجميع نحر الكبش الأقرن الأملح وما أن حل المساء حتى أخفى القفطان الطويل الذي ارتدته فتيحة كل إسراف سيغدق عليها من أمها وزوجها وأفراد العائلة حتى يوم الأربعين.
أما مريم الأخت الصغرى لفتيحة فقد شغلها شاغل العرس والأسرة الجديدة التي ستنتقل إليها مع زوجها القادم.
وفي يوم العرس قامت الأم بإعداد الأكل الذي لم تحركه مغرفة لمريم وذلك لكي تكون حياتها هنيئة لا يكدرها مكدر.
وقد كان يوم عرس مريم يوماً مشهوداً، فقد كان المدعوون في شغل شاغل عن أصوات الدفوف والأهازيج ما بين مستمع ومستمتع متلذذ بأكل التفاية المزينة باللوز والسكر بعد أن طُعم الجميع من البسطيلة والدجاج بالزيتون الحامض. ومع إشراقة شمس الصبيحة كانت مريم وزوجها قد انتهيا من إعداد الإفطار المكون من الرز بالحليب وهو فأل بأن تصبح العروس طاهرة مثل الحليب. وما أن حل الضحى حتى شرعت مريم في قبول التحدي ودخلت المطبخ لتثبت لحماتها جدارتها في إعداد الطعام وكان التحدي هو إعداد طاجين السمك. وبعد اجتياز الاختبار قدمت لها حماتها أمام زوجها شهادتها بحذاقتها في المطبخ، ثم رافقتها إلى الحمام (خارج المنزل تغتسل فيه النساء) حيث اغتسلت من رائحة المطبخ وعادت وقد أُعد لها الشاي الأخضر المنعنع لاسترجاع نشاطها.
كانت مريم تعلم يقيناً أن أمامها أكثر من تحد واختبار وهي في بيت أهل زوجها، وكانت تعلم أن طريق توطينها في هذا المنزل يمر عبر المطبخ حيث يتحتم عليها إتقان عمل البسطيلة وغزل الكوسكوسي وإعداد الشباكية وكعب الغزال.
كما أنها كانت تعي أن عليها إتقان مزج توابل المروزية، وعليها أن تحرص على ألا تحرق أصابعها عند إخراج فطائر المولد المنتفخة بالهواء الساخن من الفرن، وتعلم أن فخرها أمام الأسرة لن يكتمل ما لم تتمكن من سماع عبارات الثناء على الحريرة التي تعدها لمائدة الإفطار في رمضان.
وعندما قررت مريم أن تسرح بخيالها استشرافاً لأيام تتوق لحلولها فهي تعلم أن قلبها سيطير فرحاً وهي تشاهد نحر الكبش الذي سيقدم هبة من زوجها للعمال الذين سيشرعون في بناء بيتها الجديد بعيداً عن بيت أسرة زوجها. وكم غمرتها النشوة وهي تفكر في تلك اللحظة التي ستستقبل فيها زوارها في ذلك البيت وقد أعدت لهم أول طبق من الكوسكوسي وقد أحاط به الشواء الذي ستعده في ذلك اليوم وذلك البيت.
كم تهفو أذناها لسماع ذلك الدعاء الذي سوف يردده زوارها بأن يعطيها الله حياة هنيئة في منزل مبارك تخطو فيه خطوات العمر القادم، بداية من زوجة محبة وأم رؤوم ثم حماة صارمة فجدة حنون.
هكذا يروي لنا عبدالمجيد أبو حميد قصة المطبخ المغربي.
إنه امتزاج بالحياة من المولد إلى العرس، ومن بيت أهل الزوج إلى بيت الزوجية العامر. وهذا العمق الذي يفهمه عبدالمجيد أو أي مغربي آخر عن المطبخ المغربي لهو أحد عمقين جعلا المطبخ المغربي جديراً بأن يحتل المركز الثالث بين مطابخ العالم بأطباقه التقليدية التي قدمت في مهرجان الطبخ العالمي في مدينة لوس أنجلوس الأمريكية قبل بضع سنوات. وإن كان حكم خبراء التقويم قد وضعه ثالثاً بعد المطبخين الصيني والفرنسي إلا أن بعضهم قد أشاد بأنه يتفوق على المطبخ الفرنسي بتميزه بالنكهة الجميلة والتذوق الفريد.
أما العمق الآخر الذي يتمتع به المطبخ المغربي في حس أهله فهو ارتباطه بالأرض وطبيعتها وطبيعة ساكنيها. فإن لكل شبر في المغرب مذاقه في الطهو فأينما اتجهت وجدت لكل قوم طبقهم؛ ففي الجنوب حيث منطقة سوس تجد الطاجين الجنوبي المعتمد على زيت الزيتون في إعداده ، وفي الوسط تجد الحريرة المراكشية والمتفردة بوجود البيض في مكوناتها الأساسية والحريرة الفاسية المحتوية على الحمص والعدس، أما الحريرة البيضاوية (نسبة للدار البيضاء) ففيها جميع المكونات.
أما أغادير الساحلية فتميزها بأطباقها السمكية حيث طاجين سمك الهامور الذي يسمى بسمك القُرب، ولعل الاسم قد جاء من مسماه الفرنسي (كوربين) وهو هامور بلذته المعروفة وإن تعددت أسماؤه. والمطبخ المغربي اليوم قرية ومدينة.
أما القرية المغربية فهي لا تزال محافظة «بكل معنى للكلمة» على عاداتها الغذائية وأطباقها التقليدية. فلو جلنا في قرى الجنوب المغربي حيث المزارعون والفلاحون فطابعهم الكرم فما أن يحل بساحتهم الضيف حتى يبدأ الإكرام بالترحيب ثم الشاي المنعنع وتليه المقبلات المكونة من العسل والسمن البلدي مع طحين اللوز المعد بزيت «أرجان» الذي لا ينبت نباته إلا هناك. وهم يعتقدون أن هذا الزيت متميز ومفيد لنضارة الوجه والبشرة. أما وجبة الضيف الأساسية فهي الطاجين باللحم أو ربما زادوا في إكرام الضيف بإعداد الطاجين بالدجاج البلدي.
وأهل القرى المغربية يحبون الاجتماع على أربع وجبات يومياً، فعندهم فطوران: الأول بعد الفجر وهو مكون من القهوة والحريرة (حساء)، والإفطار الثاني يكون بعد عودتهم من الحقول ضحىً وهو عبارة عن طاجين باللحم. أما الغداء فيقدم بعد العصر والعشاء بعد العَشاء.
أما المدن المغربية فإنها وإن كانت تجمعها أطباق المغرب بصورة أساسية ألا أن أهلها يعترفون بأنهم قد تأثروا بالفرنسيين في طريقة تقديم الطعام، وأن أطباقهم قد تأثرت بالصلصات الفرنسية الشهيرة. والحقيقة التي لا تحتاج إلي اعتراف معترف هي أن يد الطباخ الأمريكي -بوجباته السريعة ومطاعمه المشهورة- قد طالت بطون شباب المغرب ولاغرو، أليس المغرب جزءاً من العالم الذي ما ترك ماكدونالد وكنتاكي جزءاً منه إلا وشيدا لهما فيه فرعاً وفروعاً.
ورغم هذا فإن المغاربة يؤكدون أنهم عرب المطعم والمشرب، فعقولهم عربية وهم يجتمعون مثل بقية العرب على ثلاث وجبات أساسية وبالطريقة نفسها سلباً وإيجاباً. كما أنهم يؤكدون اشتراكهم في مطبخهم الذي يقدم لهم الطاجين والكوسكوسي والحريرة والبسطيلة أكان ذلك في البادية أم في القرية أم في المدينة وهذه هي الحقيقة.




 
الاسم البريد الاكتروني