بين يدي الشيخ الأبيض

 بين يدي الشيخ الأبيض


02/10/2009

"لست مواطناً لأثينا أو اليونان: أنا مواطن للعالم"
(سقراط)
ماذا لو التقيت المواطن "العربي" عبدالله بن محمد، قرب قلعة مرباط بظفار، الذي صار شيخاً على قبيلة القرا، وسألته: مَنْ أنت أيها العربي الجريح؟


ستُدهش عندما يقول لك: "كنت أيضاً جوهانس هيرمان بول. أمريكي الأصل، والداي من أصل هولندي عاشا في مدينة سيلم الأمريكية".

حسناً، دعك في دهشتك قليلاً، لأنك ما أن تغادر الصفحة الأولى من نص "الشيخ الأبيض" للدكتور سلطان بن محمد القاسمي، حتى تدخل في عوالم من القيم والعادات، العربية والأجنبية، تشير إلى ثقافات مختلفة، تلتقي في رجل اسمه جوهانس هيرمان بول، الذي تخلى - طواعية - عن اسمه ليختار بديله في كل شيء، ثم ليكون شيخاً على قبيلة القرا: ذلك هو الشيخ الأبيض، عبدالله بن محمد.

منْ هنا، من هذا الباب العالمي، الانساني، ندخل إلى التأليف المحكم، المنسوج بعناية ونضج، كما بناه الدكتور القاسمي، لنجد أنفسنا في حديقة من الأفكار، يقوم على هندسة أركانها بُستاني خبير.

يمنحنا "الشيخ الأبيض" فرصاً للحلم، ويحيلنا إلى شخصيات أخرى صارت مهاجرها أوطانها، بل وقدمت ل "الأوطان الجديدة" خبرة تاريخية، أو مجداً تليداً، في كتاب شعري، أو انجاز روائي، أو كتاب مسرحي، أو لوحة تشكيلية.

قبلاً، حين كانت الدنيا جميلة، والناس أجمل، كان العربي ينتقل من تلمسان إلى القاهرة، ومن الكوفة إلى دمشق، ومن اليمن إلى الاندلس، ويبقى عربي اللسان والقلب.

بعد ذلك الزمن الجميل، والدنيا الجميلة، صارت الحدود غرفاً محروسة بعناية، لا تغادرها إلا بجواز سفر رسمي صالح، مصحوباً بهدية - احياناً- هي رشوة في واقع الحال.

صارت الحدود جدراناً، مكهربة أحياناً.

لكن بيرم التونسي، تخطى تلك الحدود، صار مصرياً، كتب شعراً مدهشاً بالعامية المصرية، بل صار "شيخ مدرسة" في شعر العامية المصرية، ثم نفي من مصر، عبر البحر، فعاد إليها عبر البحر.

وهذا يحيى حقي، صاحب "قنديل أم هاشم" من يجرؤ على القول إنه يمني، وهو الذي عاش في مصر باعتباره واحداً من ابنائها؟ بل إن كثيراً من الناشئة المصرية يعرفون أن مؤلف "قنديل أم هاشم" مصري.

وهو كذلك فعلاً، ونحن كذلك فعلاً عرب.

وهذا فؤاد حداد، وغيره من لبنانيي مصر.

فلماذا - إذاً - يأخذنا العَجَب - ولا نقود الزهو من يده، ونقول له: ذاك هو عبدالله بن محمد، شيخ القرا، الشيخ الابيض. فتأمل أيها المجد، سماحة العروبة، وحُسن خلق العرب.

سيقول أحدهم: هذا كلامكم - فقط - أيها الكتاب، كتب في كتب على كتب تحتها كتب، فأقول: حتى ولو كانت كذلك، فإنها خير من حدود صنعها الأجانب.


جمعة اللامي
www.juma-allami.com




 
الاسم البريد الاكتروني